ذئاب الأزمات!

لوحة فيها صورة ذئب ومكتوب بها ذئاب الازمات

هناك فئام من البشر أقل ما يوصفون به أنهم ذئاب الأزمات! إذ يرون في الأزمات فرصة للعلو والتربُّح والثراء ولو على حساب الآخرين! وكأنهم ذئاب ضارية تنقَضُّ على الضحية الجريحة تنهش لحمها وتمتَصُّ دماءها!

من هؤلاء صنفٌ من التجار لا رحمةَ في قلوبهم، يستغلون أزماتِ الناس للتَّرَبُّحِ وبناءِ الثرواتِ عن طريق احتكار السلع، أو إغلاء الأسعار غير مبالين بالفقراء والمعوزين! قد أهمتهم أنفُسُهم، وأعمى حبُّ المالِ قلوبَهم!

وأخس من هؤلاء وأشد لؤمًا أولئك الذين يصطنعون الأزمات بالترويج والإشاعات وربما بنشر الأمراض والفيروسات، ثم يستغلونها لبيع أدوية أو أغذية أو واقيات، فيأثمون مرتين، مرة بالكذب والعدوان، ومرة بأكل أموال الناس بالباطل والبهتان، فاستحقوا أن يضاعف لهم العذاب ضعفين، فويل لهم ثم ويل لهم!

ألا فليعم هؤلاء وأولئك أن ما خولهم الله تعالى من أموال وتجارات إنما هو ابتلاؤهم في حياتهم الدنيا، والموعد الله! قال ربنا سبحانه: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الكهف: 7).

خطورة ذئاب الأزمات

وعندما يتحولُ التاجرُ إلى ذئبٍ والمستهلكُ إلى ضحيةٍ، تسودُ حالةٌ من العداءِ والكراهيةِ تهدد سلم المجتمع وترابطه، وقد يدفع هذا الحالُ بعض ضعاف النفوس لردود فعل يائسة أو سلوكيات خارجة عن الشريعة والقانون كالسرقة ونحوها، ويكون على أولئك التجار كِفْلٌ من أوزار هؤلاء الخارجين.

أين هؤلاء التجار من الرحمة التي ينبغي أن تكون شيمة المسلم مع إخوانه، كما ذكر الله عز وجل في كتابه: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: 29)، إن قلوبًا خَلت من هذه الرحمة لهي مهددةٌ أن تُحرمَ من رحمةِ الله عز وجل، ففي الحديث: «مَن لا يَرحَمُ لا يُرحَمُ»(1)، وما يُغني المالُ مَن حُرِمَ رحمةَ اللهِ عز وجل!

لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتَى     إِذا حَشْرَجَتْ يَوْماً وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ(2)

(يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ {88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء).

الأزمات.. ابتلاء وتمحيص

ألا يعلم هؤلاء أن من حِكَمِ الله تعالى فيما يُصيبُ الناسَ من أزماتٍ أن يَمتحن أخلاقَهم، ويَكشِفَ معادنَهم، ويُمحِّص قلوبَهم، قال تعالى: (مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (آل عمران: 179).

ندعو هؤلاء أصحاب الثراء والتجارات أن يولوا وجوههم نحو أصحاب النفوس الكبيرة التي فاضت بالرحمة واتخذت من المال وسيلة للقرب من رب العالمين جل جلاله.

1- عثمانُ المعطاء وقت الشدة:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَحَطَ الْمَطَرُ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إلى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالُوا: السَّمَاءُ لَمْ تُمْطِرْ، وَالْأَرْضُ لَمْ تَنْبُتْ، وَالنَّاسُ فِي شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: انْصَرِفُوا وَاصْبِرُوا فَإِنَّكُمْ لَا تُمْسُونَ حَتَّى يُفْرِّجَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْكُمْ، فَمَا لَبِثْنَا إِلَّا قَلِيلًا أَنْ جَاءَ أُجُرَاءُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الشَّامِ، فَجَاءَتْهُ مِائَةُ رَاحِلَةٍ بُرًّا، أَوْ قَالَ: طَعَامًا، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إلى بَابِ عُثْمَانَ، فَقَرَعُوا عَلَيْهِ الْبَابَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عُثْمَانُ فِي مَلَأٍ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ: مَا تَشَاءُونَ؟ قَالُوا: الزَّمَانُ قَدْ قَحَطَ، السَّمَاءُ لَا تُمْطِرُ، وَالْأَرْضُ لَا تَنْبُتُ، وَالنَّاسُ فِي شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ عِنْدَكَ طَعَامًا فَبِعْنَاهُ حَتَّى تُوَسِّعَ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ.

قَالَ عُثْمَانُ: حُبًّا وَكَرَامَةً، ادْخُلُوا فَاشْتَرُوا، فَدَخَلَ التُّجَّارُ فَإِذَا الطَّعَامُ مَوْضُوعٌ فِي دَارِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا مَعَاشِرَ التُّجَّارِ، تُرْبِحُونِي عَلَى شِرَائِي مِنَ الشَّامِ؟ قَالُوا: لِلْعَشَرَةِ اثْنَا عَشَرَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: قَدْ زَادُونِي، قَالُوا: لِلْعَشَرَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: قَدْ زَادُونِي، قَالُوا: لِلْعَشَرَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ قَالَ عُثْمَانُ: قَدْ زَادُونِي قَالَ التُّجَّارُ: يَا أَبَا عَمْرٍو؛ مَا بَقَى فِي الْمَدِينَةِ تُجَّارٌ غَيْرُنَا، فَمَنْ ذَا الَّذِي زَادَكَ؟ فَقَالَ: زَادَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِكُلِّ دِرْهَمٍ عَشْرَةً، أَعِنْدَكُمْ زِيَادَةٌ؟ فَقَالُوا: اللَّهُمَّ لَا قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ هَذَا الطَّعَامَ صَدَقَةً عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ.

فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَرَأَيْتُ مِنْ لَيْلَتِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (يَعْنِي فِي الْمَنَامِ) وَهُوَ عَلَى بِرْذَوْنٍ أَبْلَقَ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ مِنْ نُورٍ، فِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ مِنْ نُورٍ، وَبِيَدِهِ قَضِيبٌ مِنْ نُورٍ، وَهُوَ مُسْتَعْجِلٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدِ اشْتَدَّ شَوْقِي إِلَيْكَ وَإِلَى كَلَامِكَ، فَأَيْنَ تُبَادِرُ؟ قَالَ: «يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَبِلَهَا مِنْهُ، وَزَوَّجَهُ بِهَا عَرُوسًا فِي الْجَنَّةِ، وَقَدْ دُعِينَا إلى عُرْسِهِ(3).

وما أحوج أمتنا لتلك الرحمة العثمانية التي تؤثر ما يبقى على ما يفنى.

2- «الأشعريون مني وأنا منهم»:

ضرب الأشعريون(4) أروع المثل لسلوك المؤمنين وقت الأزمات تَراحُمًا وتكافُلًا، ولقد نالوا بذلك إعجاب النبي صلى الله عليه وسلم ومَنَحَهم قِلادةَ شَرَفٍ لا تَقُومُ لها الدنيا، ففي حديث أبي موسى الأشعري قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الأشعَريِّينَ إذا أرمَلوا في الغَزوِ أو قَلَّ طَعامُ عيالِهم بالمَدينةِ، جَمَعوا ما كانَ عِندَهم في ثَوبٍ واحِدٍ، ثُمَّ اقتَسَموه بينَهم في إناءٍ واحِدٍ بالسَّويَّةِ، فهُم مِنِّي وأنا منهم»(5)؛ «إذا أرمَلُوا» فَنِيَ زادُهُم وأصله من الرمْل كأنهم لصقوا بالرمْل من القِلة، وقوله: «فهُمْ مِنِّي وأنا مِنهُم» هم متصلون بي؛ والمراد: فعلوا فعلي في هذه المواساة(6).

مضاعفة الأجور حين المسغبة

ولقد أشار القرآن الكريم إلى فضيلة الإحسان في وقت الأزمات خاصة، كقوله تعالى: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ) (البلد: 14).

فالآية الكريمة تَنُصُّ على فضيلة الإحسان بإطعام الطعام خاصةً وقت «المسغبة»؛ وهي المجاعة، أو يومٌ يكون الطعامُ فيه عزيزاً(7)، وتُبين أن «العقبة»(8) لا تُقتحم إلا بتقديم العون من فك الرقاب، أو بإطعام الجائعين وتخفيف شدتهم، هذا وإن إطعامَ الطعامِ فضيلةٌ في كل وقتٍ لكن تَزيدُ فضيلتُهُ وقتَ المسغبة.

كما أشار القرآن لذلك أيضاً في قوله تعالى: (لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ) (الحديد: 10).

الهوامش
  • 1 صحيح البخاري: ك «الأدب»، ب «رحمة الناس والبهائم» (6013).
  • 2 كتاب المحتضرين، ابن أبي الدنيا، ص51، دار ابن حزم، بيروت، 1997م ت محمد خير.
  • 3 الشريعة، الآجري (4/ 2013)، ط دار الوطن، 1999.
  • 4 قبيلة أبي موسى رضي الله عنه، انظر: فتح الباري، ابن حجر (5/ 164)، دار الكتب العلمية.
  • 5 صحيح البخاري: ك «الشركة»، ب «الشركة في الطعام» (2486).
  • 6 انظر: فتح الباري، ابن حجر (5/ 164)، دار الكتب العلمية.
  • 7 انظر: تفسير القرآن العظيم، الإمام ابن كثير (8/ 408)، دار طيبة، 1999م.
  • 8 عقبة أو جبل في جهنم، انظر: تفسير الإمام ابن كثير (8/ 405).
الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة