صفحات مضيئة من حياة رائد الإعجاز العلمي (2)
رحلة د. زغلول النجار.. كيف صنع من الاضطهاد مجداً علمياً عالمياً؟
بعد أن عايشنا محنة السجن والبدايات في
الجزء الأول، نرافق د. زغلول النجار في رحلة الصعود العالمي، من مناجم سيناء إلى
قاعات جامعات بريطانيا وتأسيس البنوك الإسلامية، قصة نجاح تحدت كل العوائق لتصنع
مجداً علمياً ودعوياً.
لم يُعَيَّن د. النجار –الأول في دفعته
والحاصل على مرتبة الشرف– معيدًا بجامعة القاهرة، ولكنه لشدة تعلقه بعلوم الأرض،
التحق بشركة صحارى للبترول مدة 5 أشهر، ثم بالمركز القومي للبحوث 5 أخرى، وفي كل
مرة يتم إنهاء عمله للسبب ذاته؛ انضم بعد ذلك إلى مناجم الفوسفات بوادي النيل في
سيناء مدة 5 أعوام (وربما عمل فيها سنتين حسب أحد المراجع).
وقد أظهر تفوقًا ملحوظًا في العمل، وفي
دفع العمال إلى المثابرة والإنجاز، وبسبب اجتهاده أُنتج الفوسفات في مناجم أبو
طرطور في 6 أشهر فقط، وخرجت منها شحنات تجارية ضخمة، وأشيد بتفوقه هذا في احتفالية
بمناجم الفوسفات، وقال فيه رئيس اتحاد العمال: «عندنا شخصية جيدة، تجمع العمال على
قلب رجل واحد».
وعوضاً عن أن يلقى التكريم اللائق كشاب
وطني طوّر العمل في المنجم، فُصل مرة أخرى من الوظيفة، للأسباب السياسية والفكرية
نفسها، ثم التحق بمناجم الذهب بالبرامية، حتى لاحت له الفرصة للالتحاق بجامعة عين
شمس معيدًا بقسم الجيولوجيا، وقد قبل فيها بشرط ألا يتصل بالطلاب، وبالفعل، التزم د.
النجار شروطهم، ومع ذلك فصل من الجامعة بعد سنة واحدة من تعيينه، فانتقل إلى العمل
في مشروع في مناجم الفحم بسيناء.
كانت مرحلة العوائق تلك مرحلة حرجة في
حياته، لكنها –في الحقيقة- أسست القاعدة الصلبة لبنائه المستقبلي، فقد شاء الله أن
يصقله بتلك المعوقات ويخصه بأخلاق مميزة، ويثبت عنده القناعات ليرسم لنفسه خارطة
طريق تهيئ له شأناً عظيماً فيما بعد، حيث وجد ضرورة الاستمرار في تفوقه العلمي،
ليتمكن من خدمة هذه الأمة.
الانفتاح بعد التضييق
ثم أشار عليه أحد الأساتذة بالعمل في
السعودية، فتقدم بطلب العمل في جامعة الملك سعود بالرياض، التي أسست بأمر من الملك
سعود كأول جامعة في المملكة العربية السعودية، وكانت في طور الإنشاء آنذاك، وبالفعل،
سافر مع ذلك الأستاذ إلى الرياض في عام 1956م، وبدأ التدريس في الجامعة عام 1957م،
كانت الجامعة منطلقاً موفقاً للدكتور النجار نحو التفوق.
انطلق من الرياض إلى بريطانيا عام 1960 –
1961م لدراسة الدكتوراة، ونجح في اقتراح منهجية جديدة لتقدير أعمار الصخور، وقد
تميز في ذلك أيما تميز، فكانت تلك المرحلة ثرية بالأبحاث، إلى جانب تأسيس فكر خوض
المناظرات عنده للحديث عن الإسلام، ومقارنته بالشرائع الأخرى والأنظمة الوضعية.
وبعد أن أنهى الدكتوراة عام 1963م في
جامعة ويلز، اختير للبقاء للعمل على أبحاثه لنيل الزمالة لما بعد الدكتوراة، وقد
حاولت الجهات الرسمية في بلده ثنيه عن ذلك، فبدأت بعرقلة تلك المنحة لمنعه من
الاستمرار هناك بشتى الطرق، بيد أن مشرفه ضغط بشدة للحصول على الموافقات الرسمية
من مصر، فقامت جامعة ويلز بطلب الموافقة من الجهات المعنية على بقائه والعمل وفق
تلك المنحة، وإلا ستوقف قبول أي طالب من مصر في الجامعة، فوافقوا مكرهين.
واصل العمل بعد ذلك على أبحاثه هناك
سنتين أخريين، ولأهمية منهجه الجديد، وضعت الجامعة تحت إمرته عدداً كبيراً من
المعاونين، وسكرتيرة تقوم بطباعة كل ما يحتاج إليه، وقد استلزمت أبحاثه السفر إلى
دول أوروبية عدة، لتطبيق معاييره العلمية المستحدثة، ولم يكن حينها قد جاوز
الثلاثين بعد، ومع أنه ترك بريطانيا في عام 1965م متوجهاً إلى جامعة الملك سعود
لسنتين، فإنه لم ينقطع عن جامعة ويلز، فكان يزورها باستمرار، وكانت تفتح له
المعامل وقتما شاء، كما ترجمت رسالته إلى عدة لغات، ونشرها المتحف البريطاني في
عدد خاص عام 1964م، وأعادت طباعتها أكثر من 17 مرة، وغدا مشهوراً في تخصصه على
مستوى العالم.
وفي تلك الأثناء تمكن من العمل على تخطيط
قاع بحر الشمال، فأسهمت أبحاثه تلك في عملية استخراج البترول من بحر الشمال، ثم
انتقل إلى جامعة الكويت، وأسس فيها قسم علوم الأرض، وظل يعمل فيها 7 سنوات كانت
ثرية، ثم أصبح أستاذاً وهو في عمر 37 عاماً، وكان رحمه الله يذكر الكويت دائماً
بالخير.
وفي عام 1976م، تفرغ للبحث العلمي في
جامعة كاليفورنيا مدة عام ونصف عام، كانت غنية بالعمل في الدعوة، وسافر في أثنائها
إلى جنوب أفريقيا ونيروبي للعمل الدعوي، ثم انتقل إلى العمل في جامعة الملك فهد
للبترول والمعادن، وظل فيها مدة 20 عاماً، إلى عام 1996م، بعد ذلك، عمل في المعهد
العربي للتطوير في الاستشارات التعليمية العليا في الخبر إلى عام 1999م، ثم رئيساً
لجامعة الأحقاف في اليمن إلى عام 2000م.
ثم توجه الى بريطانيا ليترأس معهد مارك
فيلد للدراسات العليا -المرتبط بجامعة ليستر- إلى عام 2001م، ثم جاءته دعوة لإنشاء
قسم للإعجاز العلمي من جامعة العلوم الإسلامية في الأردن عام 2010م، وبقي فيها
سنوات، وكان عضواً في مجلس إدارتها.
وبلا شك، كانت تلك التنقلات مرهقة له،
ولم يهنأ باستقرار في حياته، إلا في تلك السنوات التي قضاها في جامعة الملك فهد
للبترول والمعادن بالظهران، تليها السنوات التي قضاها في الأردن، وإن كانت المدة
لا تقارن بتلك التي قضاها في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية.
وللدكتور النجار باع طويل في البحث
العلمي، فقد ألّف أكثر من 45 كتاباً، وأكثر من 150 بحثاً علمياً باللغات العربية
والإنجليزية والفرنسية والألمانية، لإتقانه تلك اللغات قراءةً وتحدثاً وكتابةً، وله
الفضل -بعد الله تعالى- في تأسيس المجلس الإسلامي الأعلى لشؤون الإعجاز العلمي في
القرآن والسُّنة في عام 2001م، وقد كان له باع طويل وتميز في هذا المجال.
من جانب آخر، شارك في تأسيس كل من بنك
دبي الإسلامي، وبنك فيصل الإسلامي في مصر، وفي ذلك الشأن كان لي حديث معه، إذ قال
لي ذات مرة: مُرِّرَ عليَّ وأنا في اجتماع في بنك دبي الإسلامي مشروع استثماري في
الألواح الجبسية من أجل استيرادها من الخارج، فقلت لهم: لماذا لا تصنعونها هنا،
فالمادة الخام عبارة عن جبس، ولا شك عندي في أنه متوفر في مكان ما هنا؟ فقيل لي:
هل لك أن تنظر في جدوى الاستثمار هنا، فلعلنا نصنعها عندنا؟
يقول: عندها بدأنا البحث عن المواقع
والجبال التي يمكن أن تزودنا بالجبس بكميات تجارية للتصنيع، ولم يطل الأمر كثيراً
حتى وقعنا على مبتغانا، ولم يمض كثير من الوقت حتى جيء بالأجهزة المطلوبة للتصنيع،
من حينها بدأ الناس يشترونها من هنا.
علاوة على تلك البنوك، فالدكتور د. النجار
عضو مؤسس في بنك التقوى، قبل أن يتآمر الغرب على البنك -كما أسلفت- بدعوى دعم
الإهاب، ويستولي على أصوله في عام 1998م، وقد خسر الدكتور د. النجار حينها مع من
خسروا مبلغاً كبيراً مما استثمره خلال حياته الأكاديمية، أضيف إلى ذلك أنه عضو
مؤسس في الهيئة الخيرية الإسلامية بالكويت.
تأخر زواج د. النجار لانشغاله المستمر
بالبحث العلمي والعمل الدعوي، إلى أن بلغ الخامسة والثلاثين، تزوج من أروى
العناني، وهي من أسرة كريمة من الأردن (فلسطينية الأصل من بلدة حلحول في الخليل)
في عام 1968م، ورُزِقَ منها بولدين توفاهما الله صغيرين، ولم تأل زوجته هي الأخرى
جهداً في خدمة الدعوة، فقد كان زوار زوجها كُثراً، وكانوا يطرقون بابه دون موعد
سابق، وقد اجتهدت كثيراً كيلا تقصر في حق زوجها وزواره، وقد ظلت على وفائها له حتى
توفاه الله، ولك أن تتصور كم كانت تنتظره وحدها في البيت، عند خروجه الطويل من
البيت، وعند سفره!
يتبع..
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً