رفيق في الهاتف.. هكذا نمنع الذكاء الاصطناعي من سرقة دفء الأسرة

أميرة زكي

14 أكتوبر 2026

49

الرفيق الافتراضي

قد يبدأ الأمر بسؤال عابر لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الهاتف، ثم يتحول مع الوقت إلى مساحة تُقال فيها أسرار البيت ومشاعر القلب، لأنه رفيق يجيب في أي ساعة، لا يعترض ولا يتعب ولا يملّ، كما يعد بحضور دائم للاستماع والحديث، فيتحدث مع ملايين الأشخاص حول العالم دون أن يدروا أنهم كلما تعلقوا به فقدوا الكثير من الدفء في علاقاتهم البشرية.

كشفت دراسة «Wakefield Research» التي أجرتها لصالح «فيزا» في يناير وفبراير 2026م، استخدام 86% من المستهلكين في الكويت أدوات الذكاء الاصطناعي في التسوق، وهذا رقم يدل على أن هذه الأدوات صارت مألوفة في الحياة اليومية.

أما على المستوى العالمي، ففي استطلاع أجرته شركة «Fractl» الأمريكية شمل ألف بالغ أمريكي، وأن 22% منهم طوّروا علاقة عاطفية مع روبوت دردشة.

جاذبية الذكاء الاصطناعي ليكون الرفيق الافتراضي

الجواب في الحاجة الإنسانية قبل التقنية، فهذه العلاقات تكشف حاجة إنسانية دفينة مثل البحث عن الآخر والإصغاء والتفهم والرفقة غير المشروطة.

ويرجع الإقبال على استخدام الرفيق الافتراضي إلى ثلاثة دوافع: الحاجة إلى من يفهم الإنسان دون أن يحاكمه، وسرعة الاستجابة في أي وقت، والشعور بالأمان النفسي.

الأثر على الزواج

الزواج هو مودة ورحمة وسكن، وهذه المعاني تحتاج احتكاكاً حقيقياً بين شخصين مختلفين؛ مثل خلاف يُحلّ، وصبر على طبع الآخر، وتنازل متبادل.

الرفيق الافتراضي يعرض على أحد الزوجين علاقة بلا كلفة، فيبدأ بالمقارنة بين شريك حقيقي متعب وآخر رقمي لا يغضب.

ويحذر د. جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة، من الفخ الذي يصنعه الرفيق الافتراضي، حيث إنه يعمل على الهروب من المشكلات بدلاً من حلها.

ويبين، في حديثه لـ«المجتمع»، أن إحدى الكوارث التي يسببها المقارنة غير العادلة بين الطرف الآخر (الزوج أو الزوجة) والصديق الافتراضي؛ ما يؤدي لانخفاض العاطفة بين الزوجين، فحين يجد أحد الزوجين في برنامج مستمعًا لا يحاسبه، تتحول العلاقة الرقمية إلى بديل عاطفي.

وأضاف أن المشكلة تكمن في تعامل الإنسان مع تطبيقات أو برامج الذكاء الاصطناعي وكأنها صديق أو مستشار أو شريك عاطفي؛ يتحدث معها عن مشكلاته وأسراره ومخاوفه، وقد يشعر بأنها تفهمه وتستمع إليه دون لوم أو انتقاد، وهذا التفاعل قد يمنح الإنسان شعورًا بالراحة والاحتواء، لكنه يظل تفاعلًا مع نظام اصطناعي، وليس علاقة إنسانية متبادلة بكل ما تتضمنه من مسؤولية ومشاعر والتزامات واقعية.

خيانة معنوية

عندما يخفي أحد الزوجين محادثاته وما يبوح به، تحدث الخيانة المعنوية حتى لو لم يكن الطرف الآخر إنسانًا.

وفي استطلاع «Fractl»، شارك 29% من المستخدمين أسرارًا ومعلومات شخصية للغاية مع روبوتاتهم، فمن يحكي لتطبيق ما لا يحكيه لشريكه فقد نقل الثقة من بيته إلى شاشته.

وبهذا الاستدراج يتم تفريغ الحوار الأسري، من يفرغ همومه ليلًا في تطبيق لن يحمل شيئًا منها إلى شريكه صباحًا، فيجفّ الحوار تدريجيًا دون خلاف ظاهر.

أيضاً، كشفت دراسة بريطانية شملت 2000 بالغ أنه ما بين 18 و29 عامًا، يفضل كثيرون التحدث إلى الذكاء الاصطناعي على التحدث إلى شخص حقيقي رغم ارتفاع شعورهم بالوحدة.

الذكاء الاصطناعي رفيق يؤذي الأبناء

الإفراط في طلب الدعم العاطفي من الذكاء الاصطناعي قد يزيد الشعور بالوحدة ويضعف مهارات الحوار والتواصل والتعاطف، خصوصًا لدى الشباب والمراهقين.

وبينت د. شاكيل أجينو، الأستاذة المشاركة في علم النفس بجامعة هيريوت وات دبي، أنه بحسب نظرية التعلق، فإن الإفراط في الاعتماد على الرفيق الافتراضي قد يبني روابط عاطفية مع البرامج على حساب العلاقات الواقعية، ويزيد احتمالات الانطواء والعزلة.

وربطت بين اللجوء إلى هذه التطبيقات والارتفاع العالمي في الشعور بالوحدة، مستشهدة بتحذير منظمة الصحة العالمية من أن الوحدة المزمنة خطر صحي يعادل في تأثيره تدخين 15 سيجارة يوميًا.

وفي دراسة شملت نحو 40 ألف طالب من الصف الرابع إلى الثاني عشر في مقاطعة أونتاريو الكندية، أن أكثر من 21% يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي لأغراض عاطفية.

وقالت د. كونسويلو كاغاندي، مديرة قسم الطب النفسي للأطفال والمراهقين في مستشفى زوكر هيلسايد بنيويورك: إن بعض الأطفال قد يخفون استخدامهم هذا عن أسرهم.

وفي الكويت، تعود بنا دراسة «فيزا» إلى سؤال الحماية، فقد ذكرت النسخة المنشورة منها أن 83% من المستهلكين يرون أن الأطفال في محيطهم قد يجدون صعوبة في التمييز بين محاولات الاحتيال، وأن 76% لاحظوا حالات تعرض فيها طفل لاحتيال أثناء اللعب أو التسوق عبر الإنترنت، ومن يعجز عن كشف الاحتيال سيعجز أكثر عن كشف المحاكاة العاطفية.

الضوابط الشرعية مع الذكاء الاصطناعي

لا تحتاج المسألة إلى فتوى جديدة بقدر ما تحتاج تطبيقًا واعيًا لأصول معروفة تستند إلى:

1- سدّ الذرائع: كل ما يفضي غالبًا إلى تعلق قلبي أو مناجاة عاطفية أو كلام غزلي مع غير الزوج أو الزوجة يُمنع ابتداءً، سواء كان الطرف إنسانًا أو غيره.

2- حفظ الأسرة من مقاصد الشريعة: ما يُضعف الميثاق الغليظ ويفتح باب الشقاق والكتمان يخالف مقصد الشرع في بقاء الأسرة، وهذا يجعل تجنبه واجبًا.

3- صيانة القلب: الخطر هنا على القلب أولًا، فالعلاقة العاطفية الموازية تُنقص ما يستحقه الزوج من صدق المشاعر حتى بلا لقاء.

4- الأمانة في الأسرار: ما يُقال عن أسرار البيت وعيوب الزوجين وأحوال الأبناء لتطبيق تجاري تُخزَّن بياناته عند شركة، لا يجوز التساهل فيه.

شروط الإباحة

الذكاء الاصطناعي نفسه وسيلة نافعة في التعلم والعمل، والحكم يتبع الاستعمال؛ ما نفع بلا ضرر أُبيح، وما أفضى إلى محرم مُنع.

ويسند هذا الضابط الأخير ما قاله د. بسام الشطي، الأستاذ بقسم العقيدة والدعوة في جامعة الكويت، من أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فإن خدم الذكاء الاصطناعي الشريعة بإشراف العلماء فهو مباح أو مندوب، وإن استُعمل في التلبيس أو ترويج الباطل صار محرمًا.

ضوابط عملية

ويمكن إجمال تلك الضوابط في نقاط محددة تساعد في الحماية من أخطار الذكاء الاصطناعي وهي للزوجين والآباء معاً:

1- الاتفاق على قاعدة واضحة: لا نشاط عاطفياً سرّياً مع أي جهة، ولا هاتف مقفلاً في وجه الشريك.

2- تحديد موعد ثابت للحوار موعدًا بلا شاشات، ولو 20 دقيقة يوميًا.

3- إخبار الشريك بالشعور بالوحدة، فهذا أنفع من الفضفضة لتطبيق.

4- اسأل ابنك: ماذا يقول لك هذا البرنامج؟ وماذا يعجبك فيه؟

5- وضع حد عمري في البيت دون انتظار تشريع.

6- افتح لابنك باب الكلام، فالذي يدفعه إلى الصديق الافتراضي حاجته إلى من يفهمه دون أن يحاكمه.

7- راقب العلامات: عزلة، سهر، تعلق مفرط بالهاتف، انفعال عند سحبه.

8- أما للمجتمع والمؤسسات؛ فبرامج توعية في المساجد والمدارس والمراكز الأسرية، ومناهج تُعلّم الفرق بين التعاطف الحقيقي والمحاكاة اللغوية.

ليست المعركة مع الذكاء الاصطناعي، فهو أداة، المعركة مع الفراغ العاطفي الذي يملؤه، حين يجد الزوج في زوجته سكنًا، والزوجة في زوجها أمانًا، والابن في أبويه آذاناً صاغية، يضعف أثر أي رفيق افتراضي مهما بلغ إتقانه. 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة