«ردع العدوان» و«طوفان الأقصى».. بين الأعداء و«آخرين من دونهم»
بين الثابت على
المبدأ الذي عرف الحق والتزمه، ويدور معه حيث دار، يبارك ما وافقه وينتقد وينصح
لله ما خالفه، وبين من امتهن العمالة وناصب الحق العداء، يلتفّ على الحقيقة ليطعن
في كل قرار وخطوة، مسافة هائلة في المنطق والحجّة والهدف، وأصل الاختلاف بعد
النيات.. الحكم على النتائج.
تكليف إلهي بالإعداد وردع الأعداء
لقد جاء تكليف
الله سبحانه لعباده المؤمنين بالإعداد والسعي والأخذ بالأسباب مادية كانت أو
معنوية، لزرع الرهبة في قلوب عدوّ الأمة؛ و«آخرين من دونهم»؛ (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا
اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ
اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ
يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ
إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) (الأنفال: 60).
والإعداد لا
يكون خاطفاً ولا وليد لحظة واحدة، بل يحتاج زمناً وجهداً وتخطيطاً، يطول حيناً
ويقصر حيناً، وقد يشهد هدنة وفتوراً في الجبهات حتى تكتمل العدة وتتهيأ الظروف
للانطلاق، فإن انطلقت المعركة فالنتائج بيد الله وحكمته، وأما عن «الآخرين» فهذا
بعض من حالهم.
تقلب مواقف «الآخرين» بين الهدوء وهياج الكلمات
وهنا يظهر
الآخرون بوجههم المتقلب؛ فإن توقّف المؤمن عن القتال لينشغل بالإعداد اتُّهم
بالموادعة والخضوع، وإن فتح أبواب المواجهة قيل: إنه متهوّر متفرد بالقرار.
ثم إن كتب الله
له النصر المبين بدؤوا التشكيك والحديث عن صفقات وخفايا، وإن كانت تكاليف المعركة
عالية كثيرة التضحيات أظهروا تعاطفاً زائفاً على قاعدة: (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ
أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) (آل عمران: 168)؛ فجاءهم الرد الإلهي الحاسم: (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ
الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (آل عمران: 168).
بين «الطوفان» و«ردع العدوان».. حكاية إعداد وصبر ونتيجة
في ذكرى «ردع
العدوان» وتحرير الشام من نظامٍ بَطش بالسوريين 6 عقود، نجد نموذجاً واضحاً لمعنى
الإعداد، ولحظة الانقضاض على العدو التي كسرت شوكة الطغيان وأربكت «الآخرين من
دونهم».
فقد أثبتت
شهادات وبحوث عديدة أن النظام الساقط كان يُعدّ لتمزيق مناطق المعارضة في إدلب،
بخطط عسكرية تدريجية تبسط سيطرته وتُضيّق على المرابطين، بالتزامن مع حضوره قمة
عربية ومحاولة إعادة تأهيله سياسياً والتطبيع معه.
مفارقات الخطاب وتناقض «الآخرين»
وفي تلك المدة،
كان الآخرون يهاجمون حكومة الإنقاذ وهيئة تحرير الشام لاهتمامهما بالوضع الداخلي
في الشمال المُحرر وتأجيل المعركة منذ عام 2020م، فلما تبيّن أن الهدوء لم يكن
تراجعاً، وإنما استعداد، وأن التحرك جاء استباقاً للخطر، انقلب خطابهم فوراً؛ من
كان يَعيب الصمت أصبح يذُم الحرب، ومن اتهَم بالتأخر صار يتهِم بالتسرّع!
وحين تحقّق
النصر المبين والفتح العظيم بدأ التشكيك في الأسباب، والحديث عن تفاهمات وتسليمات،
ولو لم تُحسم المعركة لارتفعت أصوات البكاء والطعن في أهل الرباط بدل العدو!
تناقضات «الآخرين».. نقد للسكون وذم للحركة
وهكذا يمضي «الآخرون»
في خط متعرّج؛ ينتقدون الإعداد، ويستنكرون القتال، ويجمعون بين النقيضين دون خجل.
وإن كانت عملية «طوفان
الأقصى» تختلف ظاهراً عن عملية «ردع العدوان»، فإن في خصومها التشابه الأوضح؛ وهم
ذاتهم الذين عابوا على الدولة السورية الحُرة التقاط أنفاسها بعد إسقاط النظام،
ولو أنها سارعت للقتال في الجولان لقالوا: إنه تهوّر وتسرّع!
رسائل الجنوب.. مقاومة لا تنتظر الإذن
وإن لم تكن
الدولة السورية الحرة مستعدة لفتح معركة كبرى في هذه المرحلة، فإنها لا تتأخر عن
حرب تُفرض عليها إن وجبت، ولا تنسحب من قَدرها إن دُفعت إليه.
ورغم ضرورة
التقاط الأنفاس وترتيب الأولويات، جاءت رسائل الكوَية ونوى والحارّة وبيت جن سريعة
وقاطعة، معلنة أن جذوة المقاومة الشعبية تشتعل بالنفوس، وأنها قادرة -متى اشتد
التجاوز- على لجم تغوّل العدو وردّه على أعقابه، إن لم يكفّ عن استفزازه.
نصران متوازيان.. وتجربة واحدة
في الحالتين،
كانت المعركة مغامرة جبارة؛ جابهت فيها قلة مؤمنة أنظمة ظالمة طاغية وتحالفاً
دولياً كبير، فإن كتب الله لـ«ردع العدوان» أن تنتصر في أيام، فإن «طوفان الأقصى»
حوربت من القريب والبعيد، حتى إذا تأخر النصر رُمي المجاهدون بالتقصير والجهل
والتسرع، وصار المعيق والمتخاذل هو المتصدر للانتقاد والتنظير!
بين إعداد وجهاد.. حتى يلتقي طوفان الشام بـ«الأقصى»
وبينما يواصل
الآخرون النقد والتشكيك في كل حال، يمضي المؤمنون بين إعداد وجهاد، بين بناء وسيف،
حتى يلتقي طوفان الشام بـ«الأقصى»، ويُخرس صوت الغربان الناعقة في كل مكان.