رسالة المسجد ودورنا في النهوض بها
إن أول مسجد وضع
في الدنيا على وجه الكرة الأرضية، كان لعبادة الله تعالى ليذكر فيه اسمه، ولغايات
أخرى سامية، هو بيت الله الحرام الذي قال فيه جل من قائل: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ {96} فِيهِ آيَاتٌ
بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى
النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ
الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران).
ولا شك أن
للمساجد دورها المهم ومهمتها السامية في المجتمع، بل على عاتقها يقع أهم الأدوار
في المجتمع، إنها مهمة بناء الساجد، وهي مهمة بالغة الأهمية، لأنها اللبنة الأولى
والركيزة الأساسية لتقدم المجتمع الإسلامي والنهوض به.
والقرآن الكريم
يشير إلى هذا الدور الكبير من طرف خفي لا يخفى عن أولى الألباب، فيصف الله تعالى
نفسه بقوله: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (النور: 35)، ثم يضرب مثلاً رائعاً لنور المؤمن الذي استحضر مقام
الله تعالى في قلبه فيصفه بقوله: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا
مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ
يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا
غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى
نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ
لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (النور: 35)؛ فشبه قلب المؤمن في صفائه بالقنديل.
وعبر عن تجليات النور فيه بهذه الجمل المتدفقة بلاغة وبياناً، رقة وجمالاً، ثم ذكر الله تعالى محل تلك القلوب الصافية وأماكن حضورها، فإذا بها بيوت الله ومساجده العامرة فقال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) (النور: 36)، ووصف الله تعالى مرتاديها بأنهم: (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (النور:37)، في ميزان دقيق وإشارة عميقة تفصلهم عن النفاق وأهله، ومن تم يكون الجزاء من جنس العمل تكرماً من الله وتفضلاً: (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (النور: 38).
إذن، فالعلاقة بين المؤمن والله عز وجل تزداد قوة وتقارباً في المساجد التي هي أحب القاع إليه سبحانه، تتجلى فيها رحماته وتتنزل تجليات نوره على مرتاديها والساجدين في رحابها.
فلا غرو أن يكون
أول عمل قام به النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبني دولته الإسلامية بعد هجرته إلى
المدينة المنورة بناء مسجده الشريف هناك ليجعل منه منارة للعلم وإشعاعاً للهدى،
فيتخرج فيه تلك الثلة المباركة من صحابته الكرام الذين حملوا لواء الحق ومشاعل
الخير للبشرية جمعاء متمثلين قوله تعالى: (كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ
وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ) (آل عمران: 110).
ولا عجب أن يجعل
النبي صلى الله عليه وسلم مقياس الإيمان كثرة ارتياد المساجد، ولا غرو أن يذكر في
حديثه الشريف المعروف من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل
قلبه معلق بالمساجد».
ولقد فهم
الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ومن تلاهم من التابعين، الأهمية البالغة
للمساجد، فكانوا يبنون المساجد في كل الأمصار التي يفتتحونها ويولونها كل عناية
واهتمام، واستمر الاهتمام بالمساجد من مُصلحي هذه الأمه جيلاً بعد جيل، يتعهدونها
بناء ونظافة، وترميماً وإصلاحاً، وتزويداً بالعلماء والدعاة حتى يرتقي المسجد
برسالته ويسهم في نهضة الأمة.
وحتى في أحلك
الظروف التي مرت بها الأمة الإسلامية، كانت المساجد وما تزال هي الحصن القوي والسد
المنيع في مواجهة حملات التنصير والتغريب وأفكار التهويد، ومحاولات التشكيك في
الدين الحنيف، ولقد زودت المساجد هذه الأمة عبر الأجيال بآلاف من العلماء
والمصلحين، والقادة والفاتحين الذين ساهموا في بناء أمجاد الأمة وترسيخ دعائم
الحضارة فيها.
ونحن في هذا
الوقت الذي تواجه فيه أمتنا أشرس حملات التنصير والتهويد وأعتى هجمات الاستعمار
الفكري، وأعتى موجات الحرب على الهوية الإسلامية بكل الطرق، فإننا في أمسّ الحاجة
لأن نفهم رسالة المسجد، ونعي مضامينها، ونحاول تطبيقها في مساجدنا لتؤتي ثمارها
-بإذن ربها- صلاحاً للأفراد وتقدماً للمجتمع.
ولكي نعيد
للمساجد دورها الفعال ورسالتها الخالدة، يجب علينا أن نراعي عدة أمور، لعل أبرزها:
- الاهتمام
بمرتادي المساجد والدارسين فيها؛ تربية وتعليماً، حتى يخرج من الساجد نقي القلب،
طاهر اللسان الذي تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر، الذي يسير بنور القرآن في حياته
متأسيًا بنبيه صلى الله عليه وسلم.
- أن يكون
القائمون على أمر المساجد والعاملون فيها قدوة حسنة لأفراد المجتمع داخل المسجد
وخارجه، رافعين شعار شعيب عليه السلام: (إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ
إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ) (هُود: 88).
- أن يكون كل
أفراد المسجد متعاونين متآلفين متحابين يسعى كل فرد فيهم لمصلحة المسجد والمجتمع
ويضحي من أجله، وهم يدركون أن الفرد ضعيف بنفسه قوي بإخوانه، وأن يد الله مع
الجماعة، فتتحقق استجابتهم لقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى
ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ)
(المائدة: 2).
- أن يحاول كل
أفراد المسجد أن يجعلوا من مسجدهم مثالاً مصغراً للمجتمع الإسلامي الذي يتخذ من
القرآن الكريم والسُّنة النبوية منهجاً له في الحياة، مجتمعاً يتناصح أفراده،
ويأتمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر، تتجسد فيهم الآية الكريمة: (وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ
بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ
وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ
وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ
عَزِيزٌ حَكِيمٞ) (التوبة 71)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة».
وهم قد يختلفون
في آرائهم، لكن ذلك لا يفسد الود بينهم، ويتعاونون فيما اتفقوا فيه، مدركين أن
تلاقح الأفكار واختلاف الاتجاهات يثري ساحة المجتمع.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً