روائع البيان في المراسلات النبوية (2)
رسالة النبي ﷺ لهرقل.. حين تذعن الفصاحة لعظمة الوحي
نستأنف حديثنا
مع «روائع البيان في المراسلات النبوية»، وبعد أن وقفنا في مقالنا السابق أمام رقّة
الاستعطاف وجلال المودة في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ملك
الحبشة، ننتقل اليوم إلى طور جديد من أطوار البيان النبوي.
فإذا كان الخطاب
للنجاشي خطاباً خاطب الوجدان والروح المشتركة، فإن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم
إلى هرقل عظيم الروم كان خطاباً للعقل هزَّ عرش القياصرة، ليجسد ذروة الإيجاز
المعجز وهيبة البلاغة التي «أوتيت جوامع الكلم».
وفيما يلي نص
الرسالة مع الوقفات البلاغية فيها:
عن ابن عباس رضي
الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث
بكتابه إليه دحية الكلبي، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر، فإذا
فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبدالله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم،
سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله
أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيِّين، (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ
سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا
وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ
تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 64)»
(رواه البخاري).
براعة الاستهلال.. التواضع الشامخ
تبدأ الرسالة بـ«بسم
الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبدالله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم»، هنا تتجلى
بلاغة الترتيب والمكانة؛ فقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم اسمه الشريف المصحوب
بصفة العبودية والرسالة، تأكيداً على أن مرجعية الخطاب ليست أرضية، بل هي سماوية
صرفة.
أما وصف هرقل بـ«عظيم
الروم»، فهو من أسمى أساليب السياسة البيانية؛ إذ لم ينزع عنه لقبه الذي يعتز به
قومه، تأليفاً لقلبه واحتراماً لبروتوكول الخطاب، لكنه في الوقت ذاته قيده بكلمة «الروم»
ليعلمه أن عظمته محدودة بجغرافيا وقوم، بينما رسالة محمد صلى الله عليه وسلم
عظمتهما ممتدة بامتداد ملكوت الله.
السلام المشروط بالهدى.. بلاغة الاحتراس
في قوله: «سلام
على من اتبع الهدى»، نجد براعة التحويل؛ فلم يقل: «السلام عليك» كما فعل في رسائل
أخرى، بل عدل إلى هذه الصيغة التي تعد من أرقى فنون «الاحتراس» في البلاغة
النبوية؛ فهي جملة شرطية في المعنى، تحمل دعوة رقيقة تفتح لهرقل باب النجاة؛ فكأنه
يقول له: «إن أردت السلام الحقيقي، فطريقه اتباع الهدى»، هذا التوظيف اللغوي يجمع
بين التبليغ التام والسمو الأخلاقي.
إيجاز القصر في «أسلم تسلم»
نأتي إلى جوهرة
الرسالة ومركز ثقلها البياني: «أسلم تسلم»؛ هاتان الكلمتان هما إعجاز لغوي قائم
بذاته؛ حيث اعتمد النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب الطلب وجوابه.
ففعل الأمر «أسلم»:
يحمل معنى الإذعان التام لله.
جواب الطلب «تسلم»:
يحمل نتيجة مطلقة؛ سلامة في الدنيا من ضياع الملك، وسلامة في الآخرة من عذاب
النار.
هذا «الجناس
الاشتقاقي» بين السين واللام والميم في الكلمتين يخلق جَرَساً موسيقياً يقرع الأذن
بهيبة، ويختصر مجلدات من الوعظ في أربعة أحرف.
بلاغة التحفيز والتحذير
ثم ينتقل البيان
النبوي من الإيجاز إلى التفصيل المذهل: «يؤتك الله أجرك مرتين»، هنا استخدم المضاعفة
كأداة إغراء منطقي؛ فكأنه يخبره أن إسلامه ليس تخلياً عن ماضيه، بل هو بناء فوق
بنائه، فله أجر إيمانه بعيسى عليه السلام، وأجر إيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وفي المقابل،
تأتي جملة التحذير: «فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيِّين»؛ حيث استخدام لفظ «الأريسيين»
(وهم الفلاحون والضعفاء) يضرب على وتر المسؤولية الأخلاقية للقائد.
بلاغياً، هذا
يسمى «التحميل بالتبعية»؛ فالإثم هنا ليس فردياً، بل هو إثم «الصد عن سبيل الله» لأمة
كاملة تتبعه، وهو ما يضع هرقل أمام مرآة ضميره وتاريخه.
الاقتباس القرآني والمعادلة العادلة
ختم النبي صلى
الله عليه وسلم رسالته بـ«الكلمة السواء»، مقتبساً من مشكاة الوحي: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ).
تتجلى هنا بلاغة
الاشتراك الإنساني؛ فكلمة «تعالوا» توحي بالرفعة والسمو، و«سواء» تفيد العدل
والإنصاف المطلق، إنها دعوة للتحرر من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
وفي النهاية،
يختم بعبارة تقرر المصير: (فَإِنْ
تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)؛ هذا الاعتزاز
بالهوية هو قمة البيان؛ فالحق لا يتوسل أحداً ليتبعه، بل هو يعرض نفسه بوضوح، فمن
تولى فخسارته على نفسه، والمسلم يبقى ثابتاً على إسلامه، شاهداً على الحق.
إن رسالة النبي صلى
الله عليه وسلم إلى هرقل لم تكن مجرد نص مكتوب، بل كانت قطعة من سحر البيان الذي
يجمع بين رقة اللفظ وجزالة المعنى، لقد استطاع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه
الكلمات القليلة أن يجمع بين السياسة، والدين، والأخلاق، والجمال اللغوي، لتبقى
هذه الرسالة شاهدة على أن البيان النبوي هو أعظم قوة ناعمة عرفتها البشرية، قادرة
على فتح القلوب والعقول قبل فتح الحصون والقلاع.
وكانت نتيجتها
كما ورد في بعض كتب السير أن هرقل تأثر بالرسالة وعظمها، وتباحث وناقش وعظم قدر
الرسول وأجاز حاملها بمال وكسوة، وبدا من كلامه أنه ود لو أسلم، ولكنه ضن بملكه
حين رأى مخالفة قادة قومه وبطارقتهم فبقي على دينه.
اقرأ في
هذه السلسلة:
- رسالة النبي للنجاشي.. حينما تحاور البلاغةُ القلوبَ قبل العقول
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً