زهران ممداني.. المسلم الآسيوي الذي يوشك أن يُنتخب عمدة لنيويورك
كانت معركة
شرسة، وفي بعض الأحيان سيئة، بين الرؤى والطموحات المتنافسة لمستقبل الحزب
الديمقراطي ضد بعضها بعضاً.
وفي النهاية،
خرج التقدميون في نيويورك منتصرين، وهم يعتقدون الآن أنهم يمتلكون الزخم اللازم
لتغيير حزبهم.
كان للسباق من
أجل تحديد من سيكون المرشح الديمقراطي لمنصب عمدة مدينة نيويورك جانبان مختلفان.
كان على الجانب
الآخر من المشهد السياسي لمؤسسة الحزب الديمقراطي أندرو كومو، الحاكم السابق
لولاية نيويورك وسليل إحدى أقوى العائلات السياسية في البلاد.
وفي مواجهته
المتمرد التقدمي زهران ممداني؛ مسلم يبلغ من العمر 33 عاماً ويطلق على نفسه لقب «الاشتراكي
الديمقراطي»، ينتقد الرأسمالية ويعد بزيادة الضرائب على الأغنياء.
في النهاية،
صوتت مدينة نيويورك لصالح ممداني، الذي ما زال شاباً أقل خبرة بكثير، ليكون مرشح
الحزب الديمقراطي لمنصب عمدة المدينة، الأمر الذي صدم المؤسسة الحزبية وأشعل حماس
التقدميين الذين أصبحوا على استعداد للمضي قدماً نحو اليسار.
مشوار
الوصول للسلطة
من منصب الرئيس،
وصولاً إلى مجالس المدارس في بعض المقاطعات المحلية، يحصل الأمريكيون على حق
التصويت لاختيار من يريدون أن يتولى السلطة، ولكنهم يحصلون أيضاً على حق التصويت
لاختيار المرشحين الذين ينتهي بهم الأمر على ورقة الاقتراع من خلال الانتخابات
التمهيدية.
في الوقت الذي
صعد دونالد ترمب وحركته «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، وأصبحا يسيطران الآن على
الحزب الجمهوري، هناك معركة أخرى تدور داخل المعارضة.
أزمة
هوية
فمنذ هزيمة
كامالا هاريس في نوفمبر من العام الماضي، يعاني الحزب الديمقراطي من أزمة هوية.
البعض يعتقد أن
النجاح الانتخابي المستقبلي يكمن في احتضان الجناح اليساري من الحزب، في الوقت
الذي يريد آخرون أن يصمد جناح الوسط.
في الولايات
المتحدة، من المستحيل تقسيم الناخبين الأمريكيين بالطريقة التي فعلها الباحثون في
استطلاعات الرأي والإستراتيجيون في الماضي.
والآن حقق
التقدميون فوزاً كبيراً.
بعد حصوله على
43.5% من الأصوات في الجولة الأولى، أصبح ممداني الآن على استعداد لخوض الانتخابات
كمرشح للحزب (الديمقراطي) لمنصب عمدة مدينة نيويورك في الانتخابات العامة المقررة
في الرابع من نوفمبر القادم.
خاض ممداني حملة
انتخابية ناجحة اعتمدت بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، وبفضل استخدامه
الواسع للمشاهير، نجح في بناء زخم شعبي دفعه إلى النصر.
ماذا
يعني فوز ممداني
تقول الممثلة
الشهيرة إميلي راتاجكوسكي، التي تؤيد ممداني: الأمر لا يقتصر على نيويورك، بل
يتعلق بالحزب الديمقراطي، إنه يتعلق بالأمل الذي نصبو إليه؛ وهو أن الناس قادرون
بأنفسهم على الفوز في الانتخابات، وليس بالمال فقط.
اختار الناخبون
الرجلَ ذا السيرة الذاتية القصيرة على شخصٍ ذي سيرةٍ ذاتيةٍ المثيرةٍ للجدل، كومو،
عمدة نيويورك السابق، يحظى بدعمٍ عدد من المليارديرات، وبصفته حاكمًا سابقًا، كان
معروفًا، لكن سكان نيويورك لم ينسوا تهم التحرش الجنسي التي وُجهت إليه.
لقد حفّز فوز
ممداني الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، واستغلّ نجاحه كدليل على أن برنامجًا
يساريًا جريئًا يمكن أن يُحقّق نجاحًا انتخابيًا.
ولكن هذه
الرواية أصبحت بالفعل موضع تساؤل من جانب أعضاء الحزب الوسطيين والمعتدلين الذين
يزعمون أن حملة مثل حملة ممداني قد تنجح في المدن الداخلية، ولكنها لن تنجح في
ضواحي وسط أمريكا التي تحدد نتائج الانتخابات.
فوز ممداني يمنح
التقدميين زخماً، ويهز مؤسسة الحزب، ويقدم فرصة لترمب وجيشه الجمهوري.
من
هو زهران ممداني؟
قبل أشهر قليلة،
كان من الصعب العثور على أي شخص سبق له أن سمع عن زهران ممداني خارج نطاق السياسة
المحلية في نيويورك، لكنه الآن يتعرض لكل من التمجيد من قبل مؤيديه والسخرية من
قبل بعض أكبر اللاعبين السياسيين في الولايات المتحدة.
وقد أصبحت قصة
حياته جزءًا أساسيًا من حملته.
وُلد في
كامبالا، أوغندا، لعائلة من أصول هندية قبل أن ينتقل إلى نيويورك وهو في السابعة
من عمره.
أمه هي ميرا
ناير مخرجة سينمائية مشهورة، ووالده هو محمود ممداني، أستاذ في جامعة كولومبيا
متخصص في دراسة الاستعمار.
ممداني متزوج من
الفنانة وصانعة الخزف راما دوجي، وهي تتعرض لهجوم إلكتروني من قِبَل متصيدين
يمينيين منذ بداية الحملة، وقد التقى الزوجان عبر تطبيق «هنج» (Hinge).
أجندة
ممداني
لو دعم سكان
نيويورك ممداني في الانتخابات العامة، فإنه سيصبح أول رئيس بلدية مسلم من جنوب
آسيا، سيكون عمدة مناهضاً للرأسمالية في مدينة تعتبر مهد الاقتصاد الأمريكي
الرأسمالي المحب للسوق الحرة.
يقدم ممداني
برنامجاً تقدّمياً للغاية، يعد بتوفير حافلات مجانية، وتجميد الإيجارات، وزيادة
إنتاج الإسكان الإيجاري بثلاثة أضعاف، وتوفير مساكن مستقرة، وتطوير سلسلة من متاجر
البقالة المملوكة للمدينة لخفض أسعار السلع الأساسية.
سيعتقل
نتنياهو إذا زار نيويورك!
القضية الأكثر
إثارة للجدل في هذه الحملة هي موقفه من «إسرائيل» والأراضي الفلسطينية المحتلة،
على الرغم من أن عمدة نيويورك ليس لديه أي مسؤوليات في السياسة الخارجية، وخصوم
ممداني يستغلون نشاطه الطويل الأمد لصالح الفلسطينيين وانتقاده اللاذع لـ«إسرائيل»
لتشويهه واتهامه بمعاداة السامية، فممداني يتهم «إسرائيل» بارتكاب إبادة جماعية في
غزة وممارسة الفصل العنصري، بل إنه قال: إنه سيعتقل بنيامين نتنياهو إذا زار رئيس
الوزراء «الإسرائيلي» نيويورك أثناء ولايته كعمدة للمدينة.
مدينة نيويورك،
التي يقدر عدد سكانها اليهود بنحو 1.5 إلى مليوني نسمة، تعتبر ثاني أكبر مدينة
يهودية في العالم بعد «تل أبيب».
وقد كانت النظرة
السياسية التقليدية، حتى الآن، هي أن النجاح في نيويورك يتطلب من المرشح أن يكون
مؤيداً لـ«إسرائيل».
وهذا هو المسار
الذي اتبعه كومو، العمدة السابق للمدينة الذي يصف نفسه بأنه مؤيد مفرط لـ«إسرائيل»
وفخور بذلك.
وصل كومو إلى
هذا السباق وهو محمل بحمل ثقيل من المخالفات، التي أضعف شعبيته، وقد استقال من
منصبه كحاكم لولاية نيويورك عام 2021م بعد اتهامه بالتحرش الجنسي لعدد من النساء.
ووجدت وزارة
العدل أن كومو أخضع نساءً في مكتبه مرارًا وتكرارًا لاتصال جنسي بلا رغبة من قبلهن،
ولكن كومو ينكر ارتكاب أي فعل غير قانوني، ومع ذلك فإن كومو يحظى بدعم جيد من
الحزب الديمقراطي، وما زال يحظى بدعم العديد من المليارديرات مثل عمدة المدينة
السابق مايكل بلومبرج والمستثمر بيل أكمان.
وكوومو، الذي
عمل في السابق وزيراً للإسكان والتنمية الحضرية، يحظى بدعم الرئيس السابق بيل
كلينتون الذي يقول: من الضروري أن تختار نيويورك عمدة يتمتع بالقدرة والموهبة
والخبرة للقيام بهذه المهمة.
ومع أن حملة
كوومو بذلت قصارى جهدها لتصوير ممداني على أنه غير مؤهل لمهمة إدارة مدينة
بميزانية قدرها 115 مليار دولار، وتوظف نحو 300 ألف عامل، فإن الناخبين لم يقتنعوا
بتلك الدعاية.
معاداة
السامية!
ويبدو أن
الجمهوريين يعتقدون أن فوز ممداني والديمقراطيين الذين حققوا له هذا الفوز سيمنحهم
ميزة كبرى في سباقات أخرى، فهم يبذلون قصارى جهدهم لرفع ممداني إلى مكانة بارزة
على المستوى الوطني.
نائب الرئيس
الأمريكي جيه دي فانس، وصفه بـ«الزعيم الجديد للحزب الديمقراطي»، ومع أن ترامب كان
يطلق على ممداني لقب «المجنون الشيوعي بنسبة 100%»، وصفته اللجنة الجمهورية
الوطنية في الكونجرس بأنه «اشتراكي متطرف معاد للسامية»!
وفي الوقت الذي
يرفض فيه ممداني أي ادعاء بأنه معاد للسامية، إلا أنه يتبنى الاشتراكية.
يقول باسل
سميكل، المحلل السياسي والأستاذ في كلية الدراسات المهنية بجامعة كولومبيا: إن
الهجمات القاسية على ممداني قد تأتي بنتائج عكسية من خلال تحفيز الكثير من
الناخبين الديمقراطيين على الرغبة في الضغط أكثر على ترامب، مضيفاً: لا أعتقد أن
ذلك سيضرّ الديمقراطيين على المدى البعيد، بل أعتقد أنه يفيدهم.
بيرني
ساندرز
يشيد ممداني
باستمرار بشخصية اشتراكية ديمقراطية بارزة أخرى، وهي عضو مجلس الشيوخ عن ولاية
فيرمونت والمرشح الرئاسي السابق بيرني ساندرز، ويصفه بأنه الشخصية السياسية الأكثر
تأثيرًا في حياته.
ويقول ساندرز:
إن فوز ممداني بترشيح الحزب الديمقراطي كان بفضل حملة رائعة، وأن كامالا هاريس كان
يمكنها الفوز بالرئاسة لو اتبعت نهج ممداني.
وبالإضافة إلى
ساندرز، يجيء التأييد الأكثر أهمية لممداني من الممثلة في الكونجرس ألكسندريا
أوكاسيو كورتيز، المعروفة باسم «AOC»، وقد ألقت كورتيز
بثقلها مع ممداني في الأسابيع الأخيرة من الحملة، حيث تقول: إن ممداني أظهر قدرة
حقيقية على الأرض في تشكيل تحالف من الطبقة العاملة في نيويورك هو الأقوى لقيادة
المجموعة.
يذكر أن كورتيز
تُعدّ أبرز عضو في الجناح التقدمي في الحزب، وقد طُرح اسمها كمرشحة رئاسية محتملة
في عام 2028م، أو قد تُطلق حملةً لإزاحة السيناتور تشاك شومر، المخضرم في هذا
المجال.
رفض
فاشية ترمب
ولكن الجناح
التقدمي الذي يتمتع بالتوهج الذي أحدثه الفوز غير المتوقع في نيويورك، إلا أن
الحزب منقسم بشأن ما يعنيه هذا الفوز، يقول الخبير الإستراتيجي الديمقراطي تيم ليم
لصحيفة «بوليتيكو»: بالنسبة للمعتدلين والمانحين الديمقراطيين الأثرياء، فإن رد
فعلهم هو «هذا أمر فظيع وسوف يدمرنا».
بالنسبة
للديمقراطيين الذين لا يدعمون بالضرورة سياسات ممداني، فإن رد فعلهم هو هذا رفض
للمؤسسة الديمقراطية، مع أن ممداني خاض حملة عظيمة ضد مرتكب الجرائم الجنسية، وبالنسبة
للتقدميين، فإنهم يعتقدون أن هذا هو ما يحدث عندما تستمع إلى الناخبين.
من جانبه، بدا
ممداني مستعدًا لقبول أي دور كزعيم للحزب، حيث قال لأنصاره في خطاب النصر: إنه
سيحكم المدينة كنموذج للحزب الديمقراطي؛ الحزب الذي نناضل فيه من أجل العمال دون
أي اعتذار، وتعهد باستخدام سلطته كرئيس للبلدية لرفض فاشية دونالد ترمب.
معارك
نوفمبر
سيخوض ممداني
الانتخابات العامة لمنصب عمدة المدينة في نوفمبر المقبل، وفي نوفمبر المقبل،
ستُصوّت الولايات المتحدة في انتخابات التجديد النصفي، التي ستُمثّل أول اختبار
حقيقي للشعور الوطني تجاه رئاسة ترمب الثانية.
وبحلول نوفمبر
2028م، سيتعين على الحزب الديمقراطي أن يكتشف كيفية هزيمة من يتولى مهمة لنجعل
أمريكا عظيمة مرة أخرى.
ورغم أن فوز
ممداني في الانتخابات التمهيدية كان بمثابة صدمة زلزالية للحزب، فإنه لن يكون سوى
انتكاسة مؤقتة إذا لم يصبح عمدة المدينة في نوفمبر، وهذا ليس مضموناً حتى الآن.
إنه ميدانٌ
مزدحم، سيواجه العمدة الحالي إريك آدامز، الذي سبق أن فاز كديمقراطي قبل أن يغادر
الحزب عندما اتضح له أنه لن يفوز في الانتخابات التمهيدية.
والباب متروك
أيضًا مفتوحًا أمام أندرو كومو للترشح كمستقل، وقد يكون حاملاً للواء الحزب
الجمهوري، وسيكون للتمويل دور كبير، فقد وعد الملياردير بيل أكمان بالفعل بتمويل
المنافس، وزعم أنه وحلفاءه على استعداد لإنفاق مئات الملايين من الدولارات لضمان
عدم فوز ممداني.
ورغم أن تعهدات
ممداني بزيادة الضرائب وتوسيع الخدمات نالت استحسان الديمقراطيين في نيويورك، فإن
الأمر قد يختلف عندما يُمنح الجمهوريون والمستقلون الفرصة لتقديم تعهداتهم
للناخبين.
إن نظام
الاختيار المتسلسل الذي تستخدمه نيويورك في انتخاباتها، الذي يشبه النظام التفضيلي
في أستراليا، يكافئ الاعتدال أيضاً؛ لذا فمن الممكن أن يعمل ضده عندما يتنافس عدد
أكبر من المرشحين الوسطيين.
ولكن سواء فاز
الحزب أو خسر في الانتخابات التي ستجري في نوفمبر، فقد وجه ممداني رسالة إلى أقوى
شخصيات الحزب في وقت يسود فيه فراغ كبير في الإستراتيجية والتوجيه.
ومن خلال الترشح
على أساس برنامج يمثل 99% من السكان، وليس أعلى 1% من السكان، نجح ممداني في تحقيق
مفاجأة سياسية هائلة.
وقد كتبت نيرا
تاندن، الرئيسة التنفيذية لمركز التقدم الأمريكي، وهو مؤسسة فكرية ديمقراطية، على
موقع «إكس» تعليقاً على فوز ممداني: تكلفة المعيشة هي قضية عصرنا.. إنه الخط
المباشر الذي يُحرك كل السياسات، والقادة السياسيين الأذكياء.
_____________
- كارينجتون
كلارك، وإميلي كلارك.
- المصدر: «ABC News»
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً