نحو احترافية العمل الإنساني (1)
رُدّ التبرع.. لا نريد جرح كرامة الناس!
في ذات يوم،
كنتُ أترأس اجتماعًا يضم عددًا من مسؤولي المؤسسات الخيرية، وقبل بدء جدول
الأعمال، طلب أحد المسؤولين الاستشارة حول طلب أحد المتبرعين توثيق تبرعه بشكل
تفصيلي، يطالب فيه بظهور المستفيدين والمساعدات المقدمة، طالبًا الرأي حول
الاستجابة لطلب المتبرع، الذي يعدّ امتهانًا لكرامة الناس وحاجتهم.
رُدّ التبرع
فرد بعض الحضور:
لا تستجب له، لا تصوّر، رُدّ عليه تبرعه؛ فشعرتُ بقشعريرة وغيظ من هذا الرد، لا
سيما أن أيّده رجل من رجال الإعلام، فظللتُ صامتًا كاتمًا غيظي إلى أن انتهوا.
وتدخلتُ بهدوء
قائلًا: أليس من حق المتبرع أن يطمئن لوصول تبرعاته؟
فردوا جميعًا: نعم.
قلتُ: هل طلب
المتبرع إهانة كرامة الناس؟
قالوا: لا.
كرامة المستفيدين
قلتُ: إذن،
الخطأ ليس في شرط المتبرع، ولكن في كيف يقوم الفريق الميداني بالتصوير والتوثيق
باحترافية دون جرح كرامة المستفيدين؛ إذن المشكلة في طريقة إدارتنا لفرق الإعلام،
وليس في شرط المتبرع.
وقتها هدؤوا،
وتطوعتُ بتقديم دورة حول آليات التوثيق الإعلامي.
وهنا يبرز
التحدي الحقيقي للإعلام الإنساني: كيف نحقق الشفافية ونحفظ الكرامة في آنٍ واحد؟
ولكي نفهم ذلك،
علينا أن نتعرف على وظائف الإعلام الإنساني، فله 4 وظائف رئيسة، هي: نقل الاحتياج،
والتوثيق، وتنمية الموارد، ونقل الأثر.
ففي المجتمعات
التي تعاني من الفقر أو الكوارث الطبيعية أو الإنسانية، ينقل الإعلام الإنساني
واقعها واحتياجاتها إلى المجتمعات الأخرى، ليقدم صورة إنسانية واقعية عن هذه
المناطق المنكوبة، تساعد على توجيه الجهود نحو تلبية احتياجاتها.
وكما أن للإعلام
دورًا في حالات الكوارث والإغاثة العاجلة، تبرز أهميته أيضًا في نقل الاحتياج في
المجتمعات التي تحتاج إلى التنمية المستدامة في قطاعات الصحة والتعليم، وبرامج
المرأة والطفل، والتمكين الاقتصادي، والتدريب، وغيرها؛ ففي الصورة الواحدة أكثر
تأثيرًا من كومة من التقارير والأرقام.
إن الإعلام
الإنساني في هذه المرحلة يحتاج إلى سرعة نقل الحقيقة من الميدان، وتحري الدقة في
نقل الواقع، كما يحتاج إلى انسيابية في عمليات التصوير دون المبالغة، حتى لا تَنتج
عنها ردود عكسية في عمليات التبرع والتمويل.
وظيفة التوثيق
في وظيفة
التوثيق، يجب أن يركز الإعلام على المساعدات أو الخدمات الإنسانية المقدمة
للمستفيدين، باعتبارها مقدمة إلى المجتمع، وليس إلى مستفيد بعينه، إلا في حالات
مخصصة ومحددة؛ وبالتالي، هو يركز على المخرج أكثر مما يركز على من يستقبل هذه
الخدمة أو المساعدة.
وظيفة الإعلام في تنمية الموارد
ثم تأتي وظيفة
الإعلام في تنمية الموارد، فهي حلقة من عدة حلقات في تنمية الموارد؛ يبرز هنا
الإعلام كإحدى الأدوات المساعدة الأساسية والرئيسة في وضع صورة ذهنية قوية لدى
جمهور المتبرعين والداعمين، عن قدرة المؤسسة في التنفيذ وإدارة برامجها وأنشطتها
الموجهة للمجتمع.
وظيفة نقل الأثر
أما الوظيفة
الرابعة، نقل الأثر، فهي من أصعب وأدق الوظائف؛ لأنها تنقل الصورة بعد زمن طويل قد
يصل إلى شهور أو سنوات من إغلاق هذه البرامج والمشروعات، فيجب أن تكون الكاميرا
صادقة في نقل هذا الأثر الذي صنعته المؤسسة خلال سنوات.
وبذلك تكتمل
وظائف الإعلام الإنساني في نقل الصورة والحقيقة، دون مبالغة أو امتهان لكرامة
الناس.
إن التوثيق
الإعلامي ليس مجرد زر نضغط عليه في الكاميرا، بل هو سياسة مؤسسية وأخلاقيات
ميدانية، وتوفير المال عبر إرسال مصور غير مدرب هو في الحقيقة مغامرة بسمعة
المؤسسة وكرامة الإنسان، فالشفافية لا تعني التشهير، والكرامة لا تمنع الإفصاح.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً