سحر البيان النبوي.. إضاءات لغوية وبلاغية في فقه القدر والعمل

سحر البيان النبوي.. إضاءات لغوية وبلاغية في فقه القدر والعمل

العمل ليس مجرد وسيلة لكسب الرزق أو سد الاحتياجات المادية، بل هو المحرك الأساس لوجود الإنسان وسر إعمار الأرض، ومفتاح التقدم الفردي والجماعي وقد حث القرآن على العمل قال الله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ) (التوبة: 105).

فالسعي يفتح أبواب النجاح ويجعل الإنسان شريكًا في صناعة مستقبله وترك العمل بحجة الاتكال على القدر هو تعطيل لسنن الله في الكون، هذا ما أكده رسولنا الكريم في حديث أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي جَنَازَةٍ قَالَ: فَنَكَتَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ". قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: "لَا، اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ"، ثُمَّ قَرَأَ: (فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى {5} وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى {6} فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى {7} وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى {8} وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى {9} فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (الليل) (رواه البخاري وأحمد).

يُعد هذا الحديث الشريف مرجعا أساسيا في فهم العلاقة بين قدر الله سبحانه وتعالى وعلمه الأزلي وإرادة الإنسان وعمله، وهو يحل الإشكال المشهور حول قضية "هل الإنسان مخير أم مسير؟".

والإجابة الشافية عن هذه القضية هي أن إرادة الإنسان واختياره لا يخرجان عن علم الله الأزلي ومشيئته الشاملة، علم الله المسبق بمصيرنا لا يعني أبداً مصادرة إرادتنا؛ فالإنسان مخير ومسير معًا، من جهتين مختلفتين:

فهو مسيّر في الأمور التي لا كسب له فيها (خلقه، خلقته شكله، رزقه، وموته).

وهو مخيّر (في أفعاله الاختيارية) والله تعالى منحه إرادة وقدرة على الاختيار بين الطاعة والمعصية، الصلاة وتركها مثلا، المذاكرة والاجتهاد أو التقاعس وعلى هذا الاختيار يكون الثواب والعقاب في الآخرة قال تعالى: (لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ).

الدلالات اللغوية والنحوية في الحديث الشريف

في قوله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا" بدأ الحديث بـ"مَا" النافية و"من" الجارة الداخلة على النكرة، و"مِن" الاستغراقية التي تفيد استغراق الجنس وتوكيد النفي، و"إلا" الاستثنائية، وهو أسلوب يفيد الشمول والحصر والتوكيد القاطع أن إحاطة علم الله وجريان مقاديره تشمل البشر جميعاً دون استثناء؛ فلا يخرج عن علم الله وبلوغ كتابته شيء.

"قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ": تفيد "قد" الداخلة على الفعل الماضي الثبوت والتحقيق لتأكيد وقوع الجملة الفعلية، والمقصود به الكتابة في اللوح المحفوظ بأمر الله.

"مَقْعَدُهُ": اسم مكان من الفعل "قَعَدَ" على وزن "مَفْعَل"، ويراد به المستقر والمكان الثابت والمعدّ للشخص وقد جاءت نكرة للرهبة والتشويق؛ فالإنسان لا يعلم مصيره تحديداً، وهو ما يبقي جذوة الرجاء والخوف متقدة في قلبه.

"أَفَلَا نَتَّكِلُ؟": الهمزة: للاستفهام التعجبي، وقدمت الفاء العاطفة على مقدر (تقديره: أنعلم ذلك فلا نعمل ونتكل؟) وهذا يدل على سرعة ترتيب تفكير الصحابة وفطنتهم وحرصهم على الفهم، نَتَّكِلُ: فعل مضارع من "وَكَلَ"، والتاء مشددة ومعناه: ترك العمل والأخذ بالأسباب اكتفاءً بالمقدر.

قالَ: "لَا، اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ"..

"لا": أفادت النهي القاطع وهذا جواب نبوي حاسم بكلمة واحدة وهي "لا" التي تفيد الزجر والنهي القاطع عن القعود والكسل. فمنعهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الاتِّكالِ، وتَرْكِ العَمَلِ، وأمرهم بالتزامِ بما يجِبُ على العَبدِ مِن العُبوديَّةِ، مع عدمِ جَعلِ العِبادةِ وتَرْكِها سببًا مُستَقِلًّا لدُخولِ الجنَّةِ والنَّارِ.

"اعْمَلُوا" هذا من فصاحة الإيجاز وعظمة الجواب حيث اختصر بلفظة واحدة كل تكاليف الشريعة، والعبادات، والمعاملات، ومن الجدير بالذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل في تفاصيل جدلية معقدة، بل نقل الصحابة فوراً من "مربع الجدل إلى "مربع العمل الواقعي لتحويل الطاقة الذهنية من التفكير الحائر إلى الحركة والإنتاج في الواقع.

"كُلٌّ" مبتدأ، والتنوين فيه تنوين عوض عن مضاف إليه محذوف (أي: كلُّ إنسانٍ).

مُيَسَّرٌ: اسم مفعول من الفعل المضعّف "يَسَّرَ"، ويدل على التسهيل، والتهيئة، وسلاسة الانقياد نحو الغاية

من فيوضات البلاغة النبوية

جاء الحديث النبوي الشريف في أعلى درجات البلاغة يفيض بدلالات بلاغية موجزة ترفع اللبس وتزيل الغموض، مثل:

1-  المقابلة والطباق لإبراز المعنى وتوضيحه (بين مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ)، وتأكيد شمولية القسمة الثنائية للمصير البشري، فليس هناك منزلة ثالثة بينهما مما يثير في نفس السامع الخوف والرجاء معا.

2- الإيجاز بحذف الفاعل (البناء للمجهول) في (كُتِبَ مَقْعَدُهُ، مُيَسَّرٌ، خُلِقَ لَهُ) والسر في حذف الفاعل هنا للعلم به تعظيماً وإجلالاً له (وهو الله سبحانه وتعالى)، ولتوجيه ذهن السامع إلى الفعل والنتيجة نفسها (الكتابة والخلق المسبق) ليتعلق قلبه بخالقه وحده فهو صاحب النفع والضر.

3- الاستعارة التمثيلية في "مَقْعَدُهُ"؛ حيث استعار مكان القعود للتعبير عن الاستقرار والخلود؛ لأن القعود يوحي بالراحة والتمكن، ومصير الإنسان موطن ثابت ينتظره.

4- الإيجاز البليغ؛ فهذا الهدي النبوي من جوامع الكلم حيث جاء بكلمة "اعْمَلُوا" وهي أمر للإنسان أن يأخذ بالأسباب، وتجمع داخلها كل تكاليف الشريعة، والعبادات، والمعاملات، وكلمة "كُلٌّ مُيَسَّرٌ" والتقدير: "كل إنسان وكل مخلوق"، فاختصرت العبارة مصائر البشرية جمعاء في كلمتين.

5- "كل مُيَسَّرٌ": فيها استعارة مكنية، حيث شبّه الأعمال الصالحة أو السيئة بطريق ممهد سهل يسير يسلكه الإنسان دون عوائق، وحذف المشبه به ودل عليه بصفة التيسير، وفي هذا توضيح لكيفية جريان القدر مع إرادة العبد؛ فالله عز وجل يعلم منذ الأزل اختيار هذا العبد للخير فيسر له أن يحقق اختياره، وهذا من قبيل الإتاحة والإعانة والإرشاد، لا من قبيل الجبر والإرغام ويؤكد ذلك قوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ ‌إِلَّا ‌أَنْ ‌يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا).

قال القرطبي رحمه الله: "فسنيسره لليسرى: أي نرشده لأسباب الخير والصلاح، حتى يسهل عليه فعلها" ونيسره للعسرى: أي نسهل طريقه لها (تفسير القرطبي20/ 83)

وفي النهاية، فإن هذا الهدي النبوي الشريف هو دعوة مفتوحة لكتابة أقدارنا بأيدينا عبر طريق العمل؛ فهو وضع قاعدة ذهبية: أن العمل ليس خيارًا ثانويًا، بل هو أمر ومسؤولية، وأن القدر لا يُغني عن السعي، فلنعمل، ولنزرع غرسنا بأيدينا حتى لو قامت الساعة، فكل طريق نمشيه بصدق، سيفتح الله لنا فيه آفاقاً تليق بجهدنا وسعينا. فاصنع مقعدك اليوم بعملِك، ولا تنتظر غداً لا تملكه.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة