«صوموا تصحوا».. دليلك الشرعي والطبي لصيام صحي

«صوموا تصحوا».. دليلك الشرعي والطبي لصيام صحي

يأتي شهر رمضان مرة واحدة كل عام، ويزداد شوقنا إليه كلما اقترب موعده، نستقبله بشوق ولهفة؛ إنه شهر سكينة النفس وطمأنينة الروح، شهر التقرب إلى الله بالصلاة والعبادة وقراءة القرآن.

وهو عبادة عظيمة فرضها الله على عباده، وجعلها ركنًا من أركان الإسلام، كما جاء في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمَن استطاع إليه سبيلًا» (متفق عليه).

فهو ليس شهر الصيام عن الطعام فقط، بل هو صيام عن الذنوب والشهوات، ندخله بحالة من الصفاء الروحي والسكون الداخلي، فتزكو أرواحنا وتهدأ نفوسنا.

رمضان مدرسة لتعليم ضبط النفس والتحكم في الشهوات، وهو شهر المغفرة والحصاد الروحي للمسلم، حيث تُغفر الذنوب وتُضاعف الحسنات.

غير أن الصوم الحقيقي لا يتحقق بالإمساك عن الطعام نهارًا ثم الإفراط فيه ليلًا؛ فليس من الحكمة أن يملأ الإنسان جوفه عند الإفطار وكأنه يعوض ما فاته طوال النهار، فقد روى الإمام أحمد، والترمذي وحسنه عن المقدام بن معد يكرب، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه».

فكيف نجني ثمار الصيام إذا انشغلنا بالطعام أكثر من انشغالنا بالعبادة؟

إن الصيام ليس امتناعًا مؤقتًا عن الأكل ثم الإسراف فيه بعد المغرب، بل هو تحقيق تقوى الله وهي الهدف الأسمى الذي نص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) التقوى هنا ثمرة الصيام.

ونلاحظ في رمضان أن موائد الطعام تمتلئ بأصناف متعددة لم تكن حاضرة في الأيام العادية، فيتحول الشهر الكريم إلى موسم للإكثار من الطعام بدل أن يكون موسمًا للسمو الروحي.

وكثيرًا ما يؤدي هذا الإفراط إلى الشعور بالتخمة والكسل، فيثقل الجسد وتضعف القدرة على الخشوع في الصلاة وأداء العبادة كما ينبغي.

لذلك، فإن الصيام الحق هو صيام الجسد والروح معًا؛ اعتدال في الطعام، وسمو في السلوك، وقرب من الله في القول والعمل.

فهكذا يخرج الصائم من رمضان وقد استراحت روحه، لكن جسده أيضًا يكون قد نال نصيبًا وافرًا من الراحة والتجديد، فالصيام ليس فقط تزكية للنفس، بل هو دواء للبدن كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا تصحوا»، وفي هذا السياق، يكشف العلم الحديث عن فوائد مذهلة للصيام، نستعرضها فيما يلي:

فوائد الصيام الجسدية

1- إراحة الجهاز الهضمي: يمنح الصيام المعدة والأمعاء فرصة للراحة من عملية الهضم المستمرة.

2- تنقية الجسم من السموم: يساعد على التخلص من الفضلات والمواد الضارة المتراكمة في الدم والأنسجة.

3- تحفيز حرق الدهون: مع انخفاض السعرات الحرارية، يبدأ الجسم في استخدام الدهون المخزنة كمصدر أساسي للطاقة.

4-  تنظيم مستوى السكر وضغط الدم: يسهم الصيام في تحسين حساسية الإنسولين والمساعدة على ضبط ضغط الدم.

5- تعزيز الجهاز المناعي: يحفز إنتاج خلايا جديدة ويقوّي مناعة الجسم الطبيعية.

6- صفاء الذهن والهدوء النفسي: يشعر كثير من الصائمين بزيادة التركيز وتحسن المزاج أثناء الصيام.

7- تجديد الخلايا (الالتهام الذاتي – الأوتوفاجي): يساعد الصيام الجسم على التخلص من الخلايا التالفة وتحفيز تجدد الخلايا السليمة.

8- تحسين صحة القلب: يساهم في خفض الكوليسترول الضار ورفع الكوليسترول النافع؛ ما يدعم صحة القلب والأوعية الدموية.

9- إبطاء مظاهر الشيخوخة: بفضل تقليل الالتهابات وتحفيز تجديد الخلايا.

كيف تخرج من رمضان بصحة أفضل؟

لشهر رمضان أثر عظيم في تهذيب النفس وتقوية الجسد، ويمكن استثمار أيامه بطريقة صحيّة تجعلنا نخرج منه أكثر نشاطًا وتوازنًا، ومن أهم الإرشادات الصحية خلال هذا الشهر:

1- الاهتمام بوجبة السحور:

السحور سُنّة نبوية مباركة تعين الصائم على الطاعة وتقوّي بدنه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تسحّروا فإن في السحور بركة».

ويُستحب الاهتمام بشرب كميات كافية من الماء، مع اختيار أطعمة غنية بالبوتاسيوم مثل التمر والموز ومنتجات الألبان، للحد من الشعور بالعطش والجفاف، والوقاية من تشنجات العضلات خلال ساعات الصيام.

2- ممارسة الرياضة باعتدال:

يُنصح بممارسة نشاط بدني خفيف قبل الإفطار بنحو نصف ساعة، مثل المشي أو الجري الخفيف، مع مراعاة تعويض السوائل جيدًا في وجبة السحور لتجنب الجفاف والإرهاق.

3- الإفطار بطريقة صحيّة:

من العادات الخاطئة الإفطار مباشرة على العصائر والمشروبات الغنية بالسكريات ثم تناول الطعام بعدها فورًا، لما لذلك من آثار سلبية على الجهاز الهضمي، من أبرزها:

  • تحفيز المعدة على إفراز العصارات الهضمية بشكل مفرط؛ ما يسبب الحموضة والارتجاع المريئي والتقلصات والغازات، خاصة عند تناول العصائر الحامضية على معدة فارغة.
  • الشعور بعسر الهضم والغثيان نتيجة الانقباض المفاجئ للمعدة.
  • اضطراب مستوى السكر في الدم بسبب الامتصاص السريع للسكريات؛ ما يؤدي إلى ارتفاع حاد يعقبه انخفاض سريع يسبب التعب والخمول.
  • ضعف كفاءة الجهاز الهضمي وزيادة فرص الإصابة بالإمساك.
  • زيادة الشهية لاحقًا نتيجة ارتفاع هرمون الإنسولين؛ ما قد يؤدي إلى الإفراط في تناول الطعام.

والطريقة الصحيحة للإفطار هي:

يُستحب عند سماع أذان المغرب أن يُفطر الصائم على تمر وكوب من الماء، ثم يؤدي صلاة المغرب، وبعدها يتناول وجبته الرئيسة بهدوء وتأنٍّ؛ وذلك لتهيئة المعدة لاستقبال الطعام تدريجيًا.

ويُفضل أن يكون الطبق متوازنًا وفق القاعدة الغذائية التالية:

  • نصف الطبق من الخضراوات.
  • ربع الطبق من البروتين.
  • ربع الطبق من الكربوهيدرات الصحية.

كما يُنصح بالبدء بتناول البروتين والخضراوات أولًا، ثم الكربوهيدرات، مع الأكل ببطء وتأنٍّ، حتى يصل الإنسان إلى الشعور بالشبع دون إفراط أو ثِقَل.

الهوامش
  • 1 https://www.myhealthlondon.nhs.uk/be-healthier/lose-weight/benefits-of-fasting/
  • 2 https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC7732631/
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة