سر «تديين» الخطاب العسكري الأمريكي في حرب إيران وربطه بالمسيح!
منذ بدء الحرب
على إيران، وهناك حالة «تديين» للخطاب العسكري الأمريكي؛ ما يثير الحيرة من الهدف
وراء ذلك وهل هو توظيف سياسي، أم جدل أخلاقي، أم محاولة لجلب تعاطف الداخل
الأمريكي مع الحرب وسط رفض شعبي ومظاهرات؟
آخر هذه
التصريحات نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، في 3 أبريل الجاري، في تقرير بعنوان «هيغسيث
يقول: إن القوات الأمريكية تقاتل من أجل المسيح والبابا يخالفه الرأي»، منتقدة ربط
إدارة ترمب للمسيحية بالمجهود الحربي، ومشيرة لمعارضة بابا روما ليو الرابع عشر
هذا التوجه حتى إنه انتقد في عظة له الهيمنة العسكرية وقال: إنها غريبة تمامًا عن
نهج يسوع المسيح.
ومنذ تولي إدارة
ترمب التي ضمت العديد من أنصار تيار «ماغا» الإنجيلي المتعاطف مع «إسرائيل»، تصاعد
الجدل في الولايات المتحدة بعد استخدام مسؤولين، بينهم الرئيس دونالد ترمب، لغة
دينية في توصيف أمور كثيرة من بينها العمليات العسكرية المرتبطة بالحرب مع إيران.
حرب من أجل المسيح
وانتشر تداول
إعلامي لعبارات رسمية لمسؤولي إدارة ترمب فُسرت على أنها «حرب من أجل المسيح»؛ ما
أثار نقاشًا واسعًا حول طبيعة الخطاب الرسمي.
فقد استخدمت
توصيفات مثل «معجزة عيد الفصح»، وتم ربط العمليات بإرادة إلهية، كما صدرت تعبيرات
ذات طابع ديني قتالي من مسؤولين دفاعيين (دعاء أو استحضار مفاهيم دينية في سياق
الحرب).
وتقف وراء هذه
التصريحات دلالات سياسية منها توظيف الدين لتعبئة القاعدة المحافظة، خصوصًا التيار
الإنجيلي داخل الولايات المتحدة، وتعزيز سردية «الخير ضد الشر» الدينية لتبرير
التصعيد العسكري، والأهم محاولة رفع المعنويات داخليًا وربط الحرب بقيم أخلاقية
عليا.
لكن هذه
التصريحات الدينية و«تديين» الخطاب العسكري الأمريكي، اعتبره محللون أمريكيون خروجاً
نسبياً عن الخطاب التقليدي للمؤسسة العسكرية الأمريكية التي تقوم على عقيدة
علمانية ودستور شبه علماني وإن كان ينص على الإيمان بالله.
وأشاروا لخطورة
تسييس المؤسسة العسكرية وربطها بخطاب عقائدي، وإمكانية استغلال هذا الخطاب من
الخصوم لتصوير الحرب كصراع ديني، وهو ما نتج عنه انتقادات دينية وأخلاقية، أبرزها
من البابا ليو الرابع عشر الذي شدد على عدم استخدام الدين لتبرير الحروب.
تحويل الصراع لمواجهة دينية عالمية
ودعا وزير الحرب
الأمريكي بيت هيغسيث الشعب الأمريكي إلى «الصلاة كل يوم وعلى الركبتين» من أجل
تحقيق نصر عسكري في الشرق الأوسط باسم السيد المسيح، كما قال.
لكن البابا ليو
الرابع عشر، ورغم أنه أمريكي المولد، طرح رؤية مختلفة تمامًا لما ينبغي أن يُفعل
باسم المسيح.
ففي عظة ألقاها،
في 2 أبريل، في قداس قبل عيد الفصح، أكد البابا أن الرسالة المسيحية كثيرًا ما شُوهت
بسبب رغبة في الهيمنة التي هي أمر غريب تمامًا عن نهج السيد المسيح.
وقال البابا: نميل
إلى اعتبار أنفسنا أقوياء عندما نهيمن، ومنتصرين عندما ندمِّر مَن هم مثلنا،
وعظماء عندما يُخشى منا، لكن الله أعطانا مثالًا ليس في كيفية الهيمنة، بل في
كيفية التحرير، وليس في كيفية تدمير الحياة، بل في كيفية منحها.
وفي أواخر مارس الماضي،
حذر البابا أيضًا من استخدام اسم المسيح في سياق الحروب، مؤكدًا أن المسيح لا
يستمع إلى صلوات الذين يشنون الحروب، بل يرفضها.
وقد عاد البابا
ليو الرابع عشر ليحذر، في 4 الجاري، من استخدام اسم المسيح في سياق الحروب، مؤكدًا
أن المسيح لا يستمع إلى صلوات الذين يشنون الحروب، بل يرفضها.
وجاء في رسالة
البابا ليو بمناسبة عيد الفصح: فليُلقِ حاملو السلاح أسلحتهم، وليختر من يملكون
القدرة على إشعال الحروب السلام، ليس سلامًا يُفرض بالقوة، وإنما سلام يُبنى على
الحوار، ليس بدافع السيطرة على الآخرين، بل بدافع اللقاء والتفاهم.
وقالت «نيويورك
تايمز»: إنه منذ أن بدأت الولايات المتحدة و«إسرائيل» الحرب ضد إيران في أواخر
فبراير الماضي، دعا البابا باستمرار إلى وقف العنف والعودة إلى الحوار لحل النزاع،
وأشار إلى استخدام المسيحية لأغراض لا تتوافق مع التعاليم الكاثوليكية.
رقية مسيحية للحرب
وضمن التوظيف
الديني، استقبل البيت الأبيض، في 2 أبريل، ممثلين دينيين في احتفال ديني لمباركة
ورقية شرعية مسيحية لترمب في حربه مع إيران.
وأظهر مقطع
مصوّر نُشر على قناة «يوتيوب» التابعة للبيت الأبيض، ثم حُذف، قسيسًا إنجيليًا
يتلو صلاة جاء فيها: «يا أبانا، لقد رفعت دونالد ترمب، لقد هيأته للحظة كهذه،
ونصلي يا أبانا أن تمنحه النصر»، وقد أثار هذا المقطع موجة انتقادات على شبكات
التواصل الاجتماعي ووُصف بأنه يحول الحرب إلى حرب دينية بحتة قد تدفع الإيرانيين
للتطرف بدورهم واعتبار الحرب دينية.
وخلال مؤتمر
ترمب الذي رافقه فيه عدد من القساوسة الإنجيليين، وصفوا ترمب بأنه هو «المخلص» و«المسيح»،
حسبما جاء في قول مستشارة ترمب الدينية باولا وايت، والقس فرانكلين غراهام، إحدى
أبرز الشخصيات الإنجيلية في الولايات المتحدة.
مستشارة ترمب
الروحية باولا واي، شبهت الرئيس ترمب بـ«يسوع المسيح»، وزعمت أن الله أمرها بأن
تخبره أنه «بسبب انتصار المسيح في القيامة، ستكون (ترمب) منتصراً في كل ما تضع يدك
فيه».
وقال له القس
الإنجيلي المتطرف فرانكلين غراهام: «إنه يحارب الفرس الذين كانوا يريدون قتل كل
يهودي، وإن الله رفعه (ترمب للسلطة) ليواجههم».
وسبق لوزير
الحرب الأمريكي بيت هيغسيث الذي يضع وشوماً من الحرب الصليبية على ذراعه، الاقتباس
من الإنجيل عدة مرات وتنظيم دورات دينية للجنود في الوحدات العسكرية، وفي أحد
المؤتمرات استحضر من «سفر المزامير» في التوراة صلاة للنبي داود أثناء قتاله
أعداءه: «مبارك الرب صخرتي، الذي يعلّم يدي القتال وأصابعي الحرب».
وفي مقابلة على
قناة «سي بي سي»، قال: إنه يقاتل متطرفين دينيين يسعون لامتلاك قدرة نووية تمهيداً
لـ«هرمجدون»، وهو تعبير ورد في الإنجيل عن حرب في آخر الزمان بين الخير والشر.
وقد دفع هذا
نُشطاء لإطلاق بيان مفتوح، بشأن استغلال الخطاب الديني في المؤسسات الرسمية
الأمريكية، قالوا فيه: إن هذا التديين للسياسة الأمريكية يُعتبر انحيازاً دينياً
صريحاً يخالف التعديل الأول للدستور الأمريكي.
وقالوا: على
الدولة الأمريكية ومؤسساتها أن تختار؛ إما احترام الدستور الأمريكي وجدار الفصل،
أو التحول إلى أداة للحشد الديني تحت غطاء الأمن القومي.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً