سليلة النبوة..

قبسات من حياة السيدة نفيسة وأثرها الخالد

د. رولا الحيت

06 أكتوبر 2026

33

قبسات من حياة السيدة نفيسة وأثرها الخالد

كان من عادة الحسن الأنور بن زيد بن الحسن سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم الجلوس في البيت الحرام، وذلك لكي يعطي للناس دروس العلم، ويناقشهم في أمور الفقه، ويتدارسون علوم القرآن.

وفي يوم، وهو على هذه الحال، أقبلت جارية لتزف إليه البشرى وتقول له: أبشر يا سيدي، فقد وُلدت لك الليلة مولودة جميلة، لم نرَ أحسن منها وجهًا، ولا أضوأ منها جبينًا، يتلألأ النور من ثغرها، ويشعّ من محيّاها.

فلما سمع الحسن الأنور هذه البشرى، فرح، وخرّ ساجدًا لله، شكرًا على ما وهبه من نعمة، وحمدًا لاستجابة دعائه، ثم أقبل على الجارية فأجزل لها العطاء، ثم قال لها: مري أهل البيت فليسمّوها «نفيسة»، فسوف تكون إن شاء الله تعالى نفيسة.

كان مولدها بمكة المكرمة الأربعاء 11 ربيع الأول 145هـ، وقد فرحت أمها بمولودتها، ومما زاد في سرور الحسن الأنور أنها قريبة الشبه بأخته السيدة نفيسة بنت زيد رضي الله عنها، وهي التي تزوج بها الخليفة الوليد بن عبدالملك.

رفع يديه إلى السماء، وبسط كفيه بالدعاء والرجاء قائلاً: اللهم أنبتها نباتًا حسنًا، وتقبلها قبولاً حسنًا طيبًا، واجعلها من عبادك الصالحين، وأوليائك المقرّبين الذين تحبهم، ويحبونك، اللهم اجعلها معدن الفضل، ومنبع الخير، ومصدر البرّ، ومشرق الهداية والنور، اللهم اجعلها نفيسة العلم، عظيمة الحلم، جليلة القدر، قوية الدين، كاملة اليقين، ولقد كانت كما جاء في دعاء أبيها.

نحن نتحدث عن السيدة نفيسة عالمة مصر وشيخة الإمام الشافعي، الملقبة بـ«نفيسة العلم»؛ إذ تروي الكتب أنه في يوم ولادتها جاءت لأبيها الحسن الأنور رسالة من الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور تفوح منها رائحة المسك والعطر والطيب، كانت هذه الرسالة كتاباً رسمياً من الخليفة بتكليف الحسن الأنور بالولاية على المدينة المنورة.

كان الحسن متهيباً لعظيم الأمانة التي تلقى على عاتقه، لكن من حوله من المسلمين تهللوا واستضاءت جباههم بالفرح والسرور وقالوا له: هنيئًا لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل مثلك، يقيم فيها لواء العدل، وينشر فيها راية الحق، ويبثّ في جنباتها وبين ربوعها الأمن والطمأنينة والسلام والإنصاف، هنيئًا لأهلها أن يظفروا بذلك كله على يد ابن بار من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفّذ الأحكام ويقيم الحدود، ويُحيي السنن، ويُجدّد معالم الدين الحنيف.

فدع عنك التردد، فلعلك تجد مظلومًا تُنصفه، أو ملهوفًا تُغيثه، أو أسيرًا تفكّه، أو شريدًا طريدًا تحميه وتؤويه، فلما سمع الحسن الأنور منهم هذا القول قال لهم: إذا كانت تلك الإمارة نعمة من الله علينا وعلى الناس كانت تلك الوليدة بشيرها -يقصد نفيسة- وإذا كانت الإمارة كرامة لنا فإن الوليدة الجديدة رسولها.

السيدة نفيسة.. وبيئة العلم والعمل

نشأت السيدة نفيسة في جو يسوده العلم والورع والتقوى، وفي وسط يزخر بالعلماء والعبّاد والزهّاد، فقرأت القرآن وحفظته، ودرست العلم ووعته، وسمعت مسائل الحديث والفقه ففهمتها، وكانت رضي الله عنها مُجابة الدعوة، أظمأت نهارها بالصيام، وأقامت ليلها بالقيام، عرفت الحق فوقفت عنده والتزمت به، وعرفت الباطل فأنكرته واجتنبته، واجتهدت بالعبادة حتى أكرمها الله بكرامات عديدة.

اصطحبها أبوها وهي في الخامسة من عمرها إلى المدينة، وأخذ يلقنها أمور دينها ودنياها، فحفظت القرآن، ولقّنها حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعت سيرة الصالحين، وصفات المتقين، ولم يقتصر في تربيتها على الحفظ والرواية، والدراسة والتلقين، بل حرص أن يجمع في تربيتها بين القول والعمل.

حفظت القرآن الكريم وهي لم تبلغ سن الثامنة، فأشرق صدرها بنور الإيمان، وخالطت نفسها حلاوة الطاعة، وكثيرًا ما كانت تدعو الله وهي صغيرة قائلة: اللهم حُلّ بين قلبي وكل ما يشغلني عنك، وحبّب إليّ كل ما يقرّبني منك، ويسّر لي الطريق لطاعتك، واجعلني من أهل ولايتك، فإنك المرجو في الشدائد، المقصود في النوائب والملمّات.

وكانت تجتمع في بيت أبيها الحسن بصفوة العلماء والفقهاء، وفحول الشعراء وكبار الأدباء، تستمع إليهم، وتروي عنهم، تأخذ من أقوالهم، وتحفظ من حكمتهم ما يغذّي عقلها المتفتح، ويضيء نفسها الزكية، فكانت صاحبة عقل راجح، وهمّة عالية، وعزيمة صادقة، وفكرة سليمة، ونشاط متجدد.

التقت في المدينة المنورة بالإمام مالك رضي الله عنه الذي كان حديث الفقهاء والمسلمين بكتابه «الموطأ» وفقهه الذي انتشر في الأمصار.

أما زوجها فهو من أهل الفضل والاجتهاد والورع، روى عنه الكثير من الناس الحديث والآثار، فقد كان محدثًا ثقة مأمونًا صادقًا، فهو إسحق بن جعفر الصادق ويكنى أبا محمد، ويُلقّب بـ«المؤتمن»، وكان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان سفيان بن عيينة شيخ الإمام الشافعي رضي الله عنهما إذا ما روى عنه يقول: حدّثني الثقة الرضا إسحق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم.

وبزواجهما اجتمع في بيتها نوران؛ نور الحسن، والحسين سيّدا شباب أهل الجنة، فالسيدة نفيسة جدها الإمام الحسن، وإسحق المؤتمن جده الإمام الحسين رضي الله عنهما.

السيدة نفيسة.. وأهل مصر

كان للسيدة نفيسة مكانة في قلوب المسلمين عامة، والمصريين خاصة، وكان أهل مصر يلتقونها في موسم الحج، ويسألونها زيارتهم في بلدهم لكثرة ما سمعوا عن فضلها وعلمها، فكانت ترحب بدعوتهم وتقول لهم: سأزور بلادكم إن شاء الله، فإن الله قد أثنى على مصر وذكرها في كتابه الكريم، وقد أوصى جدي بأهلها خيرًا فقال: «إن فتحتم مصرًا فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لكم فيها صهرًا ونسبًا».

وتقلبت الأحوال بآل البيت، وساءت الأحوال، وكثرت الفتن، واضطروا للانتقال إلى مكان آخر غير المدينة، رغم أنها عزيزة عليهم، فعقدوا العزم على الانتقال إلى مصر، وكانت سبقتهم إليها في زمن سابق السيدة الطاهرة زينب بنت الإمام عليّ شقيقة الحسن، والحسين، وبنت فاطمة الزهراء عليها السلام وحفيدة النبي صلى الله عليه وسلم.

رحّب المصريون بأهل البيت وعلى رأسهم السيدة نفيسة وزوجها إسحق وابناها القاسم، وأم كلثوم، وغيرهم من أبناء آل البيت، وتسابقوا في تكريمهم، وتنافسوا في استضافتهم.

ونشير هنا إلى لقاء يسميه العلماء «لقاء السحاب»، فمن أروع اللقاءات تلك التي تجد فيها توقير العلماء بعضهم بعضاً، وتواضع بعضهم للآخر، وحفظ الفضل لأهل الفضل، ومن ذلك ما رُوي في الكتب عن لقاء السيدة نفيسة بالإمام الشافعي في مصر، وهما من قرابة واحدة، وكلاهما من ذوي القربى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت السيدة نفيسة تعيش في المدينة، وكان الشافعي يعيش في مكة، ثم بغداد، ثم كتب الله تعالى لهما الهجرة إلى مصر ليلتقيا فيها عدة لقاءات عظيمة.

السيدة نفيسة.. والإمام الشافعي

فالسيدة نفيسة من مواليد 145هـ، فهي أكبر من الشافعي بـ5 سنوات، بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أما الإمام الشافعي فهو أيضًا من قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه أبعد، فهم أبناء عمومة، فالشافعي هو مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ شَافِعِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بن هَاشم بن الْمطلب بْن عَبْدِ مَنَافِ.

هجرة السيدة نفيسة والشافعي إلى مصر

في عام 193هـ، هاجرت السيدة نفيسة بنت الحسن إلى مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق، كانت لها مكانة كبيرة في مصر، وكانت من العابدات الصالحات، ومن العالمات بالحديث النبوي، واشتُهر أمرها، وكثر الزوَّار إليها، حتى كادت تخرج من البلد لانشغالها بالزوار عن العبادة، لولا أن السري بن الحكم الوالي قنَّن الزيارة إليها وجعلها يومين فقط في الأسبوع.

وفي عام 198هـ هاجر الشافعي إلى مصر، وذكرت المصادر عدة لقاءات بينهما:

أولًا: لقاءات لسماع الشافعي للحديث منها، وكان الشافعي حريصًا على جمع الحديث من كل مصادره، وكان يذهب إليها مع أصحابه، وكان شديد التأدُّب معها، وكانوا يستمعون إليها من وراء حجاب، وطلب الشافعي منها الدعاء.

ثانيًا: ذكر ابن كثير أنها أحسنت إلى الشافعي، وكان ربما صلى بها في شهر رمضان.

ثالثًا: قبيل وفاة الشافعي أوصى بأن تصلي عليه السيدة نفيسة، فلما مات ليلة الجمعة آخر ليلة في رجب 204هـ مروا بالجنازة إلى بيتها، وصلت عليه في داخل الدار، ثم ذهبوا به إلى قبره.

اعتاد الإمام الشافعي زيارة السيدة نفيسة في طريقه إلى حلقات درسه في مسجد الفسطاط أو في طريق عودته.

تروي الكتب أنه بينما كان الإمام الشافعي يجلس في درسِ علمٍ له ذات يوم، سأله أحد الجالسين عن زياراته للسيدة نفيسة، فقال الإمام الشافعي: والله ثم والله ثم والله ما أُوتيت من العلمِ إلا قليلاً مما أتت به السيدة نفيسة.

تستطيع أجيال اليوم اتخاذ السيدة نفيسة رضي الله عنها نموذجاً يُقتدى به من خلال التوازن بين العلم والعمل، والتواضع رغم المكانة، والعطاء الاجتماعي.

السيدة نفيسة كانت تمتاز بالشغف بالعلم والتعلم المستمر، وقد عُرفت بالبحث والطلب الدؤوب للعلم حتى أُطلق عليها «نفيسة العلم»، هذا الأمر يجعلنا نوجه جيل اليوم إلى استغلال أدوات عصرهم للتزود بالعلم النافع، وعدم الاكتفاء بالمعرفة السطحية.

والسيدة نفيسة رغم نسبها الشريف ومكانتها العلمية والدينية العالية، كانت أبعد ما تكون عن التكبر، وأقرب ما تكون إلى التواضع، وهذا يقدّم درساً للشباب في الاكتفاء بالجوهر وعدم الاغترار بالمظاهر أو الألقاب، وكانت كذلك مقصد الناس ومأواهم لقضاء حوائجهم وحل مشكلاتهم.

ونقول للشباب اليوم: انتقلوا من اهتماماتكم من الفردية إلى العمل التطوعي وخدمة مجتمعاتكم وإغاثة الملهوف.

وقد جمعت بين العبادة والزهد ومخالطة الناس وتوجيههم، حيث يمثل هذا نموذجاً مرجعياً للجيل الحالي لتحقيق التوازن النفسي والروحي وسط ضغوط الحياة الحديثة المادية.

وكانت ملهمة لكبار علماء عصرها (كالإمام الشافعي)؛ ما يعطي الشباب صورة مشرقة لكيفية التأثير في الآخرين بأخلاقهم وعلمهم لا بالصخب والادعاء.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة