شهادتي على صاحب الشهادة الكبرى د. محمود مزروعة
عرفت العلَّامة د.
محمود مزروعة رحمه الله (1932 - الجمعة 25 يوليو 2025م) ضمن ما عرفت من مئات
الأكابر والعلماء في كافة المجالات وشتى الميادين، منذ شرفت بالعمل بإذاعة القرآن
الكريم في النصف الأول من عقد الثمانينيات من القرن الماضي.
ثم توثقت علاقتي
به وبالدكتور محمد سيد أحمد المسير يرحمه الله، كأوثق أستاذين للعقيدة والفلسفة
بجامعة الأزهر الشريف، بعد أن دخلتها طالباً منتظماً بكلية أصول الدين عام 1996م،
بعد حصولي على الماجستير في الإعلام من جامعة عين شمس.
ثم سافر فضيلته
إلى قطر والسعودية فترة طويلة، كنت ألقاه فيها خلال الإجازات الصيفية، ثم توطدت
علاقتي به تمامًا أيام قضية الراحل د. فرج فودة.
إلا أنني في
الفترة الأخيرة وعلى مدى أكثر من 15 عامًا، قد توثقت علاقتي به بصورة شبه أسرية،
فقد كنت ألتقيه بصفة دورية ثابتة، وأعرف كل أولاده، ويتصل بكل أولادي، أجلس معه
اليوم بطوله، نتناقش نقاشًا منظمًا في كل شيء، وكنا نفرض إطارًا للمناقشة، يقول ما
عنده، ثم أقول ما عندي، ثم نتناقش، ثم ننتهي إلى حكم في أي قضية علمية كانت، أو
سياسية، واقعية كانت، أم تاريخية.
ولد يرحمه الله
عليه بقرية أسمانيا مركز شبراخيت بمحافظة البحيرة، ونشأ في أسرة ثرية، حيث كانت
العائلة تعده للتعليم الأجنبي، شأن «أولاد الذوات» في ذلك الزمان، إلا أنه بعد
حفظه وتجويده للقرآن الكريم في دوار العائلة، آثر الذهاب إلى الأزهر الشريف.
كان له شقيقات
وشقيقان، هما غرس الدين وعليّ الذي كفله ورعاه بعد وفاة الوالد، فأحله مكانه
المقدم من التقدير والتكريم، وأسكنه فيلا بمنطقة الهرم منذ قدم إلى القاهرة إلى أن
انتقل منها إلى بيته العامر بمدينة نصر.
كان يرحمه الله
ذا نظام صارم في حياته كلها؛ غذائيًا، وعلميًا، واجتماعيًا، يبدأ يومه بعد صلاة
الفجر، وينتهي بعد صلاة العشاء؛ لذلك كان كثيراً ما يحدثني مكالمات مطولة في أوقات
لم يعتدها الناس، بعد صلاه الفجر بقليل، له ورد قرآني ثابت (ثلاثة أجزاء)، وله
أذكاره اليومية التي لم يتخلف عنها أبدًا.
جلسته المفضلة
صيفاً وشتاء في شرفة فيلته الرحبة (بشارع ناصر خسرو بجوار الحديقة الدولية بمدينة
نصر بالقاهرة).
أنيق، شديد
الأناقة في ملبسه، ومأكله ومشربه، ومركبه.. يمكن أن يذكر لك أكثر من عشرين ماركة
عالمية لأنواع روابط العنق (الكرافتات) وحدها! ومثلها للجوارب والأحذية، وأكثر
منها بشأن البدل وأنواع الأقمشة الفاخرة.. ولا يتبذل ولا يتهاون في ذلك أبدًا، فهو
«ابن بهوات» كما يردد دائمًا.. فقد كان أخوه الأكبر عليّ حاصلاً على «البكوية»،
وكذلك كان والده، ينتمي إلى أسرة ثرية، على عكس معظم المجاورين الأزهريين على
زمانه.
من الأسرار التي
لا يعلمها الكثير عن د. محمود مزروعة، أنه فقد إحدى عينيه من لسعة طرف كرباج فاجر،
في حفل استقباله في الستينيات بالسجن الحربي، وأنه سافر في صدر حياته على حسابه
الخاص إلى لندن لمدة عام كامل، منقطعاً فيه لتعلم اللغة الإنجليزية التي كان
يجيدها، ولم أصدق ذلك إلا عندما رأيته يقرأ أمامي باللغة الإنجليزية بمنتهى
الطلاقة، ثم يعيد ترجمة ما قرأ بمنتهى السلاسة، وأحضر لي الشهادة التي حصل عليها
في إجادة اللغة الإنجليزية.
كذلك لا يعلم
الكثيرون أنه كان على علاقة مصاهرة (ببلدياته) وزير الأوقاف الشهير الأسبق د. محمد
البهي، الذي كان مبتعثًا للحصول على الدكتوراة من ألمانيا، حيث أصهر والد د.
مزروعة بعد وفاة أمه، إلى الزواج من أسرة البهي، ولكن كان لهذه العلاقة أثر غير
حميد في نفس د. مزروعة، حيث يذكر عدة وقائع، بالغ فيها د. البهي في اضطهاده عن
عمد.
كان العلامة د.
محمود مزروعة على صلة مصاهرة بفضيلة الشيخ الجليل د. عبدالفتاح بركة، الأمين العام
الأسبق للمجلس الأعلى للأزهر الشريف، حيث كان نجل د. بركة متزوجًا من إحدى كريمات د.
مزروعة.
ما رأيت رجلًا
يتحقق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خدامكم خولكم»، مثلما رأيت ذلك في بيت د.
مزروعة، حيث كانت بدرية وزوجها (عم أحمد) يجادلان ويشاركان د. مزروعة في كل شيء،
حتى في خاصة طعامه وشرابه.
ولن أنسى ما حييت
فرحة د. مزروعة الغامرة يوم تفوقت بنت عم أحمد وبدرية في الثانوية العامة منذ 10
سنوات، ودخلت كلية الطب، وكاد د. مزروعة يطير بها نشوة وفرحاًً، كأنها ابنته
وزيادة.
كذلك من الأسرار
التي لا يعلمها الكثيرون أن د. مزروعة كان أرق من النسيم، ذا دعابة وفكاهة مرحة
طفولية عذبة.. والذين يأخذون فكرة خاطئة تمامًا عن فكره، أنه كان فظاً أو تكفيريًا
مخطئون تمامًا.
وكان يغسل يديه
وقدميه من تكفير فرج فودة حيث يقول: أنا أدليت بشهادتي عندما استدعتني المحكمة
للشهادة في موضوع هو صلب تخصصي العلمي، وعين واجبي الوظيفي، ولو تخلفت عنه، لكنت
من الآثمين الذين يكتمون الشهادة، ولكنت عين الشيطان الأخرس الساكت عن الحق.
ثم إنني شهدت
على الفعل والإقرار المكتوب والقول المنطوق، ولا علاقة لي بقائله إطلاقًا، وهذا حكم
شرعي وليس فتوى.. وأكرر للمرة المليار ما قلته للمحكمة بطلب رسمي منها بصفتي
عميداً لكلية أصول الدين، وأستاذًا للعقيدة بشأن د. فرج فودة، إنما هو حكم شرعي
وليس فتوى.. فالفتوى من الوظائف السلطانية العامة، التي يقوم بها من اختاره ولي
الأمر ليمثل الأمة فيها.
وذات يوم من
الأيام، طلبني فجرًا، وقال لي: تعال إليّ حالاً، لأمر خاص لن أخبرك به إلا حين
وصولك!
قلت: خيراً يا
أستاذنا؟!
قال: خير
الخيرين إن شاء الله.
فلما ذهبت إليه،
قال: يا مولانا، قررنا نحن الشيخ محمود مزروعة أن نجيز الشيخ محمود خليل في كل ما
نحمل من علم، ومن صلاحيتي يا بنيّ أن أجيزك في سبعة علوم: في العقيدة، والفلسفة،
ومقارنة الأديان، والفكر المعاصر، والتيارات الوافدة، والمنطق، والغزو الفكري،
والأخلاق والسلوك.
ثم أحضر دفتر
أوراقه، وقلمه الحبر الفاخر، وبدأ يكتب بخطه الأسود الأنيق.
فأقسمت عليه
بالله ألا يصنع، وألا يتم ما عزم عليه.
وقلت له: شكر
الله لكم أستاذنا الجليل هذه المكرمة التي لم أتخيلها، وما تطلعت إليها يومًا..
فقد كان غاية ما أتمنى أن تجيزني في علم واحد، وكم حدثت بلدياتك ونجيك وتلميذك د.
وليد كساب بذلك؛ لذلك، فإنني أريد أن تجيزني في علم واحد، وأن تعهد إليّ بمذاكرة
ما تحب أن تجيزني فيه أولًا، فقال: الآن، أجزتك في كل ما أحببتُ أن أجيزك فيه،
بيني، وبينك، وبين الله.
لكن نزولاً على
رغبتك، تخير أنت فقلت له: كل العلوم الباقية، لا مشكلة عندي فيها، لكن تبقى
المشكلة القائمة الدائمة في (الفلسفة، القديم منها والحديث).
فقام، وظل يحضر
إلى كل ما قدم في علم الفلسفة.. مرجعه الضخم الفلسفة الإسلامية، ثم مذاهب فكرية
معاصرة، ثم شبهات القرآنيين حول السنة النبوية، ثم دراسات مقارنة في الأديان، ثم
دراسات في النصرانية، ثم التيارات الوافدة في الإسلام، ثم دراسات في اليهودية
ودراسات في علم الأخلاق ودراسات في الشيعة ودراسات في الهندوسية، ونظرات في
الشريعة والعقيدة والتلمود، والتاريخ وتعاليمه وخفاياه ودراسات في الدين والتدين
ودراسات في حول لفظ الجلالة ودراسات في البوذية وتاريخ الفكر الفلسفي والإبانة
للأشعري
وقال: اقرأ هذه
بهدوء.. ستجد مادة الفلسفة تسري فيها جميعًا، وعندما تنتهي منها تعال إليّ
لأمتحنك، نزولاً على دماغك الناشفة
وفعلا ظللت
حوالي ستة أشهر أقرأ بعمق وهدوء.. وذهبت إليه في يوم مشهود، وجلست أمامه، تماماً
كما كان يجلس الطلاب في الأزهر القديم.. وظل يصول ويجول معي، ومما أعجبه جداً أنني
كنت أمثل النقيض الكامل لحكمه القاسي على معظم رواد الفلسفة الإسلامية كالفارابي
وابن سينا والكندي وابن رشد.. حيث قسا عليهم بشدة.. وكنت أعد إجابات علمية دقيقة
على كل ما أذهب إليه..
ثم قال: الآن
أجزتك يا مولانا.. ولكني أفسر لك هذا اللبس الذي حدث لديك، والذي أحببته فيك..
قلت: ماذا؟!
قال: يا مولانا،
أنا أنظر إلى الفلسفة في قديمها وجديدها، نظرة العالم المسلم، الذي لا يرى في
الفلسفة لذة لوجه اللذة.. كما كان يرى اليونان!!
ولا فكراً لوجه
الفكر كما يري الشرقيون القدامى..
ولا أراها جدلاً
متطاحناً كما يراها المناطقة الصوريون..
ولكني أرى أن
الفلسفة في الإسلام محكومة بمادة العقيدة، وروح التوحيد..
لا نريد من
المفكر أن يكون مفكراً مجرداً، يحترق تفكيراً، ثم لا يثمر غير الرماد..
إنما الفلسفة في
الإسلام مزاولة عقلية ماجدة وشريفة، لممارسة إشراق الحكمة، ومحاولة تفسير العلاقة
بين الحق والخلق،
وتأسيس المعرفة
بين الخالق والمخلوق، والتوجه بالدليل المنهجي والبرهان العقلي الرابط بين سمو
الغاية وعلّية الوجود٠٠ وشرف البحث في ذلك كله.. فهي فلسفة دالة على دين، وهادية
إليه
لا جانحة عنه أو
متمردة عليه.
رضي الله عن
شيخنا العلامة الثبت الثقة الرباني الجسور، الذي انتقل إلى جوار ربه يوم الجمعة 25
يوليو 2025م بعد مشوار جهير شهير، شاهد بالحق، وناطق بالصدق في كل ما عرض لحياته
من وقائع وأحداث، ولم ينشغل لساعة من نهار، بتوليه لمنصب، أو رئاسته لهيئة، أو
نيله لشيء من ذلك، وهو به أجدر وأحق.
سلام عليه في
السابقين المهديين، وسلام على الصادقين.
كاتب المقال مع د. محمود مزروعة
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً