زواج "المثليين‭ ‬جنسياً" ‬في‭ ‬بريطانيا.. ‬بين‭ ‬القانون‭ ‬والكنيسة‭ ‬والشعب

المجتمع

12 ديسمبر 2022

416

 

طبقاً للمكتب الوطني للإحصاء في بريطانيا، حُدد ما يقدر بنسبة 3.1% (أكثر من مليونين، ضعف العدد منذ 7 سنوات) من سكان المملكة المتحدة الذين تبلغ أعمارهم 16 عاماً فأكثر كمثليين أو مثليات أو ثنائيي الجنس (LGB) في عام 2020م، ربعهم فقط متزوجون أو في شراكة مدنية(1)، فما الوضع القانوني والكنسي والشعبي لزواج هذه المجموعة؟

كانت المثلية الجنسية غير قانونية في المملكة المتحدة حتى عام 1967م، وشهدت بريطانيا إدخال قانون الشراكة المدنية في عام 2004م، الذي سمح للأزواج من نفس الجنس أن يتمتعوا بنفس الحقوق القانونية التي يتمتع بها الرجال والنساء المتزوجون، وتم تقنين زواج المثليين في إنجلترا وويلز في عام 2013م، وفي إسكتلندا عام 2014م، وتأخر تقنينه في أيرلندا الشمالية حتى عام 2020م.

الناظر لنص الإنجيل في العهد القديم يجد تحريماً واضحاً: «ولا تضاجع ذكراً مضاجعة امرأة، إنه رجس» (سفر اللاويين، إصحاح 18، فقرة 22)، «وإذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة، فقد فعلا كلاهما رجساً، إنهما يقتلان، دمهما عليهما» (سفر اللاويين، إصحاح 20، فقرة 13).

وتشير معظم تصريحات الكنيسة التي تتناول المثلية الجنسية فقط إلى المثلية الجنسية للذكور، لكن يمكن تطبيق نفس المبادئ على المثليات، وهناك انقسامات كبيرة داخل المجتمع المسيحي حول هذه المسألة، حيث تتبنى الكنيسة الكاثوليكية وبعض أقسام الكنائس الإنجيلية وجهات نظر متشابهة جداً.

لا يُمارس زواج المثليين عادة في الكنائس المسيحية، ويعارض مسيحيون آخرون زواج المثليين تماماً، حيث توجد العديد من المقاطع في الكتاب المقدس التي تعتبره خاطئاً.

وتتخذ معظم الكنائس المسيحية موقفاً مفاده أنه يجب أن «تحب الخاطئ، لكن تكره الخطيئة»، يُفسَّر هذا عموماً على أنه يجب على المسيحيين إظهار الحب والرحمة للمثليين جنسياً، ولكن لا ينبغي للمثليين جنسياً الانخراط في أي نشاط جنسي، وذلك لأن معظم الكنائس تعلم أن الجنس يجب أن يحدث فقط في إطار الزواج، وهو ما تعرّفه الكنيسة بأنه بين رجل وامرأة.

طبقاً لمؤتمر الكنيسة الأنجليكانية عام 1989م، وهي الكنيسة السائدة في بريطانيا، وعلى رأسها الملك، أنه بينما يرفض المؤتمر ممارسة الشذوذ الجنسي باعتباره غير متوافق مع الكتاب المقدس (الإنجيل بعهديه القديم والجديد)، فإنه يدعو جميع أفراد الشعب المسيحي إلى الخدمة الرعوية والحساسة للجميع بغض النظر عن الميول الجنسية وإدانة الخوف غير العقلاني من المثليين والعنف في إطار الزواج وأي استهانة بالجنس وتسويقه.

وأضافت قرارات المؤتمر أنه لا يمكن أن ينصح بإضفاء الشرعية أو مباركة الزيجات من نفس الجنس أو تعيين ومباركة أولئك المنخرطين في الزيجات من نفس الجنس، يدرك المؤتمر بأن هناك أشخاصاً يعتبرون أنفسهم على أنهم من ذوي التوجهات الجنسية المثلية، كثير من هؤلاء هم أعضاء في الكنيسة ويبحثون عن الرعاية والتوجيه الأخلاقي للكنيسة وقوة الله المُغيِّرة لحياتهم وتنظيم علاقاتهم، نلتزم بالاستماع إلى تجربة الأشخاص المثليين، ونود أن نؤكد لهم أن الله يحبهم، وأن جميع الأشخاص المعمدين والمؤمنين، بغض النظر عن التوجه الجنسي، هم أعضاء كاملون في جسد المسيح(2).

كنيستا إنجلترا وإسكتلندا

تحت عنوان «معلومات للأزواج من نفس الجنس»، تجد الآن في صفحة كنيسة إنجلترا الرسمية ما يلي: «يمنع القانون قساوسة كنيسة إنجلترا من إجراء زيجات من نفس الجنس، وعلى الرغم من عدم وجود خدمات مصرح بها لمباركة زواج مدني من نفس الجنس، لا يزال بإمكان كنيستك المحلية دعمك بالصلاة.. إذا كنت بحاجة إلى مكان للتواصل مع الله والعبادة والشكر والانضمام إلى الآخرين في التعرف على الإيمان المسيحي، فستكون موضع ترحيب كبير في كنيستك المحلية»(3).

وتحت عنوان «الزواج من نفس الجنس»، جاء في موقع كنيسة إسكتلندا أنه بعد التصويت في الجمعية العامة لعام 2022م، يجوز لقساوسة كنيسة إسكتلندا والشمامسة الذين يريدون القيام بذلك (أي يختارون هم ذلك بأنفسهم وبمحض إراداتهم، فليس ذلك واجباً عليهم)، تزويج أزواج من نفس الجنس، صوتت الجمعية العامة بأغلبية 274 صوتاً مقابل 136 لتغيير قانون الكنيسة الدائم للسماح بالحق في التقدم لتصبح كاهناً مخولاً لإجراء احتفالات تزويج مثليي الجنس.

وجاء التصويت بعد موافقة أغلبية الكهنة (29)، وصوَّت 12 من الكهنة ضد الموافقة، يجب على الفرد التقدم إلى مكتب الكاتب الرئيس ليصبح محتفلاً، ثم يتم تقديم طلب إلى المسجل العام لإسكتلندا نيابة عنهم، سيحتفظ الكاتب الرئيس بسجل محدث للمحتفلين، وسيكونون مسؤولين شخصياً عن تجديد وضعهم كل 3 سنوات(4).

وفي عام 2020م، أعلنت كنيسة إنجلترا أنّه ينبغي أن تكون ممارسة الجنس محصورة بالزواج بين جنسين مختلفين، وجاء في بيان مجلس الأساقفة بأنّ تعاليم الكنيسة بشأن الزواج تبقى غير متغيّرة، واعتبروا بأنّ ممارسة الجنس خارج إطار الزواج لا يخدم غاية الله للبشر، وأضاف البيان أنّه بالنسبة للمسيحيين، يبقى السياق المناسب لممارسة النشاط الجنسي هو الزواج؛ أي الاتحاد الذي يمتدّ مدى الحياة بين رجل وامرأة أُبرم من خلال النذور الزوجية(5).

الكنيسة الكاثوليكية

تقول الكنيسة الكاثوليكية: إنه استناداً إلى الإنجيل، الذي يعرض أفعال المثلية الجنسية على أنها أفعال فساد جسيم، فقد أعلن التقليد الكاثوليكي دائماً أن الأفعال الجنسية المثلية مضطربة في جوهرها، وأنها تتعارض مع القانون الطبيعي، يغلقون الفعل الجنسي على هبة الحياة، فهي لا تنطلق من تكامل عاطفي وجنسي حقيقي، لا يمكن الموافقة عليها تحت أي ظرف من الظروف، هذا الميل المشوش موضوعياً، يشكل بالنسبة لمعظمهم تجربة، يجب أن يكون مقبولاً مع الاحترام والرحمة، والحساسية، يجب تجنب كل علامة من علامات التمييز غير العادل فيما يتعلق بهم.. فإن مثليي الجنس مدعوون إلى العفة(6).

ومؤخراً، قال البابا فرنسيس، في يناير 2022م: إن آباء الأطفال المثليين يجب ألا ينكروا عليهم، بل يقدموا لهم الدعم، وقال: إن تلك القضايا تشمل الآباء الذين يرون توجهات جنسية مختلفة في أطفالهم وكيفية التعامل مع ذلك، وكيفية مرافقة أطفالهم، وعدم الاختباء وراء مواقف الاستنكار، من قبل عائلاتهم كأطفال وإخوة.

وقال أيضاً: إنه على الرغم من أن الكنيسة لا يمكنها قبول زواج المثليين، فإنها يمكن أن تدعم قوانين الاتحاد المدني التي تهدف إلى منح الشركاء المثليين حقوقاً مشتركة في مجالات المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية وقضايا الميراث.

وفي العام الماضي، أصدر مكتب العقيدة بالفاتيكان وثيقة تقول: إن القساوسة الكاثوليك لا يمكنهم مباركة اتحادات (زواج) المثليين، وهو حكم أصاب المثليين الكاثوليك بخيبة أمل كبيرة(7).

الشعب

أظهر استطلاع أجراه مركز «بيو» للأبحاث، نُشِرَ في مايو 2018، أن 77% من البريطانيين يؤيدون زواج المثليين، ونسبة 20% يعارضونه، و3% لا يعرفون أو يرفضون الإجابة، وعند تقسيم ممن شملهم الاستطلاع تبعاً للدين؛ فإن نسب تأييد حق زواج المثليين توزعت بنسبة 83% من الأشخاص غير المرتبطين بأي دين، و82% من المسيحيين غير الممارسين للشعائر الدينية، و63% من المسيحيين المرتادين للكنائس، وكانت نسبة معارضة زواج المثليين 13% فقط من قبل من هم في الفئة العمرية ما بين 18 - 34 عاماً(8).

هذه صورة من أحوال بريطانيا في هذا الشأن، نقدمها بمراجعها بلا رتوش، فالقانون الوضعي المتقلب، وطبائع الشعوب المتغيرة، وتشريع بعض الأحبار والرهبان المنافي للنصوص «المقدسة»، قد استسلموا للواقع المرير في شأن السماح بشذوذ «رسمي» تنتكس فيه الفطرة، وتتزاوج فيه الرغبات المنحرفة، والأهواء الجانحة.

تحية لكل من تمسك بالشرائع السماوية من مسحيين ويهود ومسلمين في تحريم فواحش الشذوذ، والشهوات، وإتيان الجنس المثيل؛ (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ {165} وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ) (الشعراء).

 

 

 

 

_______________________________

(1)  UK Sexual orientation,

https://www.ons.gov.uk/peoplepopulationandcommunity/culturalidentity/sexuality/bulletins/sexualidentityuk/2020, Published 25 May 2022.

(2)  1989 Lambeth Conference, https://www.anglicancommunion.org/resources/document-library/lambeth-conference/1998/section-i-called-to-full-humanity/section-i10-human-sexuality

(3)  Information for same sex couples

https://www.churchofengland.org/life-events/your-church-wedding/just-engaged/information-same-sex-couples

(4)  Same-sex marriage

https://www.churchofscotland.org.uk/about-us/our-views/same-sex-marriage

(5) كنيسة إنجلترا تحصر حق ممارسة الجنس بالأزواج فقط، الإندبندنت عربية، 24 يناير 2020.

(6)  Catechism of the Catholic Church (CCC) 1992, paras 2358-9

Compendium of The Catechism of the Catholic Church, Libreria Editrice Viticana, 2005, p1345

(7)  Support your children if they are gay, pope tells parents

https://www.reuters.com/world/support-your-children-if-they-are-gay-pope-tells-parents-2022-01-26/

(8)  Eastern and Western Europeans Differ on Importance of Religion, Views of Minorities, and Key Social Issues, Pew Research Center, 29 October 2018.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة