عظماء قانونيون (١)
شاعر الإسلام محمد إقبال
تماماً كما جده
الأكبر، الذي قرر اعتناق الإسلام، تاركاً مزايا طبقة «البراهمة» الهندوسية، التي
تعد أعلى طبقات نظامهم الطبقي الديني والاجتماعي، كان محمد إقبال ووالداه متمسكين
بدينهم ومعتزين به.
ولد هذا المسلم
العظيم في شبه القارة الهندية عام 1877م، حيث كانت نشأته الأولى «قرآنية» على يد
والده و«الكُتَّاب»، ثم انتقل إلى المدارس النظامية، وصولاً إلى كلية «لاهور»
الجامعية في الهند حينها -باكستان حالياً- حيث نال شهادة البكالوريوس والماجستير
في الفلسفة، ودرَّس الفلسفة واللغة الإنجليزية فيها.
ثم سافر إلى أوروبا
عام 1905م، حيث نال بكالوريوس فلسفة ثانٍ من «كمبردج»، والثالث في القانون من
«لندن»، وحصل على إجازة «المحاماة»، وشهادة دكتوراة فلسفة من «ميونخ»، وحقق هذه
الإنجازات العلمية وغيرها في فترة وجيزة، حيث عاد إلى وطنه عام 1908م.
عمل إقبال في
المحاماة حتى عام 1934م، وكان شديد العناية في مواعيد وواجبات مهنته الشريفة،
ودقيق الانتقاء لقضاياه، مكتفياً بالدعاوى التي تكفيه مؤونة ومصاريف شهره.
حيث فرَّغ هذا
القانوني الفيلسوف جُلَّ وقته لمهمة حياته، وهي مناهضة قيود الاحتلال الإنجليزي،
والعمل على توحيد مسلمي الهند، وتمتين تمسكهم بهويتهم الدينية واعتزازهم بدورهم
الحضاري، والدعوة لتأسيس وطن مستقل لهم، وقد انتخب مشرعاً في برلمان ولاية
«البنجاب» عام 1926م.
ولم يكن فهم إقبال
قُطْرياً ضيقاً، بل اتسع اتساع عالمية الإسلام وإنسانيته، لذا رأيناه يشارك في
المؤتمر الإسلامي العام بالقدس عام 1931م، ويلقي ندوة في دار «الشبان المسلمين»
بالقاهرة، ويلتقي ملك أفغانستان محمد نادر شاه عام 1933م، ويصلي في جامع قرطبة
الكبير بإسبانيا عام 1932م، ولعله أول مسلم صلى فيه منذ سقوطها سنة 1236م.
وقد برع «شاعر
الإسلام» في الأدب، بجانب نشاطه الفكري والسياسي والقانوني، وهو في كل نشاطه وعمله
يدعو للإسلام وينصر المسلمين، فنظم الشعر في صغره بالبنجابية، لكنه نشر بعد ذلك
دواوينه العظيمة بالأوردية والفارسية، وأعاد عبدالوهاب عزام وغيره ترجمتها ونظمها
بالعربية، وفيها:
إنما الكافر
حيران له الآفاق تيه
وأرى المؤمن
كونًا تاهت الآفاق فيه
توفي يرحمه الله
هذا العظيم القانوني، الفيلسوف السياسي، «شاعر الإسلام»، عام 1938م، فنعاه وبكاه
المسلمون وغيرهم -حتى طاغور شاعر الهند الكبير- ورأت باكستان النور بعد وفاته
بسنوات قلائل، حيث شهد عام 1947م، تحقق حلمه واستقلال وطن مسلمي القارة الهندية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً