صمود الأرامل.. ملحمة نساء غزة في زمن الفقْد
المرأة الغزية باتت
سداً منيعاً تتكسر عليه أمواج الظلم وحروب الإبادة وما تخلفه من الفقد والفقر، وهي
تتحمل عبء التاريخ وصناعة المستقبل، إنها قصة كفاح يومي تخطها الأرملة ومعيلة
الأيتام بدموع وصبر ورجاء بنصر الله للصابرين، امتثالاً لقوله تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:
156).
المأساة في أرقام.. الفقدان والنزوح
وفقاً لمعلومات
الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، حتى تاريخ 3 أغسطس 2025م، فإن المرأة في غزة لا
تواجه الحرب فقط، بل تواجه الفقدان الذي أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية؛ فالخسائر
البشرية تجاوزت الإحصاءات، وتحولت كل امرأة نازحة تقريباً إلى حاملة لقصة فقدان
لأفراد عائلتها، أو لمنزلها، أو لذكريات حياتها بأكملها.
- الفقدان: استشهدت آلاف النساء، فيما فقدت حوالي 13901 امرأة زوجها، وأصبحن مُعيلات لأسرهن.
- النزوح: تعرض نحو مليون امرأة وفتاة للنزوح القسري، وفقدن منازلهن وأحبائهن، ليكن العبء الأكبر لهذا الصراع.
- الإعالة:
تتحمل النساء ملحمة صمود يومية، حيث تقع عليهن مسؤولية كسب قوت اليوم وتوفير أبسط
الاحتياجات بعد خسارة أرباب الأسر في الحرب.
الصراع اليومي من أجل البقاء والتحمل
- التحمل والصمود: هو عنوان المرحلة، ففي ظل الخوف المستمر، تحافظ النساء على تماسك الأسر، رغم الجوع والإرهاق، لقد تغيرت ملامحهن بسبب ظروف المعيشة القاسية، وتجسد صراعهن في تفاصيل يومية مؤلمة.
- قسوة النزوح: البحث عن مأوى بديل، والتعامل مع ظروف الخيام التي تشتد حرارتها صيفاً وبردها شتاءً، وغياب الخصوصية والأمان.
- أعمال شاقة: تواجه النساء صعوبات بالغة في البحث عن الماء والطعام، والتعامل مع تحديات غسل الملابس والخبز والطهي على الحطب أو ما توفر منه، وهي أعمال تستنزف طاقتهن البدنية والنفسية.
- تهدهد الأمل
والجراح: تعيش الأم الأرملة صراعها الداخلي، تهدهد طفلها كي ينام آمناً بينما
الألم يثور في قلبها مع حلول الظلام، وكأنها ترسم له مستقبلاً من المقاومة
والفداء:
نَمْ يَا
صَغِيرِي إِنَّ هَذَا الْمَهْدَ يَحْرُسُهُ الرَّجَاءْ
مِنْ مُقْلَةٍ
سَهِرَتْ لِآلَامٍ تَثُورُ مَعَ الْمَسَاءْ
نَمْ فَلَسَوْفَ
أُرْضِعُكَ الْجِرَاحَ مَعَ اللَّبَنْ
حَتَّى أنَالَ
عَلَى يَدَيْكَ مُنَىً وُهِبَتْ لَهَا الْحَيَاةْ
يَا مَنْ رَأَى
الدُّنْيَا وَلَكِنْ لَمْ يَرَ فِيهَا أَبَاهْ
الأزمة الصحية ومضاعفاتها.. خطر يهدد الأمهات
أصبحت الأزمة
الصحية تهديداً وجودياً حقيقياً، حيث تفاقمت معاناة النساء بسبب تدمير المستشفيات
والمرافق الصحية:
1- توقف
العلاجات المتخصصة: أدى تدمير المرافق إلى توقف العلاجات الحيوية المتخصصة كالعلاج
الكيماوي والإشعاعي؛ ما يزيد من خطر وفاة النساء المريضات.
2- خطر المجاعة
على الحوامل: تواجه أكثر من 17 ألف امرأة حامل خطر المجاعة ونقص التغذية؛ ما يضاعف
من احتمالية حدوث مضاعفات تهدد حياتهن، وولادة أطفال مبتسرين أو يعانون من سوء
التغذية الحاد.
3- الولادة تحت
القصف: تضطر الحوامل إلى الولادة تحت القصف وفي ظروف صحية صعبة للغاية، ما يعرض
حياتها وحياة جنينها للخطر الفادح.
فضل الصابرات.. منزلة المرأة القائمة على الأيتام
في مواجهة هذا
العبء الثقيل، تستمد المرأة الغزية قوتها من إيمانها ومنزلتها الرفيعة، فضل رعاية
اليتيم معروف، وقد خصت السُّنة النبوية الشريفة المرأة التي تتولى رعاية أبنائها
الأيتام بفضل عظيم، رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنا وكافل اليتيم
في الجنة هكذا (وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً)».
كما ورد في فضل
الأرملة الصابرة: «الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو كالذي
يصوم النهار ويقوم الليل».
إن المرأة
الغزية اليوم هي تلك الأم التي قعدت على أيتام لها فأحسنت تربيتهم، وهي التي تجاهد
لتوفير لقمة العيش الكريمة لأطفالها، لتجمع بين فضل الجهاد وفضل كفالة اليتيم في
أعظم صوره، وعسى الله أن يعطي الله لمن أسهم في كفالتها أجر كافل اليتيم والساعي
على الأرملة والمسكين.
المقاومة بالصبر.. والتطلع إلى جنة الخلود
إن الدور الأكبر
للمرأة الأم والزوجة يكمن في غرس ثقافة الصمود والجهاد في نفوس الأجيال، حتى وهي
تقدم فلذات كبدها شهداء، للمرأة أكبر الأثر في هذا الصمود، وهي ترى الحفيد يسبق
الوالدين إلى الجهاد في سبيل رضوان ربه، لتطلق مقولتها التي تلخص مسيرة النضال: «سِبقَ
الحفيدُ الوَالِدينِ مجاهِداً.. وَلَدي خُذِ الحَجَر الكَريمَ مُجاهداً وابْنِ
بِهِ يَا زِينَةَ الأَبناءِ».
بهذا الإيمان
الراسخ، يتجذر التمسك بالأرض، وتستمد المقاومة استمرارها من صلب العائلة الغزية.
إن صمود المرأة
الغزية لا ينفصل عن الحق المشروع لشعبها في جهاد المحتل ومقاومته، فبقاء الاحتلال
هو ظلم فادح وعبء تاريخي لا يمكن السكوت عنه وخطر يهدد استقرار المشرق العربي.
وهذا الصمود
البطولي لأهل غزة هو ما ولّد التضامن العالمي الواسع، حيث تمسك الغزي بأرضه فتمسك
العالم بقضيته.
أولويات الدعم للتخفيف عن المرأة
1- مبادرة
التمكين الاقتصادي (الإعالة المستدامة): إطلاق مبادرة شاملة تتجاوز المساعدات
النقدية المؤقتة إلى تأهيل المرأة للإنتاج، عبر برامج تدريب مهني مكثفة، يتبع ذلك
تأسيس مؤسسة تتولى ما بعد الإنتاج لضمان جودة المنتجات، وإدارة سلاسل التوريد
والتسويق محلياً وعالمياً، لضمان الاستدامة الاقتصادية للأرامل ومعيلات الأسر.
2- الدعم
النقدي: توفير مساعدات نقدية عاجلة ومستمرة للأرامل وأمهات الأيتام.
3- إعادة إعمار
متخصصة وفورية: تسريع تمويل إعادة إعمار المنازل والمدارس والمرافق الصحية.
4- الدعم النفسي
المتخصص: إنشاء مراكز متخصصة للدعم النفسي للأمهات والأطفال.
5- تسهيل الوصول
الآمن: الضغط السياسي الدولي لضمان إدخال المساعدات الإنسانية والوقود دون عوائق.
إن دعم المرأة
الغزية اليوم ليس مجرد واجب إنساني، بل هو استثمار في صمود شعب بأكمله وحماية لجيل
الغد، فصمودها صمود للأسرة، والأسرة هي نواة الوطن، وهو يدخل في عموم قوله تعالى: (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ
فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ
وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 261).
اقرأ
أيضاً:
أولويات المرأة
الغزاوية بين ويلات الدمار
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً