كيف يهذب اليقين الشهوة؟

صلة بن أشيم.. وانتصار اليقين على الجوع

صلة بن أشيم.. وانتصار اليقين على الجوع

روى جرير بن حازم، عن حميد بن هلال، عن صلة(1)، قال: خرجنا في قرية وأنا على دابتي في زمان فيوض الماء، فأنا أسير على مسناة(2) فسرت يوماً لا أجد ما آكل، فلقيني علج(3) يحمل على عاتقه شيئاً، فقلت: ضعه، فإذا هو خبز، قلت: أطعمني، فقال: إن شئت ولكن فيه شحم خنزير، فتركته، ثم لقيت آخر، فقلت: أطعمني، قال: هو زادي لأيام، فإن نقصته، أجعتني، فتركته.

فوالله إني لأسير، إذ سمعت خلفي وجبة(4) كوجبة الطير، فالتفت، فإذا هو شيء ملفوف في سب(5) أبيض، فنزلت إليه، فإذا دوخلة(6) من رطب في زمان ليس في الأرض رطبة، فأكلت منه، ثم لففت ما بقي، وركبت الفرس، وحملت معي نواهن.

قال جرير بن ‌‌حازم: فحدثني أوفى بن دلهم قال: رأيت ذلك السب مع امرأته فيه مصحف، ثم فقد بعد، وروى نحوه عوف، عن أبي السليل، عن صلة، فهذه كرامة ثابتة.(7)

ففي أسطر قليلة، يرسم الإمام الذهبي مشهدًا كاملًا؛ إنه طريق ضيق تحاصره المياه، ورجل أنهكه الجوع، وطعام محرم معروض، وطعام حلال يحتاج إليه صاحبه، ثم رزق يأتي في غير موسمه ومن غير طريق مألوف، وقد أورد الذهبي الخبر في ترجمة صلة بن أشيم، وختمه بقوله: «فهذه كرامة ثابتة»، مع ورود الرواية من طريق آخر يقوي أصلها.

غير أن جمال القصة لا يعفينا من دقة القراءة، فهي ليست دعوة إلى إهمال الأسباب، ولا إلى تعريض النفس للهلاك، ولا وعدًا بأن كل من ترك طعامًا محرمًا ستنزل عليه فاكهة من الغيب، إنما هو موقف تتداخل فيه التقوى والعدل ورباطة الجأش والتوكل، وتكشف قراءته المتأنية عن أخلاق الإنسان المؤمن حين تضيق به الموارد وتكثر أمامه المبررات.

كيف حولت العزلة والفيضان الطريق لاختبار حقيقي؟

يصف الذهبي، صلة بن أشيم، بأنه الزاهد العابد القدوة، أبو الصهباء العدوي البصري، وزوج العالمة العابدة معاذة العدوية، فهو من كبار التابعين الذين عُرفوا بالعبادة والجد في الطاعة، ولم يكن موقفه في الطريق حادثًا منفصلًا عن بنائه الإيماني، بل ثمرة لتربية طويلة ظهرت آثارها عندما جاءت ساعة الاختبار.

أما مسرح القصة فهو «زمان فيوض الماء»، وكانت المسناة بناءً أو حاجزًا يقام لرد الماء وتنظيم مجراه، وقد تتحول في وقت الفيضان إلى الممر المرتفع الوحيد الذي يمكن السير عليه، وكان صلة على دابته، يسير في طريق تحيط به المياه، وقد مضى عليه يوم لم يجد فيه ما يأكله.

وهذا الوصف لا يثبت أنه كان على وشك الهلاك، لكنه يثبت أنه كان في ضيق حقيقي، وأن خياراته لم تكن خيارات إنسان يجلس إلى مائدة واسعة، بل قرارات مسافر جائع في بيئة معزولة، وقد فسر محقق السير المسناة بأنها ضفيرة تبنى للسيل لترد الماء، كما فسر «العلج» في أصل اللغة بالرجل الشديد الغليظ، فلا يصح تحميل اللفظة وحدها حكمًا دينيًا أو اجتماعيًا لا يدل عليه النص، فلم يكن الجوع خلفية للقصة، بل كان الميدان الذي كُشف فيه رسوخ القيم.

خطورة تحميل الكرامة تفاصيل غيبية لم تثبت

ذكر الذهبي أن الرواية رويت أيضًا عن عوف، عن أبي السليل، عن صلة، ثم قال: «فهذه كرامة ثابتة»، كما أخرج أبو نعيم للخبر في «حلية الأولياء»، وحكم على إسناده بالصحة، وهذا يمنح القصة أصلًا روائيًا معتبرًا في باب أخبار الصالحين.

لكن إثبات الكرامة لا يعني فتح الباب لكل زيادة تخطر على ذهن الواعظ أو الكاتب، فالنص لا يقول: إن الرطب كان «من ثمار الجنة»، ولا يصرح بأنه نزل من السماء، وإنما يقول: إن صلة سمع صوتًا خلفه، فالتفت، فوجد شيئًا ملفوفًا وفيه رطب في غير أوانه، والوصف المنضبط أنه رزق خارق للعادة، لا أن ننسب إليه تفصيلًا لم يرد، فتعظيم الكرامة يكون بإثبات ما ثبت، لا بإضافة ما لم تقله الرواية.

الفرق الدقيق بين مشقة الجوع والضرورة المهلكة

كان الطعام الأول خبزًا خالطه شحم الخنزير، فتركه صلة، والأصل الشرعي واضح في تحريم الخنزير، لكن القرآن نفسه استثنى حالة الاضطرار فقال تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) (البقرة: 173)، وبيّن ابن كثير أن الآية أباحت تناول المحرم عند الضرورة وفقد الطعام البديل، بقدر الحاجة ومن غير تجاوز.

لذلك، لا يصح أن يقال: إن صلة رفض رخصة شرعية متحققة واختار تعريض نفسه للموت؛ فالرواية لا تذكر خوف الهلاك، ولا عجزه التام عن مواصلة الطريق، وإنما تذكر أنه لم يأكل يومًا، والجوع مؤلم، لكنه لا يساوي دائمًا الضرورة التي تبيح المحظور، كان صلة، بحسب ظاهر الخبر، لا يزال في دائرة المشقة التي يمكن تحملها، فبقي حكم الطعام على أصله.

وفي المقابل، لا يجوز اتخاذ القصة ذريعة لإنكار الرخصة على المضطر، فلو بلغ الإنسان حالًا يخشى فيها تلف نفسه أو ضررًا بالغًا، ولم يجد إلا الطعام المحرم، جاز له أن يأكل منه بقدر ما يدفع الضرورة، والتقوى ليست في رفض حكم الله تشددًا كما أنها ليست في التوسع في الرخصة تساهلًا؛ بل في وضع كل حكم في موضعه.

وهذا الضبط مهم في واقعنا، إذ تتسع كلمة «الضرورة» أحيانًا حتى تشمل الرغبة والرفاهية والخوف على المكاسب، بينما تضيق أحيانًا أخرى حتى يُحمّل الإنسان ما لم يكلفه الشرع، وورع صلة لم يكن إنكارًا للرخصة، وإنما تمسك بالأصل قبل تحقق الضرورة.

لماذا لم يحول ألم الجوع إلى عدوان؟

تكشف القصة عن قدر ملحوظ من الاتزان النفسي، فقد طلب صلة الطعام صراحة، ولم يتظاهر بالاستغناء وهو محتاج، لكنه حين عرف أن الطعام الأول محرم تركه دون خصومة، وحين علم أن طعام الثاني قوته المدخر تركه دون إكراه.

ولا تنقل الرواية غضبًا أو احتجاجًا أو اتهامًا للناس بقلة الرحمة، لم يحوّل صلة ألمه إلى عدوان، ولم يجعل حاجته سببًا لتغيير أحكام الأشياء في ذهنه، وهذه قدرة أخلاقية عميقة؛ أن يرى الإنسان الواقع كما هو، لا كما يريد له جوعه أو خوفه أن يكون.

فالضغط النفسي يضيّق عادة مجال النظر؛ يرى الإنسان حاجته وحدها، ثم يبدأ في صناعة المبررات: «أنا أولى»، «ليس أمامي خيار»، «الظرف استثنائي»، «سأعوضه لاحقًا»، أما صلة ففصل بين قوة الحاجة وحقائق الموقف، كان محتاجًا، لكنه لم يكن مالكًا لطعام غيره، وكان جائعًا، لكن الخبز لم يتحول بسبب جوعه من محرم إلى حلال ما دامت الضرورة غير متحققة.

وفي الأسرة والعمل والمجتمع، تظهر هذه القدرة حين يمنع الإنسان ضغطه من التحول إلى ظلم لمن حوله، فالمسؤول المرهق لا يملك إهانة موظفيه، والأب المثقل لا يملك تفريغ غضبه في أسرته، وصاحب الحاجة لا يملك تغيير الحدود الأخلاقية لمجرد أنه يتألم، فقوة صلة لم تظهر في احتمال الجوع وحده، بل في منع الجوع من قيادة قراراته والتحكم في أفعاله.

الفرق بين المواساة بالفضل وانتزاع القوت الضروري

الموقف الثاني أكثر دقة من الأول، فالطعام هذه المرة ليس محرمًا، وصاحبه لم يرفض الإطعام بغلظة، بل قال: «هو زادي لأيام، فإن نقصته أجعتني»، هنا التقت حاجتان؛ جوع حاضر عند صلة، وخوف معتبر من الجوع عند الرجل.

اختار صلة ألا ينقل أزمته إلى الآخر، ولو كان الرجل يملك فضلًا زائدًا عن حاجته، لدخل المقام في معنى المواساة التي حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «مَن كان معه فضلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ به على مَن لا ظَهْرَ له، ومَن كان له فضلٌ من زادٍ، فَلْيَعُدْ به على مَن لا زادَ له»(6)، لكن الرجل وصف ما عنده بأنه زاد موزع على أيام، لا فضل مستغنى عنه؛ ولهذا احترم صلة تقديره لحاجته ولم ينتزع منه شيئًا.

ويتصل ذلك بالأصل القرآني: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) (النساء: 29)، فالتراضي عنصر أصيل في المعاملات، والحاجة الشخصية لا تمنح صاحبها حق الاستيلاء على ما يحتاج إليه الآخر.

وفي أزمنة الأزمات والكوارث تظهر هذه الأخلاق في منع الاحتكار من جهة، ومنع الاعتداء على الملكيات والضروريات من جهة أخرى، فالعدالة ليست أن تحصل على النجاة بأي ثمن، بل ألا يكون ثمن نجاتك هلاك غيرك.

حين يمتنع القوي عن الظلم التزاماً بالقيم

يُنظر إلى القيادة غالبًا من خلال القدرة على توجيه الآخرين، لكن المشهد يعيدها إلى أصلها؛ القدرة على قيادة النفس، وصلة فارس على دابة، والرجل الثاني يحمل زاده، وكان من الممكن أن تمنح القوة المادية صاحبها شعورًا بالاستحقاق، غير أن صلة لم يستخدم موقعه لفرض حل يخدمه.

وهذه صورة دقيقة للقيادة الأخلاقية؛ فالقائد لا يُقاس فقط بنجاحه في الخروج من الأزمة، بل بالطريق الذي خرج به، قد تنجو المؤسسة ماليًا بالخداع، وقد ينجح الطالب بالغش، وقد يحافظ المسؤول على منصبه بتقديم الضعفاء أكباش فداء، لكن النجاح الذي يهدم المعايير ليس قيادة، وإنما تأجيل للأزمة الأخلاقية، فأول ميدان للقيادة هو النفس، وأول نجاح في الأزمة هو الخروج منها بلا ظلم.

خطورة انتظار الكرامة دون الأخذ بأسباب النجاة

لم يجلس صلة ينتظر الطعام؛ خرج، وسار، وسأل الأول، ثم سأل الثاني، ثم واصل طريقه، أخذ بالأسباب الممكنة، لكنه لم يجعل تعذر السبب المباح مسوغًا للسبب المحرم أو المؤذي.

وهذا هو المعنى الذي يجمعه حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّله؛ لرزقكم كما يرزق الطيرَ؛ تغدو خماصًا وتروح بطانًا»(7)، وفي صورته دلالة واضحة؛ أن الطير تخرج من أعشاشها جائعة، وتسعى، ثم تعود ممتلئة البطون؛ فالتوكل ليس سكونًا، بل حركة قلبية وعملية مع الاعتماد على الله، ويتصل المشهد بقوله تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق:2)، قال ابن كثير: ومن يتق الله فيما أمره به، وترك ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب؛ أي: من جهة لا تخطر بباله(8)، إن توكل صلة لم يلغ الحركة، وإنما منع الحركة من الانحراف حين تعسرت الطرق المباحة.

متى يتحول ترك الحرام إلى صفقة تجارية؟

يتجسد في المشهد معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّك لن تَدَعَ شَيئًا اتِّقاءَ اللهِ جَلَّ وعَزَّ إلَّا أَعْطاك اللهُ خَيْرًا مِنه»(9).

ترك صلة الطعام الأول لله، وترك طعام الثاني حتى لا يوقع بصاحبه ضررًا، فجاءه طعام طيب، بلا شبهة ولا خصومة، وفي وقت لا يوجد فيه الرطب عادة، غير أن التربية الصحيحة لا تقول للناشئ: اترك الحرام اليوم لتربح مالًا أكثر غدًا؛ فهذه صياغة تجارية للعلاقة مع الله، المؤمن يترك المحرم لأنه محرم ولو لم ير عوضه في الدنيا، ويعدل فهو مأمور بالعدل في كل أمره.

والعوض «الأخير» قد يكون مالًا، وقد يكون طمأنينة، أو حفظًا من بلاء، أو بركة في القليل، أو ثوابًا في الآخرة، أما في قصة صلة فقد جاء العوض في صورة حسية ظاهرة، فكانت الواقعة كرامة خاصة، لا شرطًا عامًا لصحة العبادة، من يترك لله لا يشترط صورة العوض ولا موعده، وإنما يثق أن ما عند الله خير وأبقى.

يتشكل اليقين ويسهم في بناء النفس

لم تكن كرامة صلة بن أشيم في العثور على الرطب وحده؛ فقد سبقتها كرامة أخلاقية تمثلت في قدرته على البقاء أمينًا حين اشتد الجوع، لم يجعل حاجته فتوى، ولم يجعل قوته حقًا، ولم يجعل توكله قعودًا، سأل، وتحرك، ورفض المحرم، وصان قوت غيره، ثم مضى.

وفي هذا الترتيب يكمن المعنى الأكبر؛ أن الفرج لم يسبق الاستقامة، بل جاء بعدها، وأن الرزق لم يُطلب على حساب الحق، بل انتُظر داخل حدوده، فالإنسان قد لا يختار الفيضان الذي يحاصره، ولا الجوع الذي يصيبه، ولا قلة البدائل التي تواجهه، لكنه يظل مسؤولًا عن الطريق الذي يسلكه للخروج.

وحين تتكرر في حياتنا صور الطعام المحرم والزاد الذي يحتاج إليه صاحبه، بأسماء مالية أو إدارية أو اجتماعية جديدة، يبقى سؤال صلة حاضرًا: هل نحمي قيمنا عندما يصبح لها ثمن؟ إن الجواب لا يُكتب في أوقات السعة، بل فوق مسناة ضيقة، تحيط بها المياه، ويثقل فيها الجوع، ولا يرانا فيها إلا الله.

الهوامش
  • 1 هو: صلة بن أشيم العدوي، من عدي الرباب، وهو عدي بن عبدمناة بن أد بن طابخة. أورده سعيد القرشي. ويُكنى أبا الصهباء. تعلَّم على يد حَبر الأمة، وابن عم النبي ابن عباس، وكان طاوس يقول: إن رجلًا يُقال له: أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس، وأخذ أيضًا عن قارئ القرآن على النبي ابن مسعود رضي الله عنه.
  • 2 مُسَنَّاة: سَدٌّ يُبْنَى فِي وَجْهِ الْمَاءِ (النهاية لابن الأثير).
  • 3 عِلْج: الرَّجُلُ الضَّخْمُ القَوِيُّ مِنْ كُفَّارِ العَجَمِ (النهاية لابن الأثير).
  • 4 وَجبَة: السُّقوطُ مع سَماعِ صَوتِ الحَرَكَةِ (النهاية لابن الأثير).
  • 5 السبّ: الثَّوْبُ الرَّقِيقُ مِنَ الْكَتَّانِ أَوِ الْخَزِّ (النهاية لابن الأثير).
  • 6 الدَّوْخَلَّةُ: سَفِيفَةٌ مِنَ الْخُوصِ يُجْعَلُ فِيهَا التَّمْرُ، والسَّفِيفَةُ: كُلُّ شَيْءٍ يُنْسَجُ مِنْ خُوصِ النَّخْلِ (لسان العرب).
  • 7 سير أعلام النبلاء 498/3
  • 8 أخرجه مسلم (1728) واللفظ له.
  • 9 أخرجه الترمذي (2344).
  • 10 تفسير بن كثير.
  • 11 أخرجه أحمد (20739).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة