سِر السعادة
قال الإمام أحمد
بن حنبل: «كل شيء من الخير تهمّ به، فبادر به قبل أن يحال بينك وبينه» (مناقب
الإمام أحمد لابن الجوزي، ص 273).
ما أجملها من
عبارة من إمام زمانه! فلنبادر بالخيرات ولنحسن الظن بخالقنا أنه معيننا ورازقنا
وكفيلنا بهذه الحياة إلى جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض.
ومن أجمل القصص
التي قرأتها بهذا المعنى ما روي عن الإعرابي في البصرة؛ فقد قيل لأعرابي: ﻫﻞ ﺗُﺤﺪّﺙ
ﻧﻔﺴﻚ ﺑﺪﺧﻮﻝ ﺍﻟﺠﻨّﺔ! ﻗﺎﻝ: ﻭﺍﻟﻠّﻪ ﻣﺎ ﺷﻜﻜﺖ في ذلك ﻗﻂ، وﺃﻧّﻲ ﺳﻮﻑ ﺃﺧﻄﻮ ﻓﻲ ﺭﻳﺎﺿﻬﺎ، ﻭﺃﺷﺮﺏ
ﻣﻦ ﺣﻴﺎﺿﻬﺎ، ﻭﺃﺳﺘﻈﻞّ ﺑﺄﺷﺠﺎﺭﻫﺎ، ﻭﺁﻛﻞ ﻣﻦ ﺛﻤﺎﺭﻫﺎ، ﻭﺃﺗﻔﻴّﺄ ﺑﻈﻼﻟﻬﺎ، ﻭﺃرتشف ﻣﻦ ﻗﻼﻟﻬﺎ، ﻭﺃعيش
ﻓﻲ ﻏﺮﻓﻬﺎ ﻭﻗﺼﻮﺭﻫﺎ.
ﻗﻴﻞ ﻟﻪ: ﺃﻓﺒﺤﺴﻨﺔٍ
ﻗﺪّمتها ﺃﻡ ﺑﺼﺎﻟﺤﺔٍ ﺃﺳﻠﻔﺘﻬﺎ؟
ﻗﺎﻝ: ﻭﺃﻱ ﺣﺴﻨﺔٍ ﺃﻋﻠﻰ
ﺷﺮﻓﺎً ﻭﺃﻋﻈﻢ أجراً ﻣﻦ ﺇﻳﻤﺎﻧﻲ ﺑﺎﻟﻠّﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ، ﻭﺟﺤﻮﺩﻱ ﻟﻜﻞّ ﻣﻌﺒﻮﺩ ﺳﻮﻯ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﺒﺎﺭﻙ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ.
ﻗﻴﻞ ﻟﻪ: ﺃﻓﻼ ﺗﺨﺸﻰ
ﺍﻟﺬّﻧﻮﺏ؟
ﻗﺎﻝ: ﺧﻠﻖ ﺍﻟﻠّﻪ ﺍﻟﻤﻐﻔﺮﺓ
ﻟﻠﺬﻧﻮﺏ، ﻭﺍﻟﺮﺣﻤﺔ ﻟﻠﺨﻄﺄ، ﻭﺍﻟﻌﻔﻮ ﻟﻠﺠﺮﻡ، ﻭﻫﻮ ﺃﻛﺮﻡ ﻣﻦ ﺃﻥ ﻳﻌﺬّﺏ ﻣﺤﺒّﻴﻪ ﻓﻲ ﻧﺎﺭ ﺟﻬﻨّﻢ.
ﻓﻜﺎﻥ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻓﻲ ﻣﺴﺠﺪ
ﺍﻟﺒﺼﺮﺓ ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ: ﻟﻘﺪ ﺣﺴﻦ ﻇﻦ ﺍﻷﻋﺮﺍﺑﻲّ ﺑﺮﺑّﻪ، ﻭﻛﺎﻧﻮﺍ ﻻ ﻳﺬﻛﺮﻭﻥ ﺣﺪﻳﺜﻪ ﺇﻻ ﺍﻧﺠﻠﺖ ﻏﻤﺎﻣﺔ ﺍﻟﻴﺄﺱ
ﻋﻨﻬﻢ، ﻭﻏﻠﺐ ﺳﻠﻄﺎﻥ ﺍﻟﺮﺟﺎﺀ ﻋﻠﻴﻬﻢ.
ونحن نقول:
وظنّنا فيك يا رب جميل، فحقق يا إلهي حُسن ظنّنا بك يا رب.
تأمل في قوله
تعالى: (فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (الصافات: 87)؛ إنه سؤال توبيخي وتحذيري من الله تعالى لعباده، يدعوهم
للتفكير في عاقبة عبادتهم لغيره والاستعداد للقائه يوم القيامة.
فما أحوجنا لحسن
الظن بالله! فهو القادر وبيده كل شيء، فإنما أمره بعد «الكاف» و«النون»؛ قال
تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً
أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس: 82).
يقولُ ابن
مَسعُود: قسماً بالله، ما ظنَّ أحدٌ باللهِ ظناً؛ إلّا أعطَاه ما يظنُّ، وذلكَ
لأنَّ الفَضلَ كُلَّه بيدِ الله.
قل للذي ملأ
التشــاؤم قلــبه ومضى يضيق حولنا الآفاقا
سر السعادة حسن
ظنك بالذي خلق الحياة وقسم الأرزاقا
وما أجملها من
ثقة عندما قال موسى لقومه لما قالوا: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ {61} قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ
رَبِّي سَيَهْدِينِ {62} فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ
الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (الشعراء).
كيف لا تكون مثل
هذه الثقة وقد قال تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي» (رواه البخاري،
ومسلم).
نعم، فلنبادر
قبل أن نغادر؛ بحسن ظننا بالله تعالى ونجتهد بالعمل إلى أن نلقاه سبحانه.
فاللهمّ إنّا
نظن بك غفراناً، وعفواً، وتوفيقاً، ونصراً، وثباتاً، وتيسيراً، وسعـادة، ورزقاً،
وشفاء، وحسن خاتمة، وتوبة نصوحاً، وعتقاً من النار، فهب لنا مزيداً من فضلك يا واسع
الفضل والعطاء وأكرمنا بكرمك يا أكرم الأكرمين يا الله.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً