يوميات متقاعد (10)
رمضان.. شهر القيم وتخطي التوقعات وصناعة الأثر
في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف
الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند
العِبر المستفادة منها.
نبدأ بهذا
الموقف الذي حدث في 1 مارس 2025م، وهو أول أيام شهر رمضان المبارك، يقول النبي صلى
الله عليه وسلم: «قَد جاءَكُم رمضانُ شَهْرٌ مبارَكٌ افترَضَ اللَّهُ عليكُم
صيامَهُ تُفتَحُ فيهِ أبوابُ الجنَّةِ ويُغلَقُ فيهِ أبوابُ الجحيمِ وتُغلُّ فيهِ
الشَّياطينُ فيهِ ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شَهْرٍ مَن حُرِمَ خيرَها فقَد حُرِمَ».
أي إن الإنسان
يحرص على أن ينال الأجر كاملاً في رمضان، إلى جانب الأحاديث النبوية الكثيرة التي
تشير إلى أنه من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام
رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً
واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه.
التنافس على الصفوف الأولى.. صورة من روح رمضان
رمضان شهر
العطاء والكرم، والله كريم في هذا الشهر، فإذا أقبلتَ على الله أقبل الله عليك،
ونلاحظ في رمضان تنافساً شديداً على الصفوف الأولى في جميع الصلوات؛ الفجر،
والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء؛ حتى إنك لو تأخرت قليلاً عن الوصول إلى المسجد،
ستجد أن الصف الأول قد امتلأ، والناس قد سبقوك وأخذوا أماكنهم.
تخيلوا، حتى لو
أني خرجتُ من منزلي قبل الأذان لصلاة العشاء، ربما لا أجد مكاناً في الصف الأول!
يوجد تهافت عجيب من المصلين، وهذه نعمة من نِعَم هذا الشهر الفضيل المبارك.
صلة الرحم وزيارة الدواوين.. عبادة اجتماعية
وفي هذا اليوم (1
مارس 2025م)، تبدأ الزيارات، وصلة الرحم، وزيارة الدواوين، ففي أول ليلة من ليالي
رمضان، زرتُ الدواوين الموجودة في حيّنا، وبعدها قمتُ بإحصائها فوجدتها عشرين
ديوانية، والحمد لله الذي قدّرني على زيارة بعضها، وأكملت الزيارات في اليوم
التالي.
كل أصحاب
الدواوين أهل فضل، وينتمون إلى عوائل معروفة بخيراتها، ويستحقون الزيارة، كما أن
زيارة هذه الدواوين تكون من باب زيارة الصديق، وزيارة الحبيب في الله، وفيها أجر
عظيم.
إدخال السرور.. أفكار بسيطة بأثر كبير
أحد دكاترة
الجامعة يخبرني بأنه أراد أن يُدخل السرور إلى قلب زوجته، وكان يعلم تماماً أن
زوجته تحب أن تُعطي في شهر رمضان، وشعارها «العطاء في رمضان مع الارتقاء في الأداء»؛
فكانت تُعطي دنانير مفرقة للمحتاجين من العمال، وعمال النظافة، وغيرهم، وكذلك
العاملات في بيوت الناس، فكانت يدها كريمة.
فأراد هذا
الدكتور أن يتخطى توقعات زوجته، فكان يضع على تسريحتها كل يوم، وعلى مدار ثلاثين
يوماً، خمس دنانير مفرقة، فالقضية ليست قضية مال، بل هي قضية توفير فكة (خردة) من
فئة الدنانير.
فكانت تشكره
وتقول: «والله ريّحتني من الذهاب إلى البنك، ومن عناء طلب الفكة، فقد كنتُ أتعب
كثيراً، وأنت الآن وفّرت عليَّ جهداً ومالاً ووقتاً».
فالشكر لهذا
الدكتور الذي فكّر بهذه الطريقة البسيطة، التي لم تكلّفه شيئاً؛ خمس دنانير في
اليوم في ثلاثين يوماً من شهر رمضان، تساوي مائة وخمسين ديناراً فقط! وبذلك أدخل
السرور إلى قلب زوجته.
تخطي التوقعات.. ذكاء اجتماعي راقٍ
ودكتور آخر يقول
لي: أحببتُ أن ألعب لعبة مع أحد الطلبة المبعوثين إلى أمريكا لنيل شهادة الدكتوراة،
فيقول له: «أنا زرت ديوانيتكم في أول يوم من شهر رمضان، وكان والدك موجوداً، وكان
إخوتك موجودين، وأبناء عمومتك موجودين، فتعرّفت إلى أحدهم، وكان اسمه عطالله،
فأخذت صورة معه، وأرسلتها إليك، وسألتك: من هذا الشخص الذي زرتُه في ديوانيتكم
اليوم؟».
فاستحسن صديقه
هذه الطريقة، وأرسل له الجواب: «هذا ابن عمي عطالله»؛ فانظروا كيف توجد طرق كثيرة
يستطيع الإنسان من خلالها إدخال السرور إلى قلوب إخوانه وأصدقائه، وتخطي توقعاتهم.
العمل الخيري المؤسسي.. حين تتجسد القيم
ونعود إلى هذا
الحدث الذي وقع بتاريخ في 3 مارس 2025م، وقد ورد أن السلف الصالح كانوا يدعون:
«اللهم بلغنا رمضان» قبل قدومه بستة أشهر، وكانوا يقولون: «اللهم تقبّل منا رمضان»
بعد انتهائه بستة أشهر.
وفي هذا التاريخ
قام اتحاد المبرّات والجمعيات الخيرية في الكويت بدعوة الناس لحضور غبقته السنوية.
سلاماً على هذه
المبادرة! فالاتحاد معروف ببصماته الإيجابية في هذا البلد، وينضوي تحت مظلته أكثر
من 76 مبرّة وجمعية خيرية، علماً بأن عدد المبرّات والجمعيات الخيرية في الكويت
يتجاوز 150.
الكرم وحسن الاستقبال.. رسالة بلا كلمات
تعالوا وانظروا
إلى المسؤولين والقائمين على الاتحاد، كيف كانوا يستقبلون الضيوف ويصافحونهم في
إحدى صالات الأفراح، وتعالوا وانظروا إلى الطعام الذي يعكس كرم هذا الاتحاد،
وتخطيه لتوقعات الحضور والزائرين.
رمضان وإدارة الوقت.. الازدحام درس عملي
ويخبرني أحد
دكاترة الجامعة كذلك بأنه يوجد في رمضان ازدحام شديد للسيارات في الساعة التاسعة
والنصف أو العاشرة صباحاً، يقول: «لقد أخطأتُ وخرجتُ الساعة التاسعة والنصف صباحاً
لأحضر دواءً لأهلي من مستشفى ابن سينا»، ويقول: «تعالَ وشاهد الازدحام الشديد في
الشوارع».
ويضيف: «من
الخطأ أن يخرج الإنسان في هذا الوقت، فإذا أردت الخروج فاخرج الساعة الثامنة،
فمستشفى ابن سينا يفتح أبوابه في هذا الوقت، أو أجّل خروجك إلى الساعة الحادية
عشرة، واترك المجال للموظفين للوصول إلى أعمالهم، ولا تزد الطرق ازدحاماً، خصوصاً
أن العلاج، في أغلب الأحيان، يمكن أن ينتظر».
ويقول: «لقد
استغرق خروجي من البيت ووصولي إلى الشارع الرئيس خارج ضاحيتنا نصف ساعة، بينما في
الوضع الطبيعي لا يستغرق سوى 4 دقائق»، تخيلوا الفرق بين 4 دقائق ونصف ساعة!
رمضان شهر القرآن.. برنامج يومي عملي
أما أنا شخصياً،
ففي رمضان لديّ برامج إيمانية وروحانية، منها أن أختم القرآن مرتين على الأقل؛
تلاوة، وتدبراً، وتفسيراً، وعملاً به على أرض الواقع.
فمن أراد أن
يختم القرآن مرتين في هذا الشهر، فعليه أن يقرأ جزأين يومياً، وأن يوزع هذين
الجزأين بعد الصلوات الخمس، بحيث يكون لكل صلاة نصيب قبلها أو بعدها من كتاب الله؛
فرمضان هو شهر القرآن.
الحسد وصحة الجسد.. حكمة لا تُنسى
في أحد الأيام (9
مارس 2025م)، كانت لدينا خاطرة بعد صلاة العصر في مسجدنا، كما هي العادة اليومية،
لكن هذه الخاطرة شدتني واستوقفتني؛ لأن الشيخ الذي ألقاها كان يتحدث عن الحسد،
وكيف يتقي الإنسان شره.
فذكر لنا قصة
عجيبة عن أحد الصالحين، كان عمره يتجاوز مائة سنة، ويتمتع بصحة وجسد جيدين، فسأله
أحدهم: كيف تمتعتَ بهذه الصحة وقد بلغتَ هذا العمر؟ فأجابه قائلاً: «تركتُ الحسد؛
فبقي الجسد».
يا لها من
كلمات! إنها تُكتب بماء من ذهب، وتُعلّق على الجدران في البيوت، «تركتُ الحسد؛
فبقي الجسد»، فالذي يترك الحسد في حياته؛ يبارك الله تعالى له في عمره وجسده
وصحته.
غبقة جامعة الكويت.. وفاء للمسيرة ولمّ الشمل
في 10 مارس 2025م،
قامت جامعة الكويت بدعوتنا –نحن المتقاعدين، وأنا واحدٌ منهم– لحضور غبقتهم
السنوية، وهناك رأيت زملائي، ورأيت الدكاترة المتقاعدين، ورأيت طلبة كانوا طلاباً
بالأمس وأصبحوا اليوم دكاترة، يسلمون عليَّ ويهنئونني بشهر رمضان.
فهذه لفتة لطيفة
من جامعة الكويت، أن تجمع الدكاترة المتقاعدين، والدكاترة الحاليين، والطلبة الذين
أصبحوا دكاترة، في مكان واحد، كما ألقت مديرة الجامعة السابقة د. فايزة كلمة رائعة
لامست القلوب والأرواح، وذكّرتنا بأيامنا الجميلة حين كنا دكاترة في جامعة الكويت،
أسأل الله أن تدوم تلك الذكريات، هذا وبالله التوفيق.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً