رجاء الفرج.. حكاية السجين الأديب

يحيى الكاتب

06 نوفمبر 2026

14

رجاء الفرج.. حكاية السجين الأديب

من الحكايات العجيبة عن رجاء الفرج من الله عز وجل، وحسن ظن الإنسان المكروب في ربه، حكى عبيد الله بن سليمان، عن أبيه قال: كنت يوماً في حبس محمد بن عبدالملك الزيات، في خلافة الواثق، آيسَ ما كنت من الفرج، وأشد محنة وغمّاً، حتى وردت عليَّ رقعة أخي الحسن بن وهب، وفيها شعر له:

محن أبا أيوب أنت محلها *** فإذا جزعت من الخطوب فمن لها

إن الذي عقد الذي انعقدت به *** عقد المكاره فيك يحسن حلها

فاصبر فإن الله يعقب فرجة *** ولعلها أن تنجلي ولعلها

وعسى تكون قريبة من حيث لا *** ترجو وتمحو عن جديدك ذلها

قال: فتفاءلت بذلك، وقويت نفسي، فكتبت إليه:

صبرتني ووعظتني وأنالها *** وستنجلي بل لا أقول لعلها

ويحلها من كان صاحب عقدها *** ثقة به إذ كان يملك حلها

قال: فلم أصلِّ العتمة ذلك اليوم، حتى أُطْلِقت، فصليتها في داري، ولم يمض يومي ذاك، حتى فرج الله عني، وأطلقت من حبسي.

وروي أن هاتين الرقعتين وقعتا بيد الواثق، الرسالة والجواب، فأمر بإطلاق سليمان، وقال والله، لا تركت في حبسي من يرجو الفرج، ولا سيما من خدمني، فأطلقه على كره من ابن الزيات لذلك.

حكاية رجاء الفرج .. بيان وفوائد

إن المحن مهما اشتدت لا ينبغي أن تطفئ جذوة الأمل في النفس؛ فكم من إنسان أحاطت به الشدائد حتى ظن أن النجاة بعيدة، ثم جاءه الفرج من باب لم يخطر له على بال. والكلمة الطيبة قد تكون في لحظات الضعف طوق نجاة، تعيد إلى النفس قوتها، وتبعث فيها الثقة والطمأنينة، والمؤمن لا يقطع رجاءه بالله، ولا يستسلم لليأس، بل يصبر ويحسن الظن بربه، مستيقنًا أن من قدّر البلاء قادر على كشفه، وأن بعد العسر يسرًا. ومن أهم العبر والفوائد:

1- عدم اليأس من رحمة الله مهما اشتدت المحن: قد يبلغ البلاء بالإنسان مبلغًا يظن معه أن الفرج مستحيل، لكن رحمة الله أوسع من كل شدة، وقد يأتي الفرج في اللحظة التي يظن فيها المرء أن أبوابه قد أُغلقت.

2- الصبر مفتاح الفرج: الصبر عند نزول الشدائد ليس مجرد احتمال للألم، بل هو ثبات النفس وحسن انتظار الفرج، والثقة بأن المحنة لن تدوم.

3- حسن الظن بالله يقوّي النفس في أوقات المحن: استبشر سليمان بنصيحة أخيه، واستمد منها قوة نفسية وأملًا في الخلاص، فكان لحسن الظن بالله أثر عظيم في تثبيته ومقاومة يأسه.

4- الكلمة الطيبة قد تنقذ إنسانًا من اليأس: لم تكن أبيات الحسن بن وهب مجرد كلمات منمقة، وإنما كانت رسالة مواساة وتثبيت، أعادت إلى أخيه الأمل في وقت كان أحوج ما يكون فيه إلى من يخفف عنه.

5- المواساة الحقيقية تكون بمشاركة المهموم آلامه وآماله: من واجب الأخ والصديق أن يقف إلى جوار من أصابته المحنة، وأن يمده بالكلمة الطيبة التي تعينه على تجاوز ألمه، وتبعث في نفسه روح الرجاء.

6- قوة الصلة بين الإيمان والأمل: الإيمان بأن الله هو الذي قدّر المكاره، وهو القادر على حلها، يجعل المؤمن أكثر ثباتًا وطمأنينة؛ لأنه يعلم أن الأمر كله بيد الله.

7- الفرج قد يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان: كان سليمان في أشد حالات اليأس من الخلاص، ثم جاءه الفرج سريعًا، ولم يكن يتوقع أن تكون أبيات أخيه سببًا في وصول أمره إلى الخليفة وإطلاق سراحه.

8- لا ينبغي استبعاد قرب الفرج مهما طال الانتظار: قول الحسن: «وعسى تكون قريبة» يحمل معنى تربويًّا مهمًّا، وهو أن الإنسان لا ينبغي أن يقيس قرب الفرج بامتداد المحنة، فقد تنتهي الشدة في لحظة لم تكن متوقعة.

9- التفاؤل يمنح الإنسان القدرة على مواجهة الواقع: استبشار سليمان بأبيات أخيه لم يغيّر وضعه داخل السجن في البداية، لكنه غيّر حالته النفسية، وأعانه على استعادة ثقته وانتظار الخلاص.

10- المحبة الصادقة تظهر في أوقات الشدائد: تكشف الحكاية عن عمق العلاقة الأخوية بين الحسن بن وهب، وسليمان، فقد حرص الأول على مواساة أخيه وتثبيته، ولم يتركه فريسة لليأس والوحدة.

11- للشعر أثر في النفوس يتجاوز جمال العبارة: أدت الأبيات في هذه الحكاية وظيفة إنسانية ونفسية؛ إذ حملت رسالة أمل وثقة، وأسهمت في تغيير الحالة المعنوية لمن وُجّهت إليه.

12- قد تتحول المحنة إلى سبب في انكشاف الفرج: لولا وقوع الرسالة والجواب في يد الواثق، وما تضمناه من رجاء وثقة، ربما لم تكن واقعة إطلاق سراح سليمان قد حدثت على الصورة نفسها؛ وفي ذلك دلالة على أن بعض الأحداث التي تبدو مؤلمة قد تفتح أبوابًا غير متوقعة للنجاة.

13- الإحسان إلى أصحاب الفضل والمروءة من شيم الكرام: أشار الواثق إلى أن سليمان ممن خدموه، فجعل ذلك سببًا إضافيًّا لإطلاقه، وفي هذا إشارة إلى أهمية الوفاء لأهل الفضل وعدم نسيان إحسانهم.

14- الأمل لا يتعارض مع الأخذ بالأسباب: لم يقتصر أثر الرسالة على بث الرجاء في نفس سليمان، بل أصبحت وسيلة وصلت من خلالها معاناته إلى الخليفة، فاجتمع الأمل مع السبب الذي تحقق به الفرج.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة