شعبان.. لماذا هو أخطر شهور العام؟!

شعبان.. لماذا هو أخطر شهور العام؟!

إن عرض أعمال العباد على الله عز وجل حقيقة جليلة، تهتز لها القلوب المؤمنة، وترتعد لها الفرائص، إذ يقف العبد بعمله بين يدي العليم الخبير، الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

وتُعرض الأعمال على الله تعالى عرضًا يوميًّا، وأسبوعيًّا، وسنويًّا، وكلها محطات محاسبة توقظ القلوب، وتستنهض العزائم، وتدعو إلى الحذر ومجاهدة النفس، طلبًا لرضا الله، ورجاء الفوز بالجنة، والنجاة من النار.

ومن أعظم هذه المحطات العرض السنوي للأعمال في شهر شعبان، ذلك الشهر الذي يغفل عنه كثير من الناس، لانحصاره بين رجب ورمضان، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم فضله وحكمته، كما في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم» (رواه النسائي وأحمد).

علم الله المحيط بالعباد

والله تعالى مطّلع على عباده اطلاعًا كاملًا، يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، بل يعلم ما توسوس به النفس قبل أن ينطق به اللسان أو يتحول إلى عمل، قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (ق: 16).

فالقرب الإلهي قرب علم وإحاطة وسلطان، يورث القلب يقظة دائمة، ومحاسبة مستمرة، وخشية تحول بين العبد وبين معصية الله، ظاهرها وباطنها، وإذا استحضر المؤمن هذه الحقيقة، عاش في مراقبة لله، وخوف منه، وحياء من مخالفته.

لا ملجأ من الله إلا إليه

وقد قرر القرآن الكريم أن الخلق جميعًا في قبضة الله، لا مهرب لهم من لقائه، ولا مستقر إلا بين يديه، قال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) (الزمر: 67)، وقال سبحانه: (كَلَّا لَا وَزَرَ {11} إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) (القيامة).

ومن هنا كان عرض الأعمال في شعبان عرضًا خطيرًا، لأنه تمهيد لموسم رمضان، ومقدمة للفصل في المصير: إما إلى جنة وإما إلى نار، نسأل الله رضاه والجنة، ونعوذ به من سخطه والنار.

الحكمة من عرض الأعمال في شعبان

اقتضت حكمة الله سبحانه أن يكون عرض الأعمال السنوي في شهر شعبان ليوقظ القلوب من غفلتها، ويبعث النفوس على التوبة والمراجعة، ويكسر سلطان الكسل، ويجدد العزم قبل دخول شهر الصيام، ففيه يستعد المؤمن بتزكية نفسه، ومحاسبة أعماله، والإكثار من الطاعات؛ صيامًا وقيامًا، وصدقًا وإحسانًا، وإخلاصًا وإنابة، حتى يدخل رمضان بقلب حي، ونفس مستعدة، وإرادة قوية.

فمن أحسن استقبال شعبان، أحسن استثمار رمضان، وكان رمضان له موسم تزكية وعتق من النيران، وفوزًا برضوان الله، وذلك هو الفوز العظيم.

العرض الأسبوعي ودوره التربوي

كما شرع الله العرض الأسبوعي للأعمال يومي الإثنين والخميس، كما قال صلى الله عليه وسلم: «تُعرض الأعمال على الله يوم الإثنين ويوم الخميس، فأحب أن يُعرض عملي وأنا صائم» (رواه الترمذي).

وهذا العرض المتكرر يربي المسلم على المداومة، واستمرار المجاهدة، وعدم تأجيل التوبة، مع اغتنام يوم الجمعة، خير أيام الأسبوع، وفيه ساعة إجابة، فيتجدد الأمل، وتتعزز الصلة بالله.

بين الخوف والرجاء

والعبد في سيره إلى الله محتاج إلى جناحين متلازمين؛ الخوف والرجاء، فغلبة الخوف تورث القنوط، وغلبة الرجاء تؤدي إلى التواكل، وإنما الكمال في الجمع بينهما، قال تعالى: (غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ) (غافر: 3).

وقد لخّص السلف هذا المنهج بعبارات جامعة، فقال أبو بكر رضي الله عنه: «حاسب نفسك في كل خطرة، وراقب الله في كل نفس»، وقال عليّ رضي الله عنه: «لا تخف إلا ذنبك، ولا ترجُ إلا ربك».

باب التوبة مفتوح

وشهر شعبان فرصة عظيمة للتوبة الصادقة، ومحو آثار التقصير، فالله سبحانه كريم يقبل التائبين، ويمحو السيئات بالحسنات، قال تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ) (هود: 114)، وقال سبحانه: (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) (الفرقان: 70).

فبادر بالتوبة، وجدّد العهد مع الله، وشمّر عن ساعد الجد، وأقبل على ربك بقلب منكسر، وعمل صادق، ويقين بأن رحمة الله أوسع من الذنوب، وأن فضله أعظم من التقصير.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة