مرجع الضمير وأثره الفقهي عند ابن حزم (5 - 5)

شمول الجزية و«واو الجماعة».. قراءة في قرائن السياق

د. رمضان فوزي

20 سبتمبر 2026

19

صورة بها عنوان السلسلة ورقمها وعنوان الحلقة واسم الكاتب وصورة تعبيرية لرجل يقرأ في كتاب

تناولنا في الحلقات السابقة من هذه السلسلة أثرَ مرجع الضمير عند ابن حزم في فهم النصوص واستنباط الأحكام، ونختتم السلسلة في هذه الحلقة باستجلاء أثر الدرس اللغوي في تقرير شمول الجزية للفئات المختلفة من أهل الكتاب، كما قرره ابن حزم استنادًا إلى عودة واو الجماعة في قوله تعالى: (حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ) (التوبة: 29)، ومن هنا يبرز السؤال: هل يكفي المرجع اللفظي للضمير في تعميم الحكم، أم ينبغي أن تُضمَّ إليه قرائن السياق؟

سبق أن أكدنا أن البحث في مرجع الضمير لا يقف عند حدود الصناعة النحوية، ولا يقتصر أثره على بيان الصلة بين أجزاء الجملة؛ فقد يتجاوز ذلك إلى توجيه المعنى وتحديد نطاق الحكم الشرعي، ويتجلى هذا الأثر في موقف ابن حزم من قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة: 29)؛ إذ رأى أن واو الجماعة في (يُعْطُوا) تعود إلى عموم أهل الكتاب، ولا تختص بالرجال المقاتلين منهم.

شمول الجزية وعموم الخطاب

ذهب ابن حزم إلى شمول الجزية؛ أي أن الجزية تلزم البالغين من أهل الكتاب جميعًا؛ فلا فرق عنده بين الحر والعبد، ولا بين الرجل والمرأة، ولا بين الغني والفقير أو الراهب وغيره، يقول: «الجزية لازمة للحر منهم والعبد، والذكر والأنثى، والفقير البات، والغني، والراهب سواء، من البالغين خاصة».

وينطلق ابن حزم في هذا الرأي من عموم الخطاب القرآني، ويصرح بأن معوَّله «على عموم الآية فقط»، فالذين تناولهم الخطاب وُصفوا بأنهم من أهل الكتاب، ثم أُعيد عليهم الضمير في الفعل (يُعْطُوا) وفي قوله (وَهُمْ)، ولم يرد –بحسب رأيه– نص يخرج النساء أو العبيد أو الفقراء من هذا العموم؛ ومن ثم لا يصح تخصيص الحكم بغير دليل.

وحين احتج مخالفوه بعدم شمول الجزية وأنها لا تؤخذ إلا ممن يجوز قتاله، ألزمهم بألا يأخذوها من المرضى أو ممن لزم بيته أو سوقه ولم يقاتل مسلمًا، ثم قرر حجته اللغوية بقوله: «أُمرنا بقتالهم إن قاتلونا حتى يعطي جميعهم الجزية عن يد، كما في نص الآية؛ لأن الضمير راجع إلى أقرب مذكور»(1).

فالضمير عند ابن حزم رابط دلالي يحفظ عموم الفئة المذكورة، ويمنع قصر الحكم على بعض أفرادها من غير نص مخصِّص، ويتصل ذلك بمنهجه الظاهري الذي يتمسك بعموم اللفظ، ولا يخرج بعض أفراده إلا بدليل يراه صالحًا للتخصيص.

إلى مَن تعود واو الجماعة؟

موضع الاستدلال هو واو الجماعة في (يُعْطُوا) والضمير المنفصل في (وَهُمْ)؛ فقد أعادهما ابن حزم إلى (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)، وهو أقرب مذكور صالح للمرجعية، وحمل هذا المرجع على عمومه، وبذلك جعل إعطاء الجزية متعلقًا بجميع البالغين من أهل الكتاب.

لكن الخلاف هنا لا ينحصر في تعيين المرجع النحوي؛ فالجمهور لا يجعلون واو الجماعة عائدة إلى اسم آخر مذكور في الآية، وإنما يختلفون مع ابن حزم في مدى عموم الجماعة التي يشملها الحكم، فبينما حمل ابن حزم الضمير على جميع أهل الكتاب البالغين، قيد الجمهور هذا العموم بقرائن السياق، وفي مقدمتها الأمر بالقتال وأهلية ممارسته.

وقاعدة عودة الضمير إلى أقرب مذكور ليست قاعدة مطردة تعمل بمعزل عن السياق؛ فالأقربية إحدى القرائن المرجحة، لكنها لا تستقل بتحديد نطاق المرجع إذا دلت القرائن التركيبية والدلالية على تقييده، ومن هنا لا يكفي في شمول الجزية النظر إلى قرب المذكور، بل ينبغي النظر في انتظام الآية كلها، والعلاقة بين الأمر بالقتال والغاية التي ينتهي إليها.

«قاتلوا» و«حتى».. دليلان من بنية الآية

استدل جمهور الفقهاء على عدم شمول الجزية بصدر الآية: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ)، وبالغاية الواردة في قوله تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ)، فـ«حتى» تفيد الغاية، والغاية تقتضي فعلًا قبلها قابلًا للاستمرار إلى أن يتحقق ما بعدها، والفعل هنا هو القتال؛ فيكون المعنى: يستمر قتالهم إلى أن يعطوا الجزية، وقد عبّر ابن عاشور عن ذلك بقوله: «أي يستمر قتالكم إياهم إلى أن يعطوا الجزية»(2).

وعلى هذا الفهم، ترتبط جملة (يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) بالفعل (قَاتِلُوا) ارتباط الغاية بما قبلها؛ ولذلك قُيِّد الحكم بمن تتوافر فيهم أهلية القتال، لا بكل من يندرج تحت اسم أهل الكتاب.

واستخرج الإمام الكاساني الحنفي من صيغة الفعل نفسها دليلًا لغويًّا آخر؛ فالفعل «قاتل» جاء على وزن «فاعل»، وصيغة المفاعلة تدل في أصلها على المشاركة بين طرفين، يقول الكاساني في بيان عدم وجوب الجزية على الصبيان والنساء والمجانين: «والمقاتلة مفاعلة من القتال؛ فتستدعي أهلية القتال من الجانبين، فلا تجب على من ليس من أهل القتال، وهؤلاء ليسوا من أهل القتال فلا تجب عليهم»(3).

وهذا من لطائف الاستنباط الفقهي المبني على الدلالة الصرفية؛ إذ لم يقف الكاساني عند معنى مادة «القتال»، بل استدل ببنية «فاعل» على اقتضاء المشاركة وأهلية وقوع الفعل من الجانبين، وبذلك اجتمع في استدلال الجمهور دليلان من نظم الآية: دلالة المفاعلة في (قَاتِلُوا)، ودلالة الغاية في (حَتَّى يُعْطُوا).

وقد قرر القرطبي أن ظاهر القرآن يدل على أخذ الجزية من الرجال المقاتلين؛ لأن قوله تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) مرتبط بالأمر السابق بالقتال، كما حكى اتفاق العلماء على وضعها على الرجال الأحرار البالغين دون النساء والذرية والعبيد والمجانين والشيخ الفاني(4).

بين عموم المرجع وقرائن السياق

تكشف هذه المسألة أن الخلاف في شمول الجزية لم يكن فقهيًّا مجردًا، بل نشأ عن اختلاف في منهج قراءة النص؛ فقد تمسك ابن حزم بعموم المرجع اللفظي، وأعمل قاعدة عودة الضمير إلى أقرب مذكور، ورفض إخراج بعض أفراد العموم من غير نص صريح، أما الجمهور فلم ينازعوا في المرجع النحوي لواو الجماعة، ولكنهم قيدوا نطاقه بقرائن السياق، وربطوا بين أهلية القتال ووجوب الجزية.

وهكذا قاد ابن حزم ظاهر الضمير وعموم مرجعه إلى توسيع دائرة الحكم، بينما قادت دلالة «حتى» وصيغة المفاعلة في «قاتلوا» الجمهور إلى تضييقها، وتؤكد هذه القضية أن الضمائر، على قصر ألفاظها، قد تحمل حمولات دلالية وفقهية كبيرة؛ فالبحث عن مرجعها ليس سؤالًا نحويًّا شكليًّا، وإنما هو جزء من فهم بنية النص، وتحديد نطاق خطابه، والكشف عن مناهج الفقهاء في استنباط الأحكام.

الهوامش
  • 1 ابن حزم، المحلى بالآثار، ج7، ص347–348.
  • 2 الطاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج10، ص68.
  • 3 الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج7، ص111.
  • 4 القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج8، ص112.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة