سُبل استعادة الأمة لدورها القيادي في حماية المسجد الأقصى

مدير التحرير

25 أغسطس 2025

265

سُبل استعادة الأمة لدورها القيادي في حماية المسجد الأقصى

بقلم: جمال الشرقاوي

 

يشكّل المسجدالأقصى المبارك قلب القضية الفلسطينية، ورمزاً لوحدة الأمة الإسلامية، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأولى القبلتين وثالث المساجد التي تشد إليها الرحال.

وقد ارتبطت مكانته في وجدان المسلمين بارتباطهم بدينهم وهويتهم، إذ قال الله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) (الإسراء: 1)، فمنذ أن أسرى الله بعبده محمد صلى الله عليه وسلم، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ظلّ هذا المكان المبارك رمزًا للقداسة والرباط، ومهوى أفئدة المؤمنين، وعنوانًا لهوية الأمة وكرامتها.

غير أن واقع الأمة اليوم يكشف عن تراجع دورها القيادي في حماية «الأقصى»، وتركه فريسة لمخططات التهويد والاعتداءات الصهيونية المتكررة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى استعادة الأمة لدورها التاريخي في حمايته والدفاع عنه.

ولكي تنجح الأمة في هذه المهمة التاريخية، فإنها مطالبة باتباع جملة من السبل العملية والإستراتيجية، يمكن تلخيصها فيما يلي:

1- استعادة الوعي بأهمية «الأقصى» ومركزيته:

الخطوة الأولى نحو أي تحرك جاد هي ترسيخ وعي الأمة بمكانة المسجد الأقصى في الدين والتاريخ والهوية، وهذا يتطلب جهدًا تربويًا وتعليميًا وإعلاميًا منظّمًا، يبدأ من المناهج الدراسية التي تغرس في الأجيال حب «الأقصى» وفهم قضيته، ويمتد إلى المنابر الإعلامية والدعوية التي تبث الحقائق وتفنّد الروايات المزيّفة التي يحاول الاحتلال نشرها، فالوعي هو السلاح الأول الذي يمنع التطبيع مع الاحتلال أو التهاون في قضية الأقصى وفلسطين.

2- توحيد الصف الإسلامي:

لقد علّمنا التاريخ أن وحدة الصف أساس النصر، وأن التشرذم الثغرة التي يتسلل منها الأعداء، واستعادة دور الأمة القيادي تقتضي تجاوز الخلافات البينية، وإعلاء مصلحة الأمة على المصالح الفئوية أو القُطرية، وعلى الدول والشعوب أن تتعامل مع «الأقصى» باعتباره قضية الأمة جمعاء، لا قضية طرف أو دولة بعينها، بما يضمن حشد الطاقات والموارد لنصرته.

3- دعم صمود أهل القدس:

أهل القدس هم خط الدفاع الأول عن المسجد الأقصى، وصمودهم هو الضمانة لبقاء الهوية الإسلامية للمدينة، ومن واجب الأمة دعمهم ماديًا ومعنويًا وسياسيًا، عبر مشاريع إسكان، وترميم للمنازل المهددة بالهدم، ودعم التعليم والصحة والاقتصاد المحلي، إضافة إلى مساندة التجار والمؤسسات المقدسية لمواجهة سياسات الاحتلال، حيث إن تقوية وجود المقدسيين في مدينتهم تبطل مخططات التهويد وتفرغها من مضمونها.

4- تفعيل دور المؤسسات الإسلامية:

المؤسسات الدينية والخيرية والتعليمية والإعلامية في العالم الإسلامي قادرة على ممارسة دور محوري في حماية «الأقصى»، ويمكنها التنسيق فيما بينها لإطلاق حملات دولية لفضح انتهاكات الاحتلال، وتنظيم المؤتمرات والندوات، وإعداد الدراسات الموثقة التي تُرفع إلى المنظمات الدولية، مع استثمار الفضاء الرقمي لإيصال صوت القدس إلى العالم.

5- الحراك الشعبي والإعلامي:

الضغط الشعبي المنظم والمستمر أداة فعّالة لإبقاء قضية «الأقصى» حيّة في وجدان الأمة واهتمام قادتها، ويمكن ذلك عبر المظاهرات السلمية، والوقفات التضامنية، والمهرجانات الثقافية، وحملات التواصل الاجتماعي التي تسلط الضوء على الانتهاكات وتدعو إلى التحرك، كما يجب تشجيع الإعلام الإسلامي على إنتاج الأفلام الوثائقية والبرامج الميدانية التي تنقل صورة الواقع وتؤجج مشاعر التضامن.

6- تفعيل الأطر القانونية والسياسية:

على الأمة الإسلامية أن تستفيد من المنصات القانونية والحقوقية الدولية، كالأمم المتحدة والمحاكم الدولية، لتقديم الشكاوى وملاحقة الاحتلال على جرائمه بحق المسجد الأقصى والمقدسات، كما يجب الضغط السياسي على الحكومات المطبّعة أو المتخاذلة، ومطالبتها بمواقف واضحة وإجراءات عملية، لا مجرد بيانات إدانة شكلية.

7- الجهاد المشروع وتوازن القوى:

لا يمكن إغفال أن الاحتلال الصهيوني لم يتوقف عن اعتداءاته إلا حين وُوجه بالقوة الرادعة، وأن التاريخ يثبت أن الدفاع عن المقدسات يستلزم توازناً في القوى، ومن هنا، فإن دعم المقاومة المشروعة للشعب الفلسطيني، وتعزيز قدرته على ردع المعتدي، جزء أصيل من استعادة الدور القيادي للأمة، مع مراعاة الضوابط الشرعية والسياسية التي تضمن وحدة الصف وتوجيه الجهود نحو العدو المشترك.

إن استعادة الأمة لدورها القيادي في حماية المسجد الأقصى ليست مهمة مستحيلة، وإنما قَدرٌ تفرضه عقيدتها وتاريخها وكرامتها، لكن ذلك يتطلب إرادة صادقة، ووحدة موقف، وجهودًا عملية متكاملة تبدأ من الفرد وتنتهي بالأمة كلها، فـ«الأقصى» اليوم يستصرخ ضمائر المسلمين، ويختبر مدى وفائهم لعهدهم مع الله، وهل سيكونون بحق (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: 110)؟

وإن وعد الله للمؤمنين بالنصر والتمكين قريب، شرط أن نأخذ بالأسباب، ونستعيد الثقة بدورنا القيادي الحضاري، وننهض جميعاً لحماية مسرى نبينا صلى الله عليه وسلم وأولى القبلتين وثالث المساجد التي تشد إليها الرحال.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة