تجسدات الشيطان في الدراما..
صفقات فاوست المؤجلة ومساومات الضمير
هل قابل أحدكم
الشيطان يوماً ما؟ عن هذا السؤال الموغل في الغيبيات بمشاعرها المتباينة، ربما
تستطيع أبسط تفاصيل عتمتنا الداخلية أن تجيب، خاصة حين يواجه الإنسان نفسه بحقيقته
ليصالح أيامه على أنصاف الحلول، متنازلاً خطوة بخطوة عن نقائه مقابل أن يمرر أيامه
بسلام هزيل.
يتشكل العهد
البشري هنا عبر رحلة طويلة يعيشها في ترويض الضمير، يبيع فيها الباحث عن النجاة
جزءاً من جوهره مقابل هدوء موقت، لتتجسد أسطورة فاوست في واقعنا، كلما تعرض
الإنسان للمساومة على حريته وسلامه الداخليّ! وينشأ عن ذلك لبس خفي قد يقع فيه
البعض حين يخلطون بين شخصية فاوست والشيطان لكونهما وجهاً لتعريف متطابق، وذلك
لشدة الالتصاق والامتزاج النفسي بينهما في رحلة الغواية حتى يبدو فاوست مجسداً
لروح الشر وطغيانه بكامل ملامحها.
فيما تؤكد
الحقيقة الدرامية والفلسفية أن هذا التداخل نشأ في الأساس من ثنائية الممثل
وقناعه؛ فالشيطان يمثل المحرك الخارجي والغاية المظلمة، وفاوست يظل الإنسان الحائر
بضعفه وطموحه وجوعه للمطلق الساعي بقوة لتجاوز عجزه البشري.
ويعكس هذا الخلط
الشائع في عمقه فهماً طبيعياً فطرياً لحقيقة قاسية تتمثل في أن الإنسان حين يفرط
في تنازلاته أمام شرور واقعه يفقد بشريته تدريجياً ليغدو نسخة مطابقة لذلك الشيطان
الذي أبرم معه صفقته الأولى.
استمدت هذه
المعالجات خصوصيتها من ركائز عقدية وثقافية تشترك فيها الحضارة العربية الإسلامية
والمسيحية معاً على حد السواء، التي تتعامل بحذر واعٍ مع الأسطورة بأقانيمها
المختلفة، رافضة صيغة البيع المباشر للروح باعتبارها «تابوهاً» أخلاقياً ودينياً
ثابتاً ومصاناً ومقدساً، في مقابل انفتاح غربي في التعامل، منح «الثيمة» نفسها
مساحة لا محدودة من الجرأة الفلسفية والإنسانية لتجريب حدود المعرفة والحرية بعيداً
عن القيود اللاهوتية المباشرة.
وقد أدى هذا
الحذر الشرقي المحافظ إلى توجيه المبدعين العرب نحو ترويض الأسطورة وإعادة
صياغتها، ليبدو لنا من خلالها الشيطان متوارياً كطرف تعاقدي صريح يوقع وثائقه
بالدم، لصالح استبدال به ضغط الواقع وقهر الاستبداد والانهيار المزلزل للضمير تحت
وطأة الحاجة، لتستقر المعالجة العربية وتنحصر في فضاء حماية الهوية والأخلاق
الجماعية في مواجهة الإغواءات على إطلاقها.
المسرح.. وولادة أسطورة فاوست
وبنظرة إلى
تاريخ المسرح، سنجد أنه المحطة الأولى والمنطلق التاريخي والفلسفي الأصيل الذي
وُلدت فيها أسطورة فاوست؛ التي انطلقت جذورها العالمية مع الكاتب الإنجليزي كريستوفر
مارلو في مسرحيته البارزة «دكتور فاوستوس» (إنجلترا، 1592م)، بالإضافة إلى فاوست، الشاعر
الفرنسي روتبيف، والكاتب الألماني غوتهلد إفرايم لسنجل، الذين سعوا لتجسد طموح عصر
النهضة في المعرفة المحرمة التي تقود بطلها إلى الهلاك الأبدي، وذلك قبل أن يكتب
الألماني جوته نسخته الأولى من فاوست بين عامي 1772 و1775م، ثم أعاد صياغة نفس
الأسطورة في ملحمة خالدة بنفس الاسم، صدر جزؤها الأول عام 1808م والثاني عام 1831م،
ونشرت بعد وفاته عام 1832م، وفيها جعل جوتة من السعي البشري المستمر مبرراً للخلاص
ودافعاً للحياة.
ولما عبرت هذه
الأسطورة إلى فضاء المسرح العربي، تفاعلت معها الأقلام بوعي مغاير تماماً؛ وعي
يتخلى عن فردية الخلاص لتعكس مأساة جماعية تحاكم الاستبداد وأزمة التحديث، ويظهر
ذلك بوضوح في تجارب مسرحية رائدة مثل نص مسرحية «فاوست الجديد» لعلي أحمد باكثير،
(مصر، 1967م)، ومسرحية «فاوست والأميرة الصلعاء» لعبدالكريم برشيد (المغرب، 1980م).
وفي المشهد
الخليجي والكويتي، امتد هذا الصدى المسرحي ليترجم التحولات المجتمعية السريعة
وعذابات الهوية عبر محطات فارقة، أبرزها مسرحية «صفقة مع الشيطان» التي قدمتها
فرقة مسرح الخليج العربي (الكويت، 1965م)، متكئة على فكرة المقايضة الروحية وبيع
المبادئ في إطار درامي صراعي يعكس وطأة الواقع على الإنسان، إلى جانب الروافد
النقدية والأكاديمية في الدوريات الكويتية التي فككت هذه الثيمة الملتبسة.
السينما.. تنويعات على الأسطورة
ومع انتقال
الأسطورة إلى فضاءات السينما اللامحدودة، أتيحت لها مساحة بصرية هائلة للتعبير
المباشر عن الصراع بين الروح البشرية الموصومة بالبراءة والضعف، وقوى الظلام؛
فعالمياً على سبيل المثال، كانت البداية بانطلاق فيلم «فاوست» الألماني (ألمانيا،
1926م) للمخرج فريدريش فيلهلم مورناو الذي يعد أحد أعظم الأعمال الصامتة في تجسيد
ثنائية الخير والشر، مروراً بالمعالجة العصرية المبهرة في الفيلم الأمريكي «محامي
الدفاع عن الشيطان» (الولايات المتحدة، 1997م) الذي حول الصفقة الفاوستية إلى
كواليس عالم المال والمحاماة في نيويورك لإغواء شاب طموح بالتنازل عن مبادئه.
أما في السينما
المصرية، فقد ظهرت تجارب مبكرة وفارقة استلهمت الروح الفاوستية ببراعة شديدة،
أبرزها على الإطلاق فيلم «موعد مع إبليس» (مصر، 1955م) للمخرج كامل التلمساني ومن
تأليف جليل البنداري الذي اقتبس روح مسرحية جوته ليحكي قصة طبيب فقير يعقد صفقة مع
الشيطان ليكتشف أسرار الأمراض وينال شهرة واسعة.
وتلاه فيلم «المرأة
التي غلبت الشيطان» (مصر، 1973م) عن قصة توفيق الحكيم، وإخراج يحيى العلمي، حيث
تبيع امرأة دميمة فقيرة روحها لحفيد إبليس مقابل الجمال والثراء، ولكنها تستعيد
إرادتها الخيرة وتنتصر عليه في النهاية.
الدراما التلفزيونية.. من الأسطورة إلى الواقعية
وفي الدراما
التليفزيونية الحديثة، تخلت صفقة فاوست عن أبعادها الفانتازية المباشرة لتتحول إلى
شبكة معقدة وواقعية تعبر عن صراع الإنسان المعاصر مع الإغراءات المادية وسلطة
المال والمصالح وضغوط الحياة اليومية، حيث يبيع الباحثون عن الصعود الطبقي أو
السلطة أرواحهم تدريجياً عبر تنازلات صغيرة وصامتة.
وفي المشهد
المصري، نجد مسلسل «ونوس» ( مصر، 2016م)، وهو النموذج العربي الأبرز والمستوحى
بالكامل وبشكل صريح من أسطورة فاوست، لعب فيه الفنان يحيى الفخراني دور الشيطان «ونوس»
(ميفيستوفيليس)، بينما جسد الفنان نبيل الحلفاوي شخصية «ياقوت» (فاوست) الذي باع
عائلته واستقراره مقابل المال.
ركز العمل على
استدراج الإنسان شيئاً فشيئاً عبر نقاط ضعفه المختلفة حتى يتنازل عن روحه وقيمه
تمامًا.
كما قدم مسلسل «وعد
إبليس» (مصر 2022م) صيغة درامية حديثة لصفقة بيع الروح مقابل إنقاذ المحبوب في
مواجهة قوى الإغواء المطلق.
أما الدراما
الكويتية والخليجية، فعانت من شح هذه المعالجات، ومن المعالجات القليلة مسلسل «كف
ودفوف» (الكويت، 2021م) هذه الثيمة بوعي عميق، مفككاً دوافع السقوط الأخلاقي تحت
ضغط الطموح.
وفي اعتقادي
الخاص، أن هذا الشح في معالجة أسطورة فاوست بشكل مباشر أو فانتازي قد يرجع إلى
مجموعة من المحددات الثقافية، والرقابية، والإنتاجية التي شكلت هوية هذه الدراما
الملتزمة عبر عقودها الطويلة، بالإضافة إلى توجيهها الاهتمام الأكبر للدراما
الأسرية والاجتماعية.
زيف فاوست والمنصات الرقمية
إن صفقة فاوست
في مشهدنا المعاصر تحولت شيئاً فشيئاً إلى الكثير من منصات التواصل الاجتماعي
السلبية بكل ما تفرضه من دوائر رقمية مستعرة، ففيها قد يبيع الإنسان لحظات عمره،
وهدوء باله، وحضوره الحقيقي مقابل بضعة تفاعلات وهمية وإعجابات عابرة، لتصبح
المنصات الرقمية الشيطان الجديد الذي يوقع وثيقة الاستلاب اليومي مع البشر بمداد
الأضواء الزائفة، لتصبح المأساة متجسدة في أن إبرام العهد صار علناً وبكامل الرضا
في عالم يلهث خلف هيمنة وزيف فاوست التكنولوجي.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً