طليق الرحمن .. معجزة من معجزات عاقبة الصبر

سعد الحسن

31 مارس 2026

572

طليق الرحمن .. معجزة من معجزات عاقبة الصبر

رُوي عن الحسن البصري رضي الله تعالى عنه قال: كنت بواسط، فرأيت رجلا ‌كأنه ‌قد ‌نُبِشَ من قبر، فقلت: ما دهاك يا هذا؟ فقال: أكتم علي أمري، حبسني الحجاج منذ ثلاث سنين، فكنت في أضيق حال، وأسوأ عيش، وأقبح مكان، وأنا مع ذلك كله صابر لا أتكلم، فلما كان بالأمس أُخْرِجَتْ جماعةٌ كانوا معي، فضُرِبَتْ رقابُهم، وتحدَّث بعضُ أعوان السجن أن غداً تُضْرَبُ عنقي، فأخذني حزنٌ شديد وبكاء مفرط، وأجرى اللهُ تعالى على لساني فقلتُ:

إلهي اشتد الضُّرُّ وفُقِدَ الصَّبْرُ وأنت المُستعان، ثم ذهب من الليل أكثره، فأخذتني غشيةٌ، وأنا بين اليقظان والنائم إذ أتاني آتٍ فقال لي: قُمْ فصلِّ ركعتين وقل: يا من لا يشغله شيء عن شيء، يا من أحاط علمُه بما ذَرَأَ وبَرَأَ وأنت عالمٌ بخفيَّات الأمور ومحصي وساوس الصدور، وأنت بالمنزل الأعلى، وعلمك محيط بالمنزل الأدنى، تعاليت علوًّا كبيرًا، يا مغيثُ أغثني، وفُكّ أسري، واكشف ضري، فقد نفد صبري.

فقمت وتوضأت في الحال وصليت ركعتين وتلوت ما سمعته منه، ولم تختلف عليّ منه كلمة واحدة، فما تم القول حتى سقط القيد من رجلي ونظرت إلى أبواب السجن فرأيتها قد فتحت. فقمت، فخرجت ولم يعارضني أحد، فأنا والله طليق الرحمن، وأعقبني الله بصبري فرجًا، وجعل لي من ذلك الضيق مخرجًا، ثم ودَّعني وانصرف يقصد الحجاز.

بيان وفوائد:

1. فضل الصبر وعاقبته

الرجل صبر ثلاث سنوات في أشد الضيق دون شكوى، فكانت العاقبة فرجًا عظيمًا. وهذا يرسّخ أن الصبر، مهما طال، لا يضيع عند الله.

2. اللجوء إلى الله عند الشدائد

عندما اشتد عليه الكرب، لم يجد ملجأ إلا الدعاء، فكان الفرج مباشرة بعد صدق التوجه. فيه إشارة إلى أن الفرج الحقيقي يأتي من التعلق بالله لا بالأسباب فقط.

3. قوة الدعاء وأثره

الدعاء الذي أُلهمه كان سببًا في انكشاف الكرب، مما يدل على عظيم أثر الدعاء، خاصة إذا صدر من قلب منكسر صادق.

4. أن الفرج قد يأتي فجأة

بعد زمن من اليأس وقرب الموت، جاء الفرج بشكل غير متوقع (سقوط القيد وفتح الأبواب)، وهذه رسالة أن الفرج قد يكون قريبًا جدًا ولو بدا بعيدًا.

5. الابتلاء ليس علامة على الهوان

الرجل كان في ضيق شديد، لكن ذلك لم يكن إهانة له، بل كان تمهيدًا لرفعته وإظهار لطف الله به.

6. الإخلاص في الصبر وعدم الشكوى للخلق

قوله: "وأنا مع ذلك كله صابر لا أتكلم" يدل على كتمان الشكوى عن الناس، والتوجه بها إلى الله وحده.

7. حسن الظن بالله

رغم شدة الموقف، كان دعاؤه مليئًا بتعظيم الله والثقة به، فكان الجزاء على قدر هذا الظن.

8. تذكير بزوال الظلم

ذكر الحجاج (رمز الظلم في القصة) يوحي بأن الظلم مهما طال فمصيره الزوال، وأن الله ينصر المظلوم ولو بعد حين.

9. الفرج بعد الشدة سنة إلهية

القصة تجسد قاعدة عظيمة: كل ضيق يعقبه سعة، وكل كرب وراءه فرج.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة