سورية.. عام على النصر وبداية الوطن الجديد
في الذكرى
الأولى لانتصار الثورة السورية، تبدو البلاد كما لو أنها تستيقظ من ليل طويل، تفتح
عينيها على صباح لم تجربه منذ عقود، صباح يحمل في هوائه رائحة الحرية الأولى بعد
أن انقشعت غمامة الخوف، ليس عاماً عادياً هذا العام، بل عام يختبر فيه السوريون
القدرة على تحويل الحلم إلى بناء، والوجع إلى معنى، والدم إلى حياة جديدة، لقد
انتهى زمن النظام الذي أثقل صدور الناس، وبدأت سورية تكتب سطرها الأول في دفتر
جديد، دفتر لا يرث الماضي بقدر ما يعيد تأويله، ويستخرج منه ما يصلح لتشييد وطن
يستحق أن يُعاش.
الأرض مثخنة بالجراح.. لكن الانكسار لن يدوم طويلاً
بعد سنوات الحرب
التي بدت بلا نهاية، يقف السوري اليوم على أرض مثخنة بالجراح لكنها ليست ميتة،
وعلى خرائب لا تُخيفه لأنها تشبه فصول التاريخ التي تجاوزها أجداده مراراً، فالشعب
الذي حمل الثورة حتى انتصرت لم يكن يبحث عن تغيير عابر، بل عن استعادة لمعنى
الكرامة، وعن وطن يُعامل أبناءه بوصفهم بشراً لا رعايا، واليوم بعد عام على لحظة
التحول الكبرى، يتطلع السوريون إلى بناء دولة تستند إلى العدالة والمساواة واحترام
الإنسان لا إلى توازنات القمع والخوف.
لقد أثبت
السوريون عبر العصور أن الانكسار لا يقيم فيهم طويلاً، وأن أعمار المدن تُقاس بما
تنهض بعده لا بما يسقط عليها، فمهاراتهم المتجذرة في التجارة والصناعة والزراعة
والعلوم لم تبهت رغم الحرب، بل ازدادت وضوحاً حين تحولت الحاجة إلى دافع والضيق
إلى فرصة، ولا يزال التاريخ يشهد أن هذه الأرض لم تعرف اليأس، وأن أبناءها اعتادوا
أن يجتمعوا كلما مرّ بهم طغيان، كما توحدوا ضد كافة أنواع الاحتلال واستعادوا
بلادهم، وها هم اليوم يقتربون من اللحظة ذاتها مع اختلاف الأزمنة والوجوه.
إن الوحدة
الوطنية لم تعد شعاراً فضفاضاً، وإنما شرط للوجود ذاته، فسورية التي ينساب فيها
تنوع الثقافات والأديان واللغات ليست دولة يمكن أن تُختزل في لون واحد أو رأي
واحد، بل فسيفساء لا يكتمل جمالها إلا باجتماع أجزائها، ومن هنا تأتي المصالحة
الوطنية بوصفها الخطوة الأكثر حساسية في مرحلة ما بعد الثورة؛ مصالحة لا تقوم على
النسيان، بل على عدالة تُنصف المظلوم دون أن تنتقم، وتفتح باب المستقبل دون أن
تغلق حساب الذاكرة.
السوريون صناع الحضارة
وليس جديداً على
السوريين أن يكونوا صانعي حضارة، فمنذ أن خطت الأبجدية الأوغاريتية حروفها الأولى
على ألواح الطين، انطلقت من هذه الأرض لغة جديدة للعالم، لغة جعلت المعرفة ممكنة
والمسافة بين العقل والكتابة قصيرة، ولم تكن الحضارات الآرامية والفينيقية
والآشورية مجرد صفحات في كتاب التاريخ، وإنما جذور عميقة لصوت لا يزال يتردد حتى
اليوم، ومع مجيء العصور الإسلامية أصبحت دمشق عاصمة لأعظم دولة في زمانها فامتزجت
السياسة بالفكر والعمران بالعلم، وخرج من رحم البلاد علماء كبار أمثال ابن النفيس،
الذي أعاد اكتشاف أسرار الجسد كما لو كان يعيد اكتشاف معنى الحياة.
وفي العصر
الحديث، أثبت السوريون مرة أخرى أنهم أبناء الحرية، فواجهوا الاستعمار الفرنسي
بثبات لا يلين، وانتزعوا استقلالهم بكلفة عالية؛ ليعيدوا صياغة وجودهم بأيديهم،
واليوم يواصل السوريون حضورهم في مجالات الفكر والفن وريادة الأعمال والعلوم، وكأن
تاريخهم الممتد يحرسهم من الانطفاء.
النصر بداية للعمل
لكن النصر ليس
خاتمة، بل بداية أصعب مما سبق، فالتحديات التي تقف أمام سورية بعد عام على انتصار
ثورتها ليست قليلة، أولها إعادة إعمار وطن أنهكته الحرب حيث المدن المهدمة تحتاج
إلى خطط شاملة، لا مجرد ترميم سطحي، فالطرقات والمستشفيات والمدارس ليست حجارة
فحسب، بل حاضنات للحياة الجديدة التي يُفترض أن تعود، كما أن إعادة بناء الاقتصاد
المنهار تتطلب رؤية طويلة المدى، تُشجّع الاستثمار وتدعم الإنتاج المحلي، وتوفر
فرص عمل لجيل حمل أثقل ما في الثورة؛ وهو الانتظار.
ولعل من أهم
الأولويات تحقيق الاستقرار السياسي عبر تأسيس نظام حكم عادل يستمد شرعيته من
القانون لا من السلاح، ويقوم على المحاسبة الشفافة للجرائم والانتهاكات في إطار
قضاء نزيه لا يُسقط الحق ولا يستثمر الألم، كما تبقى عودة اللاجئين والنازحين
شرطاً لعودة الوطن نفسه، فلا معنى لسورية دون أبنائها، ولا معنى للوطن إذا بقي
نصفه خارج حدوده، ويتطلب ذلك بيئة آمنة وضمانات واقعية وتعويضات تعيد الحياة لمن
خسر كل شيء إلا إيمانه بالعودة.
التعليم والسنوات التي ضاعت من أطفال سورية
ها هي سورية بعد
أن انطفأت أصوات المدافع، تكتشف أنّ أخطر المعارك لم تكن في الساحات، بل في العقول
التي توقفت عن الحلم لسنوات طويلة، فالتعليم ليس كتاباً يفتح ويُغلق، بل زمن يُزرع
في الذاكرة، وإذا ضاع الزمن ضاع معه ما لا يمكن حصره من طاقات كان يمكن أن تصبح
نوراً.
إن سنوات الحرب
التي ابتلعت طفولة الملايين لم تُسرق من الدفاتر فقط، بل من ملامح المستقبل، من
ضحكات المدارس التي تحولت إلى صمت ثقيل ومن الصفوف التي بقيت بلا مقاعد ولا معلمين.
لكن الحقيقة
الأكثر مرارة تحمل في قلبها أملاً أعظم؛ فالإنسان قادر على استعادة ما فاته إذا
وجد من يمد له الطريق، والتعليم في سورية اليوم ليس مجرد برنامج إصلاحي، بل هو
مشروع إنقاذ روحي وأخلاقي يتجاوز فكرة تعويض الدروس ليصل إلى إعادة بناء الثقة بين
الطفل والعالم من حوله، فالمناهج الجديدة لن تكون صفحات محايدة، وإنما جسور تخرج
العقل من الخوف إلى المبادرة، من الانقسام إلى الحوار، من التلقين إلى الاكتشاف؛
لأن الأمة التي تعيد إنتاج الماضي تبقى سجينة جداره مهما رممته.
ولن تنجح هذه
النهضة إلا حين يُفهم أن المدرسة ليست مبنى، بل فلسفة تعترف بكرامة الطالب وتمنحه
حق السؤال قبل حفظ الإجابة، ومع انفتاح البلاد على محيطها العربي والإقليمي
والدولي لن يكون المطلوب استيراد نماذج جاهزة، بل بناء شراكات قائمة على الاحترام
المتبادل، تعلّم سورية كما تُعلّم وتستفيد دون أن تفقد ملامحها، فالأمم لا تُقاس
بما فقدته، بل بما قررت أن تفعله بعد الفقد، وسورية اليوم أمام فرصة نادرة لتصنع
من جراحها بداية جديدة لا تكون فيها الطفولة هامشاً مؤجلاً، وإنما مركز تُعاد حوله
كتابة الحكاية من جديد.
ختامها مسك
إن الرؤية التي
ينتظرها السوريون اليوم ليست معقدة؛ دولة يحكمها قانون لا يخضع فيه أحد لمعيار غير
معيار المواطنة، فتُصان الحريات وتُحترم كرامة الإنسان؛ لأن الحرية التي دُفعت
أثمانها باهظة لا يجوز أن تتحول إلى مجرد احتفال سنوي، فالثورة التي انتصرت قبل
عام لم تُبنَ من أجل إسقاط نظام فحسب، بل من أجل إقامة معنى جديد للحياة المشتركة
بين أبناء وطن واحد.
وهكذا يبقى
الأمل راسخاً في قلوب السوريين يتجسد في العمل والإصرار، فهذه البلاد التي أهدت
التاريخ أول أبجدية قادرة على أن تهدي المستقبل درساً جديداً في النهوض، ومع مرور
العام الأول على الانتصار يتجدد الوعد بأن سورية ستعود لا كما كانت، بل كما تستحق
أن تكون؛ وطناً يليق بأبنائه وشعباً يليق بتاريخه وصفحة جديدة تُكتب بيد من عاشوا
الألم وصنعوا منه بداية لا نهاية.