زيارة البابا فرنسيس لأفريقيا.. التبشير وأمور أخرى

رمضان

06 ديسمبر 2015

72

زيارة البابا فرنسيس لأفريقيا.. التبشير وأمور أخرى

"أوغندا عاشت استشهاد المسيحيين.. ليتهم يعاونوننا على نشر فرحة الإنجيل بلا خوف".. ربما تلخص هذه العبارة أحد أهم أهداف زيارة البابا فرنسيس لثلاثة بلدان أفريقية بدأت بكينيا مروراً بأوغندا وانتهت بأفريقيا الوسطى، في جولة استمرت خمسة أيام في أواخر نوفمبر الماضي، فرغم أنه أعلن من خلال رحلته هذه أن الأخوّة لا تزال ممكنة بين المسيحيين والمسلمين، فإن خطابه للأتباع تضمن جُملاً ذات مغزى آخر: "اصمدوا بصلابة في الإيمان، قاوموا الخوف من الآخر، لا تخشوا شيئاً"، كما حث الكنيسة على الوحدة لأن الفُرقة بين عقائدها المختلفة تضعف ترابطها.

في هذه الزيارة قام فرانسيس بتكريم الشهداء الكاثوليك والأنجليكان بالذهاب إلى مدفن مونيونو، وأوضح أن السلام يمكنه أن يعود في ذلك الحي المسمى "ﭙيكي 5"، وهو جزء من آخر حي يضم مسلمين في مدينة بانجي، وهي منطقة رمزية، إذ باتت لا تحوي سوى 12000 مسلم، لا يغادرون منازلهم خشية أن تقتلهم المليشيات المسيحية.

وقد أعلن أحد قساوسة الكنيسة الإنجيلية الدولية الجديدة، قاصداً الكاثوليك: إنهم يريدون أن يجعلوا من البلد بلداً خالياً من المسلمين! أما الطريق المؤدي إلى هذه الضاحية فكانت كل حوانيته مغلقة لعدم وجود زبائن يجازفون بأرواحهم، تلك كانت الرؤية الأولى الواضحة لزيارة البابا فرنسيس التي تضم في الواقع عناصر أخرى.

خطاب ذو وجهين

وتأكيداً منه على أنه يحمل رسالة سلام ومصالحة بين الأديان، فقد قال البابا مخاطبا أهالي أفريقيا الوسطى ومدينة بانجي تحديداً، بحضور رئيسة الجمهورية بالنيابة، السيدة كاترين سامبا بانزا: قاوموا الخوف من الآخر، الخوف ممن لا ينتمي إلى عرقنا وإلى آرائنا السياسية وإلى عقيدتنا الدينية، وفي محاولة للتخفيف من العنف الدموي الديني الذي ساد بين الأهالي ومزقوا نسيجه منذ عام 2013م، أعلن البابا عند زيارته مسجد بانجي أن المسيحيين والمسلمين إخوة، ويجب أن نعتبر أنفسنا كذلك، وأن نتصرف على هذا الأساس، وعندما تحدث إلى الشباب تحدث حتى عن "حب الأعداء"!

وفي أوغندا، قبل وصوله إلى بانجي، أعلن أن أوغندا عاشت استشهاد المسيحيين، ليتهم يعاونوننا على نشر فرحة الإنجيل بلا خوف، وهي عبارة يبدو أنها تمثل الدافع الأساسي لرحلته في أفريقيا، إذ وضعها على موقعه في "تويتر" قائلاً: "إن أوغندا قد عاشت عصر استشهاد المسيحيين، ليتهم يعاونوننا على نشر الفرحة (...)"، وتوقف عندها وأغفل عبارة "الإنجيل بلا خوف"، ووضع مكانها قوسين وثلاث نقاط! وهو ما يمكن منه استنباط دلالتين مختلفتين: الأولى أنه أمام المسيحيين طلب من الشهداء معاونته على نشر الإنجيل بلا خوف؛ والثانية على موقعه في "تويتر" الذي سيراه الجميع، مسيحيون ومسلمون، طلب المساعدة لينشر الفرحة! وأنهى خطابه قائلاً: "عمدوا، أحيوا كل يوم هبة الروح القدس".

وهناك عبارة أخرى تناثرت في خطبه أن "الحوار المسكوني بين الأديان ليس من قبيل الرفاهية، وليس اختياريا"، أي بقول آخر: إنه إجباري، بما أنه أحد أهم قرارات مجمع الفاتيكان الثاني، وتم إصداره كقرار ومعه تفسيره الذي يعني: تنصير العالم.

عام الرحمة!

أما الحدث الأهم في زيارته، فهو فتح باب الكاتدرائية في بانجي، معلناً بذلك بداية احتفالية عام الرحمة الذي سيبدأ رسمياً في روما يوم 8 ديسمبر الحالي، وبهذا الإجراء أعلن البابا أنه تمنى أن يفتح في أفريقيا فترة غفران، وأن يصبح شعب أفريقيا الوسطى قلب العالم، ثم أضاف: إن أي شخص سيعبر هذا الباب ستغفر له خطاياه، وذلك أمام أربعة آلاف من أبراشية المنقذ المقدس، وقبل أن يفتح باب الكاتدرائية على مصراعيه حدد قائلاً: مهمتكم هي تجسيد قلب الرب بين مواطنيكم، مضيفاً: وهكذا ستصبح بانجي العاصمة الروحية للعالم أجمع: إن سنة الرحمة هي خاصة بالنسبة لهذا البلد ولكل البلدان التي عرفت محنة الحرب! أي أنها للعالم أجمع.

وهنا لا يمكن إلا أن نسأل: ألا تدرك هذه المؤسسة الفاتيكانية أنه بمحاولتها اقتلاع الناس من عقيدتهم وإيمانهم أنها تثير العداوات التي لا تنتهي بين مواطني البلد الواحد؟ ألا تبدو الإجابة واضحة في جميع أنحاء العالم؟

رفاهية الزيارة في بلد فقير

لم يحدث في أي ظرف أن يؤدي انتقال البابا إلى مثل هذا الكم الهائل من التدابير الاحتياطية الشديدة، فقد كانت هناك طائرات هيلكوبتر تجوب السماء لحراسة موكبه، وفرق المدرعات المصفحة الفرنسية، و10900 جندي وفرق الخوذات الزرقاء المغربية والمحلية وغيرها، كل هذا الكمّ من المسلحين تم تجنيدهم لهذه المهمة ولحماية مطار بانجي، وتم وضع جندي مسلح من هيئة الأمم في كل سيارة تقل الصحافة والإعلام والمدعوين، بينما كانت الفرق الدفاعية الفرنسية على أهبة الاستعداد، فقد وضعت فرنسا 900 جندي حول بانجي، وجندت الحكومة المحلية حوالي 500 من رجال البوليس المسلحين.

وكانت الخوذات الزرقاء والفرق العسكرية الفرنسية تعاون البوليس المحلي منذ يوم الأحد قبل وصول البابا، يمشطون العاصمة بانجي وطرقاتها، كما تمت تقوية وتدعيم وسائل الحماية في كافة الأماكن التي سيمر بها موكبه خاصة في حي "ﭙيكى 5" حيث يوجد المسجد الرئيس الذي زاره صباح يوم الإثنين.

ورغم الفقر المدقع الذي تعاني منه هذه الدولة، فإن الطريق الذي سيسلكه البابا والمرافقون له تم رصفه بالأسفلت وتنظيفه، إذ كانت البولدوزرات تعمل طوال أسابيع قبل مجيئه لتمهيد الطرق وتغطية الحفرات لتجميل بانجي وشوارعها، بل حتى الشباب تم تكليفهم بتنظيف جوانب الطرقات وإعادة دهان جدران البيوت المتشققة لتغطية ما يكسوها من بؤس ودموع.. إن سبب هذا البؤس معروف قطعاً، لكن كل تلك التكاليف والنفقات التي تسببت فيها رحلة البابا والموكب المرافق له.. من الذي تحملها؟!

لماذا أفريقيا الوسطى؟

أفريقيا الوسطى من أفقر بلدان العالم؛ إذ تحتل الترتيب 180 من 186 دولة على الكرة الأرضية، ومنذ عدة عقود وهي في حرب قاتلة بين المسيحيين والمسلمين، حروب أدت إلى هروب عشرات الآلاف من المسلمين إلى الغابات أو إلى بلدان مجاورة هرباً من السرقات والاغتصابات والعنف، ولا يبقى سوى 12000 مسلم محاصرين في حي "ﭙيكى 5"، معزولين منذ عدة أشهر عن بقية العاصمة بسبب المليشيات المسيحية التي تحاصرهم وتمنعهم من الخروج حتى لشراء حاجياتهم من الطعام، وإلا تعرضوا للموت.

والديانات الأساسية في أفريقيا الوسطى، إجمالاً، هي: المسيحية 80% (منهم 50% بروتستانت، و30% كاثوليك)، و10% مسلمون، و10% وثنيون، فكيف يمكن لهذه الأقلية من المسلمين المعدمين أن تمثل تهديداً أياً كان للمسيحيين؟ لكنهم يدفعون ثمناً غالياً في محاولتهم الحفاظ على إسلامهم.

والتعليم في أفريقيا الوسطى يتبع النظام الفرنسي، مع شيء من التفاوت فيما يتعلق بإمكانية الدخول في منظومة التعليم بناء على معايير اجتماعية وجغرافية وخاصة دينية، وفي إفريقيا الوسطى مثلها مثل معظم البلدان الأفريقية، بخلاف المرحلة الابتدائية فإن التعليم مدفوع الأجر تدرّجياً، والمسلمون من أفقر الجماعات الأفريقية، وفي غالبية الأحيان لا يمكنهم التكفل بمصاريف أبنائهم.. أما بالنسبة للمسيحيين، فإن الكنيسة ومؤسساتها المختلفة تقوم بهذه المهمة، والنتيجة هي أن المسيحيين يصلون إلى التعليم الجامعي؛ وبالتالي فهم الذين يحصلون على معظم الوظائف الحكومية وفي القطاع الخاص؛ لذلك لا يبقى للمسلمين سوى الوظائف الدنيا، وكثيراً ما نلاحظ اللافتة الصغيرة على صدر أحد العاملين بالفندق المكتوب فيها اسم "ميخائيل محمد"، وحينما تسأله من باب الفضول، فإن الجواب الذي يمكن استنتاجه شديد الألم، فلكي يحصل حتى على إحدى هذه الوظائف عليه تغيير ديانته.

وتحتوي أفريقيا على مناجم ألومنيوم ونحاس وذهب وماس ويورانيوم وآبار بترول، ويوجد بها مليار برميل، بل يقول بعض الخبراء: إنها قد تصل إلى 5 مليارات برميل، إضافة إلى عشرين ألف طن من احتياطي اليورانيوم، كما أن الماس من نوعيات عالية الجودة ويتم استخراج حوالي 500 ألف قيراط خام في العام الواحد، وهو ما يضع أفريقيا الوسطى في المرتبة الرابعة أو الخامسة في العالم من حيث الجودة.

الجمع بين المذاهب

رغم كافة المحاولات التي قام بها المسؤولون في فرنسا لكي يقوم البابا بتأجيل زيارته لأفريقيا، فقد باءت جميعها بالفشل، وأصر على القيام بها، غير عابئ بخطورة الموقف خاصة في أفريقيا الوسطى.

وبخلاف التبشير، فقد كان البابا يواصل محاولاته للجمع بين المذاهب المسيحية المختلفة، ويواجه تصعيد التبشير الإنجيلي، وتهدئة الجو في بانجي قبل الانتخابات، وجعل بانجي عاصمة العالم في احتفالية "الرحمة" التي تمتد لمدة عام، ومنح الناخبين تأييده المعنوي والديني، لكي لا أقول شيئاً عن الجانب الاقتصادي أو المالي اللذين ينعم بهما الفاتيكان باستثماراته الخاصة في أفريقيا.

وصبيحة مغادرة البابا، قام بعض المسلحين المسيحيين بقتل أحد المسلمين، وهو أب لثلاثة أطفال، وكان متجهاً للأجزخانة لشراء دواء لهم.

من الواضح أنه قد تم استيعاب درس البابا وتطبيقه!

ومن الواضح أيضاً أن دكتاتورية الوقاحة المطلقة، التي تقودها واشنطن، أصبحت المعيار المقدس الذي يقلده الفاتيكان بورع!

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة