سعادة البيوت بملء الجيوب أم القلوب.. قصص واقعية؟
السعادة الحقيقية هي سعادة القلوب وليس ملء الجيوب، فالزواج تكامل لا
تنافس، والحب تعاون لا استغلال، وتصنُّع الحب لا يورث إلا الوهن، والرفاهية
المصطنعة لا تمنح أماناً نفسياً، بل تجعل الإنسان عبداً لكلام الناس ونظراتهم، تتقاذفه
أمواج الشكليات، وتصرعه أماني الفضائيات، وسط عالم لا يبحث إلا عن ملء الجيوب، أما
القلوب فهو منها في بوار، وأنها عار يجب الفرار منه فرار المجذوم من أسد فضيحة
الشكليات.
ومن واقع
الحياة، وبطون البيوت، وتشابك العلاقات، تحاول «المجتمع» تقديم واقع حقيقي ومؤثر
من خلال وقائع عايشها خبراء الأسرة والسلوك، لتكون حاضرة أمام قرائها تجنباً
للوقوع في فخاخ الشكليات وطواحين الهواء.
إحصاءات مرعبة عن معدلات الطلاق
باتت الإحصاءات
الرسمية وغير الرسمية مرعبة؛ إذ يشير تقرير «الزواج والطلاق في دول مجلس التعاون
الخليجي»، الصادر عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون عام 2025م، إلى وجود ضعف
في الإقبال على الزواج، وارتفاع معدلات الطلاق.
وكشف التقرير عن
إجمالي عدد عقود الزواج المسجلة في مجلس التعاون، التي بلغت 205.3 آلاف حالة زواج
عام 2022م، بنسبة انخفاض بلغت 11.7% مقارنة بعام 2014م، التي بلغ فيها إجمالي عقود
الزواج نحو 232.6 ألف حالة.
وتزامن مع ضعف
الإقبال تزايد في معدلات الطلاق، إذ أفاد التقرير أن عدد إشهادات الطلاق التي سجلت
في دول مجلس التعاون بلغت 79.7 ألف حالة طلاق في عام 2022م، بنسبة ارتفاع بلغت
70.6%.
إحصاءات وزارة
العدل الكويتية فصّلت ما أجمله تقرير الزواج والطلاق، وأن النسبة الكبرى من حالات
الطلاق في الكويت -وكذلك دول مجلس التعاون- هي لمن بلغت مدة زواجهم أقل من سنة
واحدة بنسبة تتراوح بين 18 - 20% من إجمالي حالات الطلاق.
ويبقى السؤال
المحيّر: هل ذلك بسبب قلة الرفاه، الذي يعتبر دول الخليج بعيدة عنه إلى حد كبير،
أم قلة الخبرة، أم خلل في المنظومة القيمية، أم الركض وراء الشكليات والمستوى
الطبقي سريع الثراء؟
صحوة القلوب الفارغة
كشفت «المجتمع»
عن ظاهرة مجتمعية خطيرة، وأن الركض وراء الشكليات وملء الجيوب وراء كثير من تفريغ
البيوت من مضمونها والعلاقة الزوجية من روحها، حيث بيّن مستشار الإرشاد الزواجي مدير
محكمة شرعية بفلسطين د. مهنا نعيم نجم، أن فتاة عصر الرقمنة ترى الحياة من خلال
عدسة واحدة؛ كم يملك المرء؟ وكيف يبدو أمام الآخرين؟
قصة «سارة» كانت
إحدى هذه الحالات التي ذكر تفاصيلها قائلاً: عندما تقدم لخطبتها شاب، هادئ
الملامح، متوسط الحال، لكنه غني النفس والقلب، لم ترَ فيه فارس الأحلام.
وعندما تقدم لها
شاب آخر فارس الأحلام المنتظر وتزوجا، بدأت في ممارسة ضغوط متواصلة؛ فقد طالبته
بتغيير أثاث المنزل لمواكبة أحدث الصيحات، فهناك من ينتقد منزلها عند تصويره
وتهبيطه على وسائل التواصل، وتصنّعها الاجتماعي أصبح ميزة عميقة، فهي لا تقبل أي
شيء، تتصيد الفرص لإقامة عزائم فاخرة لصديقاتها.
وفي ظل وضع
اقتصادي صعب مرّ به الفقير والغني بعد كورونا، كان الزوج يبذل قصارى جهده، يعمل
لساعات طويلة ليرضي طموحاتها الظاهرية، فقد تعرض لضائقة مالية خسر بها أموالاً،
واقترض أخرى، لعلها أزمة وتمرّ.
وعندما أخبرها
بذلك سقط القناع، ولم يكن رد فعل سارة التعاطف أو الوقوف بجانب شريك حياتها كما
تفعل الزوجة المحبة، بل كانت الصدمة والانهيار.
وفي إحدى
الليالي، وبعد شجار حاد، خرج الزوج من البيت تجنباً للخلاف، ثم في يومه التالي ذهب
لعمله مثقلاً بهمّه، وفكره مشغولاً ببيته، لكن المفاجأة كانت بتوجه الزوجة للقضاء
والمطالبة بالطلاق.
وبعدها بأشهر
جاءت سارة تحاول جاهدة الصلح والبحث عن سبيل للعودة، لكن بعد فوات الأوان، وحسرة
لم تجد إلا قلباً فارغ المشاعر.
الصرخة الأخيرة عند فراغ البيوت
زمن قلب سارة
الفارغ إلى صاحبة الصرخة الأخيرة، تقول الخبيرة التربوية والمحاضرة بالجامعة
الإسلامية هبة أبو عيادة: في الثانية بعد منتصف الليل، كانت سيارات الإسعاف أمام
الفيلا الفاخرة، والنساء يبكين، بينما جلست أمها تحتضن عباءة ابنتها وتردد: ليتني
سألتها ماذا تريد! ليتني اتبعت وصية نبينا واخترنا من نرضى دينه وخلقه ولم نختر
المال!
قبل 15 عامًا،
كانت ابنتها قد رفضت شابًا هادئًا، بسيطًا، لا يملك سوى وظيفة وبيت صغير، قالت لها
أمها: نريد رجلًا يؤمّن لكِ مستقبلك.
ثم جاء رجل ثري،
يملك شركة وفيلا وسيارات وشاليهًا، لم يسأل أحد عن طباعه حين يغضب، ولا عن قدرته
على الحوار، ولا عن الأمان الذي ستشعر به زوجته إلى جانبه.
تزوجته ومرّت
السنوات، وكان كلما اشتكت من وحدتها قال: أنتِ لا ينقصك شيء، وحين تبكي، يشتري لها
هدية، وحين تحتاج حضوره، يرسل المال.
حتى جاء ذلك
المساء ووقع خلاف حاد، وساد الصمت، وبعد دقائق، وجدها طفلها ملقاة على الأرض، وبعد
أيام، وجدت أمها دفترًا صغيرًا بين أغراضها، كان في آخر صفحة: أمي، قلتِ: إن الرجل
الغني سيؤمّن مستقبلي، لكنني كنت أحتاج رجلًا يؤمّن قلبي.
بكت الأم طويلًا
وندمت حين لا ينفع الندم، وفي العزاء سألها حفيدها: جدتي، إذا كان عندنا كل شيء،
فلماذا كانت أمي تبكي؟ ولم الجدة جوابًا مع صرختها الأخيرة.
دموع الندم وعودة الأمل للبيوت
عناية الله تفوق
كل عناية، وهو الذي يحيي الأرض بعد موتها، والقلوب بعد قسوتها، تقول الخبيرة
الأسرية والإعلامية الأردنية ياسمين الجيوسي: يحضرني قصة لصديقتي «أ. ر» التي كانت
تقيس سعادتها بمقاسات لا تُرى إلا في عيون الناس؛ فستان جديد يعني أسبوعًا من
الرضا، وأثاثٌ يُبدَّل كل موسم يعني أن البيت لائق، وحقيبة تحمل اسمًا عالميًا
تعني أنها لا تقل عن جاراتها وقريباتها، كان زوجها يعمل من الفجر إلى المساء، يعود
منهكًا ليجد على الطاولة فاتورة جديدة، لا طبقًا ساخنًا ولا كلمة تسأل عن يومه.
ومع كل انتصار
في هذا السباق، كانت تبتعد خطوة عن بيتها الحقيقي، وعن أبنائها الذين انتظروا أمًا
تجلس معهم، لا أمًا تُقارن حياتها وفلاحها بمقدار المظاهر الخدّاعة.
وذات مساء،
انهار الزوج الكادح وأصبح قلبه يحتاج عملية، والطبيب يتحدث بجدية عن أسابيع من
الراحة وربما أكثر.
وقتها جلست
صديقتي تحسب في ذهنها، لا خوفًا عليه، بل قلقًا من موعد سفرٍ حجزته، ومن فستان
اشترته لحفلة لن تُقام إن بقي زوجها في المستشفى، لكن حين رأت وجهه شاحبًا على
سرير الانتظار، ويده ترتجف وهي تبحث عن يدها، انهارت فجأة كل حساباتها الصغيرة.
جالسته طوال
الليل بأكمله، لم تكن هناك حقيبة، ولا فستان، ولا عيون تُقيّمها بمظاهرها الزائفة
والبرّاقة، كان هناك فقط رجل تعِب من أجلها وأسرته 20 عامًا، وهي تراه الآن لأول
مرة، لا كمصدر نفقة بل كإنسان يخاف الموت.
راجعت نفسها
وبدأت تلومه قائلة: لماذا لم تخبرني أنك متعب؟ فابتسم بضعف: كنت أخبرك دائمًا، لكنك
كنت تسمعين المصروف فقط.
كانت الجملة
كصفعة هادئة، راجعت عمرها كفاتورة طويلة، وبعد شفاء زوجها، بدأت تدريجياً تضع الأشياء
في أوزانها الصحيحة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً