ماذا تفعل الزوجة إذا منعها زوجها من زيارة أهلها؟

طاعة الزوج أم طاعة الوالدين.. أيهما أولى؟

طاعة الزوج أم طاعة الوالدين.. أيهما أولى؟

من أعظم وأقدس الروابط الإنسانية رابطة الزوجية، فهي آية ربانية وسُنة كونية، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ‌أَزْوَاجًا ‌لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) (الروم: 21)، وقال عز وجل: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا ‌زَوْجَيْنِ) (الذاريات: 49)، فإذا تقاطعت رابطة الزوجية مع رابطة الوالدية، فإن الأحكام الفقهية تتدخل لبيان الواجب الشرعي، بعيداً عن الأهواء والمصالح الشخصية، ويبلغ هذا الأمر صعوبته حين تسأل الزوجة الحائرة بين أمر زوجها وأهلها: ماذا أفعل؟ هل أقوم بواجب طاعة الزوج، أم بر الوالدين؟

من حقوق الزوج على زوجته

1- الطاعة في المعروف:

يجب على المرأة أن تطيع زوجها فيما يأمر به وينهى عنه إلا إذا أمرها بمعصية، ففي سنن أبي داود بسند صححه الألباني عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا ‌أَنْ ‌يَسْجُدَ ‌لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحَقِّ»؛ فعلى المرأة أن تطيع زوجها في كل ما يصدر منه بشأن الأسرة بشرط أن يكون ذلك موافقاً للشرع، أما إذا أمرها بما يخالف الشريعة فليس له عليها طاعة.

2- ألا تخرج الزوجة من بيته إلا بإذنه في غير ضرورة:

في مسند أبي يعلى أنه صلى الله عليه وسلم قال: «وَمِنْ حَقِّ الزَّوجِ عَلَى الزَّوجَةِ أَنْ لا تَخْرُجَ مِن بَيْتِهِ إلا بِإِذْنِهِ، فَإنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ لَعَنَتْهَا الملائِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ أَوْ تَتُوبَ»؛ فالأصل في حق الزوج ألا تخرج المرأة من البيت إلا بإذنه، واشترط الفقهاء في ذلك أن يكون البيت صالحاً للسكنى، فإن لم يكن صالحاً للسكنى كأن خافت سقوطه عليها، أو لم يكن له مرافق، فلها الخروج منه.

وقد ذكروا أسباباً لجواز خروج المرأة بغير إذن زوجها من المنزل: منها الخروج إلى مجلس العلم، إذا وقعت لها نازلة وليس الزوج فقيهاً، ومنها الخروج إلى حجة الفرض إذا وجدت محرماً تخرج معه، فليس للزوج منعها من ذلك(1).

مذاهب الفقهاء في حكم منع الزوجة من زيارة أبويها

يرى الحنفية أنه ليس للزوج منع زوجته من عيادة والد زَمِن (يعني كبير مريض) ليس له من يقوم عليه، ولا يجب عليها طاعة زوجها إن منعها من ذلك، سواء كان الوالد مسلماً أم كافراً؛ لأن القيام بخدمته فرض عليها في مثل هذه الحالة فيقدم على حق الزوج(2).

ويرى المالكية أنه لا يجوز للزوج أن يمنع زوجته من الخروج لدار أبيها وأخيها إن كانت مأمونة(3).

وقال الشافعية والحنابلة: ليس لها الخروج لعيادة أبيها المريض إلا بإذن الزوج، وله منعها من ذلك، ومن حضور جنازته؛ لأن طاعة الزوج واجبة، فلا يجوز ترك الواجب بما ليس بواجب.

وقالوا: لكنه ينبغي ألا يمنعها من عيادة والِدَيْن مريضين وحضور جنازتهما؛ لأن في ذلك قطيعة لهما وحملاً لزوجته على مخالفته، وقد أمر الله تعالى بالمعاشرة بالمعروف، ومنعها من عيادة والد مريض ليس من المعاشرة بالمعروف في شيء(4).

خلاصة الأقوال

الأصل أن الإسلام أمر بالمعاشرة بالمعروف بين الزوجين، حيث قال تعالى: (‌وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: 19)، وليس من المعروف أن يمنع الرجل زوجته من صلة رحمها وزيارة أهلها، فلا يجوز منعها إلا لضرورة شرعية، فإذا وجدت هذه الضرورة فله أن يمنعها، وواجب عليها طاعته.

متى يمنع الزوج زوجته من زيارة أهلها وتجب عليها الطاعة؟

يجوز للزوج أن يمنع زوجته من زيارة أهلها إذا تيقن بوقوع الضرر بسبب الزيارة، سواء كان هذا الضرر دينياً أم دنيوياً، كأن يترتب على هذه الزيارة مفسدة وضرر، فلو علم الزوج علم اليقين بأن والدي الزوجة يحرضانها على النشوز وعلى عدم طاعة الزوج، ويحسّنان لها فعل ما لا يجوز شرعاً مثل خروجها سافرة غير ملتزمة بالحجاب الشرعي، فإنه يجوز للزوج أن يمنعها من زيارة والديها صيانة لها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الْمَرْأَةُ إذَا تَزَوَّجَتْ ‌كَانَ ‌زَوْجُهَا ‌أَمْلَكَ بِهَا مِنْ أَبَوَيْهَا وَطَاعَةُ زَوْجِهَا عَلَيْهَا أَوْجَبُ»(5).

ففي استجابتها له صيانة لرابطة الزوجية، ووسيلة إلى جلب رضا الزوج من خلال طاعته.

متى تقدم المرأة طاعة الوالدين على طاعة الزوج في مسألة زيارة أهلها؟

إذا وجد العجز المحقق الذي يمنع أهلها من زيارتها، ولم يكن هناك مانع شرعي من زيارتهم؛ فإن الذي ينبغي أن يفتى به هو قول الحنفية والمالكية، وهو عدم جواز منع المرأة من زيارة أهلها، فإذا صرح الزوج لزوجته بزيارة والديها فإنها تخرج بلباسها الشرعي ملتزمة بآداب ديننا الحنيف.

فإن رفض الزوج ذهابها وأصر على الرفض كان لها الخروج بغير إذنه إذا كانا عاجزين عن الحضور إليها، ولا يترتب على خروجها ضرر ولا تقصير في حق زوجها وبيتها.

وهنا ينبغي الالتفات إلى أمور:

أ- على الزوج ألا يتعسف في استعمال حقه، فيمنع الزوجة من صلة والديها وزيارتهما، إلا إذا كان هناك سبب شرعي.

ب- الزوجة الفطنة الذكية تستطيع بهدوء أن تحمل زوجها على السماح لها بزيارة والديها، وذلك بدلاً من خروجها كرهاً عنه، محافظة على استقرار البيت(6).

هل حديث عدم زيارة الزوجة لوالدها المريض ودفنه بعد موته لأنها لم تستأذن زوجها صحيح؟

روى الطبراني عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ رَجُلًا خَرَجَ، وَأَمَرَ امْرَأَتَهُ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا، وَكَانَ أَبُوهَا فِي أَسْفَلِ الدَّارِ، وَكَانَتْ فِي أَعْلَاهَا، فَمَرِضَ أَبُوهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: «‌أَطِيعِي ‌زَوْجَكِ»، فَمَاتَ أَبُوهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «‌أَطِيعِي ‌زَوْجَكِ»، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِأَبِيهَا بِطاعَتِهَا لِزَوْجِهَا».

أما درجة الحديث فقد طعن في صحته العلماء، سنداً ومتناً.

أما سند الحديث فقد قال الهيثمي: ضعيف(7)، وقال العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين: ضعيف.

وأما متن الحديث فهو يعارض أمورًا مجمعًا عليها، حيث إن للأب حقوقًا عليها لا تحصى، أقربها وأظهرها ما يلي(8):

1- حق الأبوة، لقوله تعالى: (‌وَقَضَى ‌رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (الإسراء: 23).

2- حق الإسلام، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «‌حَقُّ ‌الْمُسْلِمِ ‌عَلَى ‌الْمُسْلِمِ ‌خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ».

3- حق الآدمية أو حق الإنسانية، ففي مسند أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا ‌تُنْزَعُ ‌الرَّحْمَةُ ‌إِلَّا ‌مِنْ ‌شَقِيٍّ».


اقرأ أيضا:

بر المعلم أم بر الوالدين

حقوق الزوجية الخاصة

__________________

(1) الموسوعة الفقهية الكويتية (24/ 58).

(2) الفتاوى الهندية (1 / 340)، وشرح فتح القدير (3 / 304).

(3) التاج والإكليل لمختصر خليل (4/ 185).

(4) المغني: ابن قدامة (7 / 20)، والمجموع: النووي (16 / 411).

(5) مجموع الفتاوى (32/ 261).

(6) المفصل في أحكام المرأة والبيت الإسلامي: د. عبدالكريم زيدان (7/ 295) وفقه الزواج: د. محمد إبراهيم الحفناوي، ص 291.

(7) مجمع الزوائد (4/ 313).

(8) فقه الزواج: د. محمد إبراهيم الحفناوي، ص 289.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة