يوميات متقاعد (27)
رحلة بورصة.. ذكريات العبادة والجمال وصلة الرحم
في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض
المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف
عند العِبر المستفادة منها.
رحلة إلى بورصة بتركيا.. ذكريات أسبوع بين الجمال والتأمل
نبدأ بهذا اليوم، وهو يوم الجمعة 9 مايو 2025م،
حيث كنت في رحلة خاصة مع أخي د. زهير لزيارة تركيا، مدينة بورصة، لمدة أسبوع، وقد
كلمتكم في مقالة سابقة عن الأيام الأولى الأربعة، والآن أكلمكم عن آخر ثلاثة أيام
لنا في بورصة.
في هذا اليوم، قمنا بزيارة مول معروف في
بورصة اسمه «ظفر بلازا»، وشربنا القهوة من مقهى مشهور اسمه «كافيه دنياسي»؛ أي
عالم القهوة، ثم قمنا بالتسوّق في السوق المسقف، القريب من «ظفر بلازا»، وهذه
السوق كبيرة ورائعة وتستحق الزيارة، فيها كل ما تشتهيه النفس من ذهب وفضة وأثاث
وملابس ومطاعم وفواكه وخضراوات.
ثم، قبل صلاة الجمعة بنصف ساعة، دخلنا
الجامع الكبير، الذي يعرف باللغة التركية باسم «أولو جامي»، وكلمة جامي تعني جامعاً،
الذي بني عام 1399م، وهو أول جامع كبير يُبنى في مدينة بورصة، عاصمة الدولة
العثمانية الأولى.
لماذا نذهب إلى الأماكن البعيدة وعندنا القريب الجميل حيث الناس
يحبوننا ونحبهم والعادات والتقاليد متقاربة؟!
بعد الصلاة، كانت هناك صلاة جنازة على
أحد الموتى، وشاركناهم في الصلاة من أجل كسب الأجر، بعد ذلك، وبعد الغداء، قمنا
بزيارة حديقة اسمها «بوتانيك بارك»، يا لها من حديقة جميلة، بتضاريسها الجميلة،
والزوايا المتدرجة فيها، والأشجار المتنوعة، والبحيرة الرائعة، وأكشاك بيع الآيس
كريم والذرة!
وبالمناسبة، الذرة في تركيا يسمونها «مصر»
(Mısır)،
ويبدو أن لذلك علاقة بأصول الذرة التي وصلت إليهم من مصر، فيسمونها «مصر».
وهناك قمنا بجولة كاملة في هذه الحديقة،
وأخذنا الذكريات والصور الثابتة والمتحركة، لما فيها من أمور رائعة جداً، حديقة لا
بد من زيارتها لكل من زار بورصة.
ثم ليلاً، ذهبنا إلى إحدى الجمعيات
التعاونية المشهورة واسمها «أونور»، وبدأنا بشراء ما نحتاج إليه من مأكولات وأطعمة
وأشربة، ودار بيني وبين البائعة (الكاشير) حديث طويل، حيث قالت لي: إن هذا المسرى
هو خط لمن يريد أن يدفع بالبطاقات، وهذا خط آخر لمن يريد أن يدفع نقداً؛ والنقد في
تركيا يسمونه «نكتْ» (Nakit)، من نفس الكلمة العربية النقد، أما الكرت فيسمونه «كارتْ» (Kart)، كذلك تستعمل في تركيا عبارة «كارت أودا»؛ أي هنا الدفع بالكرت،
و«نكتْ أودا»؛ أي هنا الدفع نقداً.
يوم السبت 10 مايو 2025م
أما يوم السبت 10 مايو، فكانت عندنا نعمة
الإفطار في المكان الذي نسكن فيه، حيث قام أخي بتخطي توقعاتي، وقام بطبخ الإفطار
كاملاً في ذلك اليوم.
ثم اتصل بنا أحد أقربائنا، الذي يسكن في
مدينة يالوفا، وقال لنا: حياكم الله، تزورونا، ويالوفا تبعد عن بورصة حوالي ساعة
قيادة بالسيارة، فحاولنا أن نقنعه أن يأتي إلينا في بورصة، حيث نحسن ضيافته، لكنه
أصر وقال: إنه لا يعرف بورصة، وطلب منا أن نذهب إليه في يالوفا.
وبالتالي، شددنا الرحال لزيارة ابن
خالتنا مصطفى هناك في يالوفا، وزوجته وأولاده، وأثناء وجودنا هناك، أخذونا لزيارة
بيت للوقف، تشرف عليه أخت فاضلة، وبيّنت لنا حاجة هذا البيت لكل مساعدة.
دعوة للتركيز على الأماكن العربية والإسلامية لإدخال السرور في
قلوب أحبابنا وأصدقائنا وأفراد عائلاتنا وأقاربنا
والحمد لله، هناك أشخاص كثيرون يساعدون،
ونحن انضممنا إلى قافلة المساعدات لهذا البيت في تغطية فواتير الكهرباء والماء التي
تصل إلى 6000 ليرة تركية في الشهر، وكان لذلك أثر جميل في النفس.
ثم، بعد أن رجعنا إلى بورصة في اليوم نفسه،
قمنا بزيارة مول جديد تم بناؤه في مدينة بورصة، رائع جداً، وأنصح الجميع بزيارته
لمن زار بورصة، وهو يعرف بمول «داون تاون»، وفيه أمور تكنولوجية عجيبة جداً، تخلع
اللب وتبهر البصر، وكان يوماً مطيراً رائعاً.
ثم قمنا بأداء صلاة المغرب في أحد
المساجد القريبة، وتعرفنا كذلك على بعض المصلين.
يوم الأحد 11 مايو 2025م
أما يوم الأحد 11 مايو، فقد بدأ بنعمة
الفطور في مطعم رائع جداً، يعرف بمطعم «نساء القرية»، حيث الجلوس على الأرض،
وأطباق الطعام تأتينا ونحن جلوس على الأرض، نأكل بطريقة تقليدية جميلة.
ثم بعد ذلك، قمنا بزيارة مول يعرف بمول «كورا
بارك»، لكنه لم يشدنا كثيراً، فالمول الأكبر والأجمل هو مول ماركا، الذي شدنا كثيراً،
وهذه معلومة نعطيها لمن يريد زيارة بورصة.
بعد ذلك، زرنا حديقة «بوتانيك» مرة أخرى
لجمالها، وزرنا حديقة أخرى تعرف بـ«ديزني لاند»، فيها تماثيل شخصيات ديزني، وتعرف
هذه الحديقة بـ«حديقة الحكايات»، وتحمل مفاهيم حديثة في تربية الأطفال، ونسأل الله
أن تكون هذه المفاهيم متوافقة مع قيمنا العربية والإسلامية.
ثم ذهبنا إلى مطعم لأكل الكبدة، حيث
يتميز أهل بورصة بطبخ الكبدة، وتعرف باللغة التركية باسم «كارا جيغار»؛ أي الكبدة
الداكنة، وتعرفنا على المدير العام لهذا المطعم، ودهش حينما تكلمنا معه ببعض
الكلمات التركية، فالأتراك يحبون العرب الذين يتكلمون معهم باللغة التركية حتى لو
كانت غير مفهومة.
ثم بدأنا نقضي آخر يوم لنا في بورصة،
ورجعنا مرة أخرى إلى حديقة «جوك ديريه»؛ أي المسارات الدائرية السماوية، القريبة
من مكان سكننا.
العودة إلى الكويت
بعد ذلك، في 12 مايو 2025م، رجعنا إلى
الكويت، حيث ودعنا الحراس الذين كانوا يقومون بحراسة المجمّع الذي نسكن فيه في
بورصة، وقمنا بتنظيف المكان الذي كنا نقيم فيه.
وكانت الرحلة إلى مطار صبيحة الدولي
ميسرة جداً، بفضل الله تعالى، وقبل مغادرتنا، استفدنا من الخدمات الموجودة في
المطار، مثل الأسواق الحرة والمطاعم.
ونوصي بتناول الطعام في المطعم المعروف
باسم «بيغ شيف» (Big Chief)؛
لأنه يناسب الكويتيين، وفيه أطعمة تناسب مذاقنا، كما أدينا الصلاة في مصلى داخل
المطار، حيث توجد مصليات للمسلمين، وكذلك أماكن أخرى مخصصة لأصحاب الديانات
الأخرى.
ثم وصلنا إلى الكويت، ونحن في غاية
السعادة، وقلنا: «اللهم لك الحمد، آيِبون إن شاء اللهُ تائِبون، عابِدون حامِدون،
لرَبِّنا ساجِدون، صَدَقَ اللهُ وعدَه، ونَصَرَ عَبدَه، وهَزَمَ الأحزابَ وحدَه».
تأملات بعد الرحلة
الآن، لديَّ تعليق على هذه الرحلة التي
استغرقت 8 أيام، لقد تركت آثاراً حسنة وطيبة في نفسي ونفس أخي.
وأنا أوصي الإخوة والأخوات بالسفر مع
بعضهم بعضاً، واختيار أماكن تناسبهم، فالأماكن القريبة من الكويت كثيرة.
رحلة لم تكن مجرد سفر بل كانت تجربة إنسانية جمعت بين المتعة
والعبادة وصلة الرحم والتأمل في نِعَم الله
فعندنا مثلاً بورصة على بعد 3 ساعات،
وعندنا باكو في أذربيجان على بعد ساعتين ونصف ساعة، وعندنا طرابزون في تركيا على
بعد ساعتين ونصف ساعة، وكذلك البوسنة على بعد 4 ساعات.
كما لا ننسى الدول العربية، مثل عمَّان
في الأردن، وبيروت في لبنان، ونسأل الله أن تتيسر لنا زيارة دمشق في سورية قريباً.
وكذلك دول الخليج، مثل قطر، والإمارات،
والمملكة العربية السعودية، والبحرين، وعُمان، كلها فيها أماكن رائعة للسياحة.
رسالة ختامية
لماذا نذهب إلى الأماكن البعيدة، التي قد
تستغرق 14 ساعة، وعندنا القريب الجميل، القريب من قلوبنا، حيث الناس يحبوننا
ونحبهم، والعادات والتقاليد متقاربة.
إنها دعوة للتركيز على الأماكن العربية
والإسلامية القريبة، لإدخال السرور في قلوب أحبابنا، وأصدقائنا، وأفراد عائلاتنا،
وأقاربنا.
رحلة لم تكن مجرد سفر، بل كانت تجربة
إنسانية عميقة، جمعت بين المتعة، والعبادة، وصلة الرحم، والتأمل في نعم الله.
___________
مدرب معتمد في المهارات الإدارية والقيادية
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً