رمضان غزة الثالث.. الأول بعد «طوفان الأقصى» دون أكل أوراق الشجر!

محمد العبدالله

22 فبراير 2026

126

شاهد الجميع بعين اليقين، معاناة شعب غزة، وما عاشوه من أهوال تفوق طاقات البشر وتحملهم، لم يكن منذ انطلاق معركة «طوفان الأقصى» شجر ولا حجر يحميهم، لا يجدون نباتاً صالحاً يسدون به رمقهم، أو حيواناً يشفي غليل جوعهم، كل ذلك تحت القصف والتهجير والترويع في أكبر مأساة عاشها شعب على أرضه.

كانت الطوابير تترا لأجل الحصول على حفنة ماء أو دقيق، لطالما كلفهم حياتهم تحت القنص والقصف.

لكن مع دخول شهر رمضان وهو الثالث، تبدلت الأحوال لتكشف بعض ثمار ما كابدوه من صبر وتضحية، حيث تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي صورة تكشف ما آل إليه الثبات والصمود لشعب غزة الأبيّ الثابت على أرضه، وما طال سكان الاحتلال من خور وفزع.

الصورة التي تم تداولها تظهر الحشود «الإسرائيلية» وهي تصطف طوابير أمام سفارة البرتغال في ريشون ليتسيون لتقديم طلبات للحصول على جواز سفر برتغالي.


x.com
x.com
×


المشهد يعكس كيف صارت الهوية «الإسرائيلية» غير آمنة، وغير موثوقة، إنها رسالة الشكر التي يجب أن تقدمها الأمة لشعب غزة، وقد تحرروا بدمائهم أبناء أمتهم من الوهم «الإسرائيلي».

رمضان الجاري هو الثالث لأهالي غزة منذ انطلاق المعركة الكبيرة، لكن الثالث قطعاً ليس كالأول والثاني، لما لاقوه تحت القصف والقتل والتشريد والترويع.

فرمضان الأول أقبل في قلب النار والمجاعة؛ أيامٌ لم يعرف فيها شعب غزة سحوراً ولا إفطاراً، كان القصف في ذروته، والأشلاء تتطاير في كل مكان.

أما الثاني فقد جاء في هدنةٍ قصيرة لم تكتمل، 42 يومًا فقط، ثم عادت الحرب في رمضان ذاته، وكان العيد يومها دماً وحزناً لا فرحاً.

لكن مع رمضان الثالث، الكل بين هدوء هش واحتمال الحرب، الجميع ينتظر بحذر وأمل، طالبين من الله أداء العبادة في هدوء وأمان دون خوف أو دمار.

مجاعة وإبادة

يقول الناشط الغزاوي جهاد حلس، في تدوينة على «إكس»: إذا كان المسلمون يشتاقون إلى رمضان هذا العام مرة، فإن أهل غزة يشتاقون إليه ألف ألف مرة، فقد قدم عليهم فيما مضى في مجاعة كانوا يتسحرون فيها على الماء، ويفطرون على أوراق الشجر، ولم تكن هناك مساجد تنادي لا لصلاة ولا قيام، ولم يكن أحد فينا يأمن على روحه لحظة واحدة، لا في بيته ولا في خيمته.. أما اليوم وعلى الرغم من أن الأمور ما زالت صعبة، والأحوال غير مستقرة، غير أنها أهون من شلال الدماء، وأخف وطأة من حرب الإبادة المجنونة».




بذور الفلفل

استدعى الغزاويون في رمضانهم الثالث وقائع كانوا يعيشونها وأمورًا قد عزموا على فعلها، لكن عندما راجعوا ذاكرتهم، وعصفوا أذهانهم: أحقاً كنا نعيش كل هذا الواقع المريع؟! أحقاً كنا نعيش الجوع المسغبة، ونلتصق بالرمال والمتربة؟! إنها الحقيقة المرة التي حكاها صاحب بذور الفلفل.

تقول رسامة الكاريكاتير أميمة جحا، في منشور عبر صفحتها على منصة «إكس»: عندما عثرت على بذور الفلفل في حقيبتها من أيام الحرب، قد تبدو صورة هذه البذور صورة عابرة، ولكنها بذور بقيت أحتفظ بها أكثر من عام ونصف عام من عمر حرب الإبادة الفاجرة، هي ليست بذوراً غريبة، أو نادرة الوجود، إنها بذور الفلفل الأخضر، التي تعود إلى أيام المجاعة التي فرضت علينا نحن أهل غزة خلال الحرب، فقدنا خلالها كل مقومات الصمود الصحي فضلاً عن المادي.

وتضيف عبر ذاكرتها المريرة: أذكر يومها أني تمكنت من شراء قرني فلفل بثمن باهظ، فحرصت على الاحتفاظ بالبذور كي أزرعها، ولكن بقاء مسلسل النزوح، جعلني لا أوفق بزراعتها، ونسيتها وسط حاجياتي في حقيبة النزوح، اليوم وأنا أرتب حقيبتي، وجدتها، وكم أثارت في نفسي من الشجون الأليمة، ورددت في نفسي: جوّع الله من جوّع أهلك يا غزة واقتص من كل من ظلمك وخذلك.


 

ذاكرة الشهداء

لم ينسَ شعب غزة أبناءهم الشهداء، مهما بعدت الأيام أو ثقلت عليهم المعيشة، امتناناً وعرفاناً لما قدموه من تضحية، كان صمود الحاج محمد زملط وذاكرته الثمانينية، عنواناً ملهماً لإحياء صورة الشهداء، فرغم أنه استُشهد له ثلاثة من أبنائه، وأُصيب هو خلال الحرب وهو ابن الثمانين عاماً، جلس يواصل الرسم من خيمته في مخيم البريج وسط قطاع غزة، موثّقًا صمود الفلسطينيين بعد النزوح.

لكن كان هناك مشهد لا ينسى في وفاء شعب غزة، وقصصها التي لا تنتهي، إنه مشهد الصلاة على بقايا الجثث المفقودة.

فبعد عامين من الاستشهاد، أقام أحد سكان غزة صلاة الجنازة ليصلي على بقايا عظام وضعها أمامه على كيس أبيض، من المفترض أنها بقايا جثامين أم وأطفالها الأربعة.

وقف الأب في الصف الأول مكلوماً، يبكي أولاده الذين جاؤوه بعد سنوات من الحرمان أربعة توائم، فقدهم وأمهم في لحظة ممتدة منذ عامين حين استشهدوا حتى اليوم وهو يدفن ما تبقى منهم، إنه الوفاء في أبهى صوره ممزوجاً بثقل الأوجاع والأحزان.


من أين هذا الثبات؟

يبقى السؤال المحير الذي ربما حيّر أهل غزة أنفسهم حينما عاشوا هدوءاً بعض الوقت، من أين كل هذا الثبات الذي عاشوه؟! وكيف تحملوا كل هذه الأهوال والأوجاع؟!

الناشط علي أبو رزق يحاول الإجابة عن هذا السؤال قائلاً عبر «تويتر»: أعترف أنني غير قادر حتى الآن على فهم وشرح واستيعاب فكرة تعلق أهلنا في غزة بالقرآن الكريم إلى هذا الحد، وبهذه الصورة وهذا المستوى، يظن البعض أن الأمر دعائي أو لأسباب سياسية تسويقية، لا والله، هناك علاقة تتجاوز المنطقي والمعقول.

ويضيف في إجابته: قبل أن تستشهد خالتي بأيام، سألتها عن أهوال الحرب غير المتخيلة، قالت: نتقوّى عليها بالقرآن الكريم، وقد كانت من صفوة الحفاظ، وتقوم بسرده في 7 ساعات دون خطأ واحد، مع أنها أم وجدة لعشرة أحفاد.

وأوضح أننا في فترة ما قبل الحرب وصلنا إلى حافظ واثنين وثلاثة في كل بيت، وكانت هناك موجة استهدافات مركّزة للحفاظ والمقرئين، حتى خشينا على ضياع القرآن في غزة، كان هناك مخطط مقصود من رفاق جيفري إبستين لقتل كل دافع للقيمية والأخلاقية في غزة.

لكن يبقى صمود أهل غزة وثباتهم العنوان الأبرز في كل موسم رمضاني، وكل ملتقى إنساني، لمن يبحثون عن الصبر والتفاني، فقد جسدها شعب غزة عملياً قبل أن يسأل عنه الآخرون أو يطبقونها نظرياً.






اقرأ أيضاً:

دليلك نحو نصرة غزة في رمضان

رمضان في غزة.. دموع ونفحات وبشائر

مدفع رمضان في غزة.. 48 عاماً من الصمت

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة