صفات عباد الرحمن في «الفرقان».. بلاغة الوصف وبناء الإنسان

سعد الحسن

25 سبتمبر 2026

25

لوحة بها مجموعة من الأشخاص الذين يمثل كل منهم صفة من صفات عباد الرحمن الواردة في الآيات

تأتي صفات عباد الرحمن في ختام سورة «الفرقان» (الآيات 63 – 76) بوصفها لوحةً قرآنية متكاملة تتجلى فيها صورة الإنسان الذي تتآلف في حياته العبادة والمعاملة، والخوف والرجاء، وصلاح النفس والأسرة. ولا تعرض الآيات هذه الخصال بأسلوب وعظي وخطابي مؤثر في الوجدان فقم؛ بل تُرينا أثرها الحيّ في المشي والكلام والإنفاق، ثم تسمعنا دعاء أصحابها، قبل أن تبلغ بنا إلى مآلهم ومصيرهم.

وفي هذا الانتقال البديع من الحركة المشاهدة إلى السريرة، ومن تفاصيل الحياة اليومية إلى المصير الأبدي، تتجلى بلاغة المقطع القرآني في أرقى صورها وأعمق دلالاتها.

صفات عباد الرحمن.. أخلاق تُرى وتُسمع

يفتتح الوصف القرآني الحديث عن هؤلاء العباد بقوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا). وفي إضافة «العباد» إلى اسم «الرحمن» تشريف عظيم لهم وتكريم. وللاسم الكريم موقع سياقي دقيق في السورة؛ فقد سبق أن استنكر المشركون الأمر بالسجود للرحمن بقولهم: (وَمَا الرَّحْمَٰنُ) (الفرقان: 60)، فجاء الحديث هنا ليؤكد: هؤلاء هم عباد الرحمن حقاً، الذين تجلت في سلوكهم هبات رحمته وخضوعه، يقول الطاهر بن عاشور: "وقَدْ شَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِأنْ جَعَلَ عُنْوانَهم عِبادَهُ، واخْتارَ لَهم مِنَ الإضافَةِ إلى اسْمِهِ اسْمَ الرَّحْمَنِ لِوُقُوعِ ذِكْرِهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ الفَرِيقِ الَّذِينَ قِيلَ لَهم: اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ. قالُوا: وما الرَّحْمَنُ" (التحرير والتنوير: 20/67)

وأول ما نراه من هؤلاء العباد هي هيئتهم الحركية؛ فـ «الهَوْن» مشي تصحبه السكينة والوقار والتواضع، بعيد كل البعد عن الكبر والتجبر والبطر في الأرض.

وليست العبرة هنا بمقدار سرعة الخطى أو بطئها؛ فقد يمشي الإنسان سريعاً لحاجة مباحة، وقد يمشي بطيئاً متعالياً متكبرًا. إنما العبرة بما يكشفه المشي عن باطن النفس وسكينتها.

وفي اختيار تعبير (يمشون على الأرض) ملمح دقيق: إنهم يعيشون بين الناس، ويخالطونهم، ويسعون في مصالحهم، لكن صلتهم بالأرض لا تتحول إلى استعلاء على أهلها ولا طغيان، لكنها تستعلي على المتطلبات الأرضية التي قد تستعبد بعض الناس وتحكم فيهم مثل الشهوات بأنواعها؛ فهم يتعالون عليها.

ثم تنتقل الآية من هيئة الجسد وحركته إلى تهذيب اللسان ومنطقه: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا). و«الجاهلون» هنا ليس وصفاً لما حصّلوه من علم أو ثقافة، بل هو وصف لمن يتصرفون بسفه وطيش وحماقة. أما جواب عباد الرحمن، فلا يحدده النص بعبارة نمطية محفوظة، وإنما يرسم له مساراً أخلاقياً رفيعاً: كلاماً يسلمون به من مجاراة السفهاء والدخول في لغتهم. وقد بّين الإمام الزمخشري أن في هذا الموقف معنى المتاركة والتسلم؛ إذ يقول في "الكشاف: «تسلماً منكم لا نجاهلكم، ومتاركة لا خير بيننا ولا شرّ، أي: نتسلم منكم تسلماً، فأقيم السلام مقام التسلم». هكذا تُصوّر الآية قوة الذات في موضع يسهل فيه الانفعال؛ فهم يملكون ألسنتهم وقلوبهم حين يستفزهم غيرهم.

الاسم الموصول والتكرار الإيقاعي

تتوالى صفات عباد الرحمن بعد ذلك مفتتحةً بصيغة التكرار الإيقاعي (وَالَّذِينَ) لتثبت الانتماء وتوزع المساحات في السمع والتأمل:

  • (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا).
  • (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ).
  • (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا).

يربط تكرار الاسم الموصول هذه الخصال المتنوعة بصاحب واحد، ويترك لكل خصلة مساحتها المستقلة في السمع والوجدان؛ فنراه أولاً بين الناس متواضعاً حليماً، ثم نراه في ظلمات الليل خلوةً مع ربه، ثم نسمع مخاوفه الصادقة من مصيره، قبل أن نرى ميزانه الدقيق في المال والحياة.

وفي قوله تعالى: (يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) يتقدم الجار والمجرور «لربهم» ليبرز وجهة العبادة الخالصة؛ فالليل والاضطجاع والسجود والقيام مصروفة له وحده لا شريك له. وتجعل الآية من «الليل»، وهو موضع الراحة والخلوة شاهداً أميناً على صدق ما ظهر نهاراً من أخلاق.

ثم تأتي صيغة الدعاء الضارعة في شأن النار: (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ). إنهم لا يتحدثون عن الخوف بوصفه فكرة نظرية، بل يتوجهون به مباشرة إلى الله طلبًا للنجاة والتحصن. ويزيد التعليل القرآني (إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا) الدعاء إلحاحاً وعمقاً؛ لما في كلمة «الغرام» من معنى اللزوم والملازمة التي لا تفارق صاحبها «أي: كان لازما دائما غير مفارق، ومنه سمي الغريم لملازمته، ويقال: فلان مغرم بكذا؛ أي: لازم له، مولع به» (أضواء البيان: للشنقيطي: 6/75).

وعندما تبلغ صفات عباد الرحمن ساحة الإنفاق والمال، تأتي عبارتان متوازنتان في النفي: (لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا)، ثم يحسم السياق المعنى بالإثبات الجامع: (وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا). فالقوام ليس امتناعاً مبهمًا عن طرفين، بل هو ميزان دقيق تقوم به النفقة بلا إفراط ولا تفريط.

ولا تقف دائرة الانضباط عند المال، بل تتسع لتشمل صيانة الأصول الكبرى لحفظ كيان الإنسان وحياته (التوحيد، والنفس، والعِرض) في قوله تعالى: (وَلَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ). ويشتد التحذير والزجر عقب هذه الكبائر، لكن السياق الإلهي الواسع يفتح باب الأمل والرجوع بالاستثناء البديع: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا). وهنا يبلغ الوعد ذروة التأثير والرحمة في قوله: (فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ)، لتتجلى أتمّ التجلي سعة الرحمة التي استُهلت بها الآيات باسم «الرحمن»؛ فالمقطع لا يكتفي برسم صفات أهل الاستقامة، بل يعبد طريق الالتحاق بهم لكل تائب مندم.

صيانة السمع والبصر

تعود الآيات مرة أخرى لترسم مشهد الإنسان في مجتمعه ومحيطه: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا). والزور هنا يشمل كل وجوه الباطل والزور والكذب، من غير قصره على صورة واحدة محددة. وفي تكرار فعل «مرّوا» دقة تصويرية بالغة؛ فقد يقع الباطل في طريقهم عرضاً، لكن مرورهم به لا يعني مكوثهم عنده أو المشاركة فيه؛ بل يمضون عنه حفظاً لكرامة أنفسهم وسموّ نفوسهم.

ثم تفاجئنا الآية التالية بصورة تبدو، عند القراءة السريعة الأولى، غريبة أو مشكلة: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا). فالمذموم هنا ليس هو الخرور في ذاته؛ فالخرور سجداً وخضوعاً للآيات من صفات المؤمنين، وإنما المذموم هو تلقيها بغير سمع واعٍ ولا بصر متدبر، بحيث يكون الإنسان في حال إعراضه كالأصم والأعمى؛ فالنفي متوجه إلى «هيئة الصمم والعمى» لا إلى أصل الإقبال والانقياد لآيات الله، وبذلك تجمع العبارة البليغة بين قوة الاستجابة الإيمانية وعمق وعيها وبصيرتها.

قرة العين والاطمئنان المحسوس

ويختم صفات عباد الرحمن بدعاء عظيم يتجاوز حدود ذواتهم وأنفسهم إلى محيطهم الأسرى والاجتماعي: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا). فتعبير «قرة الأعين» يجعل الطمأنينة والاستقرار النفسي مشهداً حسياً ماثلاً؛ عيناً تسكن وتستقر إلى ما ترى من صلاح الأهل وبرهم؛ فقرة العين مرتبطة بصلاح الأزواج والذريات وسكون النفس إليهم، غير أن رجاء عباد الرحمن وطموحهم لا يقف عند حدود البيت والأسرة، بل يمتد أفقهم ليكونوا أئمة قدوة في التقوى والإصلاح. أما مجيء كلمة «إمامًا» بصيغة المفرد مع ضمير الجمع فمعناها أئمة يُقتدى بهم في الخير، كأنهم جُعلوا شيئاً واحداً في کمالهم واجتمعوا في قوة.

ختام الموكب الإيماني.. الجزاء الأوفى

بعد هذا الامتداد العظيم في صفات عباد الرحمن، يأتي الجزاء الإلهي مركزاً ضافياً: (أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا). وجاء في بعض كتب التفسير أن «الغرفة» هي المنزلة الرفيعة العالية والمكانة العظيمة من الجنة.

ولكلمة «السلام» هنا وقع بلاغي ونفسي خاص وفريد؛ فقد قالوا في مستهل وصفهم لخطاب السفهاء: (قَالُوا سَلَامًا) ردًّا حكيماً مترفعاً، فصاروا في ختامه يتلقون من الملائكة ومن رب العزة (تَحِيَّةً وَسَلَامًا) جزاءً وإكراماً. ويتأكد تمام هذا التحول والتمايز بالمقابلة البديعة بين النار التي (سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) وبين الجنة التي (حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا).

هكذا تبني الآيات صورة «عباد الرحمن» بناءً متدرجاً محكماً: خُلق يظهر في الطريق، ولسان يصون صاحبه عند الاستفزاز، وقلب يحيى بالعبادة والخوف والرجاء، ويد تنفق بميزان القوام، وعقل يتلقى آيات الله بوعي وبصيرة، وأسرة يُدعى لها بالصلاح والريادة. وتتأتى بلاغة هذا المقطع الخالد من أن كل صفة فيه تُرى، أو تُسمع، أو تُحَسّ؛ حتى يغدو الاسم الذي استُهلت به الآيات «عباد الرحمن» ترجمة حيةً لحياة إنسانية متكاملة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة