سوالف المجتمع (1)
رواية زوجة الأستاذ المرزوق
كعادتها بعيد
العصر، انعقدت جلسة الحريم، وكل يوم يتم الانعقاد، جلسة لا تنفض إلا بنداء المغرب
وأحياناً العشاء، وفيها جميعهن تحكي ولا تدري من السامعات، فالحكاء غريزة مركوزة
في جنس النساء.
زوجة الأستاذ
كانت تجاور جارتها وهما آنسات وبقيت الجيرة بعد الزواج، وكلتاهما رائدة في كل
الجلسات، الغيرة في قلب الجارة بادية بغير خفاء، غيرة تؤزها أن تأتي بكل فعال من
شأنها أن تثير حفيظة زوجة الأستاذ، هو عائل ويده ذات ضيق والجارة لها بعل ميسور
الحال، يغدق عليها في الهدايا بكل ألوانها سيما الملبوس منها كالحلي والثياب.
زوجة الأستاذ
يتجاوب خاطرها مع الاستفزاز، إلا أنها تكتمه وتبالغ في الكتمان، لكنها في آخر
أمرها امرأة من بنات حواء، بها ضعفهن والغيرة الحمقاء.
صمدت طويلاً،
لكن وهَى عزمها عن الصمود يوماً من الأيام، في ليل ذلك اليوم جاورت زوجها على
الفراش ووجهها به عبوس وقليلة الكلام، هو يحفظها عن ظهر قلب ويلحظ كل ما تغير منها
ولو كان يسيراً غير منظور.
ناداها بهمس وحب:
ما لك حبيبة قلبي، أهناك ما أهمك؟ أجابت بصوت قد أخفضه الحزن منها، لا شيء ولا
عليك فنم قرير العين، قال: وأي عين تقر لي وأنت بتلك الحالة المزرية؟ لا نوم حتى
تفضي بما أهمك إلى من لا يقدر أن يراك ولو بقليل هَمّ.
أدارت وجهها وقد
اغرورقت عيناها وأجابت بأنه الحزن المستعر في حشاها من حرمان تصطلي ناره وغيرها من
نسوة الجيران يتنسم برد الهدايا والعطايا، كان له ذكاء أوقفه على ما وراء قولها،
وأن زوجة الجار هي المسعرة لأوارها، ازدرد ريقه وأدار لها ظهره ثم اعتدل وعلى حافة
الفراش جلس.
ناداها بنبرة
أسيفة: ما أخفيت عنك ولا عن أهلك حالي حين طلبت يدك وأنت وهم تعلمون ما أنا فيه من
ضيق ذات اليد، وغير قادر على مضاهاة الذي أوقدت زوجته النار فيك، وإنها لأرزاق لنا
متفرقات متباينات، قد يكون لبعض بني آدم مال ولبعضهم موفور صحة وراحة بال، وقد
تكون مكانة يحرزها بين قومه وبها يحوز الشرف وعلو الجاه، ولست أدري أي رزق رزقني
الكريم من بين تلك الأرزاق.
كل الذي أدريه
أن نصيبي من نشب الحياة قليل، وتلك هي حياتي التي عشناها منذ تشاركناها بالزواج، فاصبري
عليها أو لا تصبري فلك الخيار، لم تحر جواباً ولا برده برد حر قلبها، فاستدارت إلى
الجدار نائمة وراحت في سكون تسكب العبرات حتى غلبها النوم وتركته في أساه وفي
السهاد.
بعد الذي جرى لم
يشف ما قال صدرها فبقيت فاترة في فعالها وكلامها، وكان منه أن بادلها الفتور، لم
يصرح لها برغبته أن تغادر إلى بيت أبيها ولا هي غادرت، وبقيا أياماً بغير ود
وبقليل من الكلام، حتى حان موعد الذهاب إلى مشفى القرية بصغيرها ليتلقى التطعيم.
ارتدت ثوب خروج
من ثيابها والتاثت الخمار، كانت غرمتها وجارتها في انتظارها بصغيرها، فهو الآخر
حان له موعد التطعيم، وما إن خرجت وأبصرت الجارة في ثوبها اليانع القشيب حتى تمعر
وجهها ضيقاً وشعرت بعضة من الحزن في قلبها، وبان ذلك على قسماتها، فراقَ لجارتها
ما تراه فبسمت بسمة شامت منتصر.
ألقت عليها تحية
الصباح، وردت لها التحية، ثم توجها إلى المشفى، وكان بينهما يسير من الحديث، فقد
كانت زاهدة فيه وفي صحبة الجارة وما رضيت بصحبتها في مشوارها إلا خوفاً من ظنها
بها أنها حانقة عليها والغيرة قد حجبتها عنها وعن الصحبة.
وصلت الجارتان
إلى المشفى ودخلتا بين زحام من الحريم، أكثرهن يحملن الصغار، قد جلس أقلهن على
المقاعد وأكثرهن افترشن الأرض على أديمها الأملس وصغارهن في الحجور، والأصوات قد
تداخلت وتقاطعت يتردد صداها في بهو المشفى التفخيم، يتخلل الجمع حكيمات وعاملات
وموظفون وموظفات في ذهاب وإياب.
وأبصرت موظفة من
الموظفات زوجة الأستاذ وكانت تعرفها، فتهلل لها وجهها وتقدمت نحوها واحتوتها
باحتضان وتبادلتا القُبُلات، ثم أخذت بيدها وتقدمت بها نحو جمع من رفيقاتها وقالت
لهن: وتعلمن من هذه؟ فلم يجبن، فهن لا علم لهن بها، فصاحت بهن: إنها زوجة الأستاذ
فلان، فحملقن في دهش ورحن في ترحاب بها كبير، ترحاب أثار انتباه أكثر الحاضرين،
وأسرعت إحدى الحكيمات وأحضرت مقعداً لها، وعزمت عليها بالجلوس، وأسرعت أخرى وجاءت
لها بشراب فتناولته وهي بين خجل وعجب وسرور!
وفي جلستها ما
مر بها أحد وقد عرف أنها زوجة الأستاذ إلا ورحب بها في حرارة واهتمام، وسائلها
كثير عن زوجها وكثير كال له المديح، هي تجيب مَن سأل وتزجي الشكر للمادحين.
وبينما هي في شغل
نظرت من طرف خفي فأبصرت الجارة واقفة في صمت مع الواقفين، لم يعرها أحد اهتماماً
ولا رحب بها أحد من المرحبين، لم يطل جلوسها، فقد قدمتها إحدى الحكيمات لتطعيم
صغيرها قبل الجميع، مجاملة أو تقديراً لأنها زوجة الأستاذ.
خرجت بصغيرها من
الحجرة وتقدمت نحو الجارة وبها بعض زهو وافتخار وبشيء من الشمم، قالت: أأنتظرك أم
أعود إلى البيت؟ بصوت منكسر خفيض قالت الجارة: لا حاجة لي بانتظارك فعودي إلى بيتك
بالصغير.
عادت إلى
البيت بقلب جديد، مفعم بالبهجة والسرور الجميل، ومن سرورها نشطت في عملها وأنجزت
منه الكثير، فقد كانت في فتور أكسلها عنه فتراكم عليها وكان جد عسير، حتى إذا ما
جن المساء كان كأنه واحة من واحات الرياض أو ساحة من سوح النعيم.
آب زوجها بعد
مكتوبة العشاء كليل الخطو مكتئباً حزيناً، ما زال به أثر الذي كان وما درى كيف
الجديد، وما إن دبت قدمه داخل البيت إلا وتوقف في تأمل مما يعاين ويرى، ثم راح في سره
يتساءل عن الذي جرى؟!
ما كاد يستفيق
من دهشته حتى دهمته التي هي أعجب، فقد عاجلته الزوجة بوجه غير معهود بثغر باسم
ووجه مشرق طليق، قبل أن ينطق بحرف كان بين أحضانها قد لفت ذراعيها حول خصره وضمته
ضمة مشتاق للقا ملتاع من فراق، هو ثابت البدن مذهول! لكنه لما أطالت عناقها
احتواها وأدار ذراعيه حولها وراحا في سكون جميل.
قضت نهمتها
وأبردت لوعتها فأرسلته من ضمتها وعلى خديه وضعت راحتيها وعيناها في عينيه وقالت
بهما قول حب دونه في الوصف ماهر البلغاء، ما زال هو مأخوذاً بما حصل وباله منه
تاه، بيد أن السرور في قلبه بدا له دبيب!
هَمَّ أن يتكلم
فعاجلته بكفها على فمه ثم أخذت بيده إلى خوان العشاء ليبصره كأنه أعد لملك من
الملوك، وضعت وسادة وجلس عليها وناولته الخبز فذكر اسم الله وشرع يطعم شهياً لذيذاً،
وما زالت تحدو به أن يأكل هذه ويذوق تلك حتى أتخم فما عاد به من طاقة للمزيد.
قاما من عشائهما
فأعدّت له شرابه المحبوب فاحتساه، ثم جاورته وقد نام الصغير، نظرته بعينين تترددان
بين الخجل منه والإكبار، ثم شرعت تحكي ما كان في صبيحة يومها وما ظفرت به في المشفى
من تقدير وتبجيل لأجل أنها زوجة للأستاذ المحبوب القدير.
وما إن وقعت
حكايتها في مسامعه إلا وغامت عيناه بغشاء الدموع وأطرق إطراقة المتواضع وأثنى على
ربه الكريم الذي حباه بالنعم والفضل العظيم، قاطعت حديثه وقالت قد كنت في جهل بك
وبحكمة الله العظيم، ولم أدرك معنى الذي وعظتني به بأن أرزاق الله لعباده تتباين
وليست على وتر وحيد، واليوم قد وعيت رزق الله لك ورأيته يربو على كل غال من المال
ونفيس.
حظوة قد فضّلك
الله بها فعلوت على الهامات، وتبجيل سموت به على كثير من الخلائق، ولأجلك وبك حظوت
أنا بالحب والتقدير، فعلمت أنني في فضل من الله ورزق وفير، لكنها حماقتي التي
أعمتني وجهلي الذي جعلني أغار من وضيع من الرزق وحقير.
تبسم لها وفي
عينيه بريق من جمال السرور، وأثنى عليها بالخير ودعا لها منه بالكثير، ثم سكت برهة
نظر فيها إلى أسفل كأنه يمهد لقول جليل، فأثبتت هي ناظريها إليه في تأهب لما سوف
يقول، رفع الرأس ونظرها قائلاً: للعاقل أن يعي الدرس ولا يغفل عنه وقد أتاه سافراً،
فافقهي عني نصحي عله يقيك شر ما كان:
جالسي الجارات
ولا تحرمي نفسك رغبة الخلطة بهن، لكن كوني على حذر مما يؤذيك منهن، وقلّبي النظر
فيما تسمعين فإن وجدت به نفعاً فذاك مرجو ومحمود، وغير ذلك منبوذ ومذموم، ولا تصغي
قلبك لفعلة تأتيها سفيهة من السفيهات، واربأ به عن كل نقيصة لا تليق بك، وتجر عليك
شر نفسك أو شر الشيطان.
أجابته: قد علمت
نصحك الصادر عن قلب وفيّ أمين، ولكنني أرى الحكمة ماثلة في جلاء النهار، الوقاية
خير من العلاج، وإنني بعد اليوم لن أخالط الأغيار إلا لضرورة، ولتكن ساعاتي وأيامي
وقفاً عليك وعلى أشغال بيتي وعلى حبيبنا الصغير.