ظاهرة الانتحار.. والمسؤولية المجتمعية

تجتاح مجتمعاتنا أزمة مركبة، منشؤها الابتعاد عن هدي الإسلام واستبدال تشريعات الأسرة بما يُربك توازنها ويُضعف قوامها، فتضيع الحقوق بين عجزِ معيلٍ مُثقَلٍ بالأحكام، وأمٍّ مُنهَكةٍ بين المحاكم، في بيئات أنهكها الفقر واتسعت فيها الفوارق، ومع غياب التكافل والزكاة، يتفكك نسيج الرحمة، ويبهت معنى الأخوة الذي به تقوم الحياة، فتغدو حوادث الانتحار صرخة مجتمع مختل، لا مجرد خطيئة فرد منهار.

ويبقى السؤال المؤلم: أين كان الجميع قبل أن يسقط إنسانٌ إلى حافة الهلاك؟

النفس في ميزان الإسلام حرمة يجب حفظها

أعلى الإسلام من قيمة النفس البشرية، وأسس لنظرة كبيرة لها حين جعل حفظها من أعظم مقاصد الشرع، يقول تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً {29} وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً) (النساء)، ويقول تعالى: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: 32)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة» (أخرجه البخاري، ومسلم).

هذه النصوص تؤكد حرمة الدماء سواء كانت للغير أو للنفس، وواجب المجتمع منعها والتعاون على تجفيف جذورها ببحث أسبابها ووضع حلول عاجلة قبل استفحال الأمر والاستهانة بدماء سوف يعود إثمها على المجتمع.

بين الإثم الفردي والتقصير الجماعي

لا تنفي النصوص الشرعية مسؤولية الفرد عن نفسه حين يتخذ قرار الانتحار، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح، فأخذ سكيناً نحر بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله عز وجل: عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة» (رواه الشيخان)، لكن ذلك أيضاً لا ينفي المسؤولية المجتمعية تجاه المنتحر، ولا يعفي من حوله من الولوغ في دفعه للهاوية حين تركوه وحيداً يواجه مشكلاته الدافعة لذلك.

المنتحر ليس كارهاً للحياة، وإنما ربما يكون عاجزاً عن عيشها كما يريد، أو عاجزاً عن تلبية مسؤولياته، وهو لم يعجز عن ذلك إلا لتخلي شخص ما عن مسؤوليته.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته؛ فالأمير الذي على الناس راع عليهم وهو مسؤول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على بيت سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (أخرجه الشيخان).

فهناك مسؤول قصَّر، أو أب، أو زوج تخلى، أو داعية لم يبلغ رسالته، أو معلم كان همه كسب المال، أو مجتمع لم يؤد واجبه نحو المحتاج، المجتمع ليس شاهداً على الجريمة، إنما هو مشارك فيها وصانع لها بقدر يعلمه الله تعالى.

العزلة.. الطوق الذي نصنعه حولنا بأيدينا

من أشد الأوقات خطورة أن يعزل الإنسان نفسه في أوقات الضعف والمحن والأزمات، فهو بذلك إنما يسجن نفسه مع الشيطان يوسوس له بما يريد، ولذلك فقد منع الإسلام تلك المشاعر من الأساس لمن يحسن اتباعه، فدفع المسلمين جميعاً لرعايته والالتفاف حوله، والالتحام مع مشكلاته.

ويبرز السؤال الأليم: هل ما زالت المجتمعات المسلمة كالجسد الواحد؟ لقد اتسعت الفجوة بين الناس، واستبدلت علاقات التواصل الاجتماعي السطحية بصلة الرحم فانقطعت الروابط، وبالتزامن ظهر معها التنطع وسوء تأويل النصوص الإسلامية والهجوم على المستضعفين واتهامهم بالضعف الإيماني بدلاً من مواجهة الظلم الاجتماعي الذي يتوسع في كل دقيقة، فيدفع المظلوم للعزلة ومكابدة مشاعر الوحدة لنفاجأ بتلك المآسي التي تقع على مرأى ومسمع من الجميع.

هجوم اجتماعي غير مبرر!

الإسلام لا ينكر المرض النفسي إذا كان ناتجاً عن اضطراب هرموني أو كيميائي بالجسد، فهو مثله مثل أي مرض آخر، والنبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء، إلا وضع له شفاء، أو دواء، إلا داء واحداً»، قالوا: يا رسول الله، ما هو؟ قال: «الهرم» (رواه أصحاب السنن)، فلم يحدد أي مرض، وإنما تركها مطلقة؛ لأن النفس تمرض كما أن الجسد يمرض.

يقول د. محمد حسن مهدى، أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية: إن ضغوط الحياة فرضت نفسها على المجتمعات والشعوب وتركت آثارها السلبية تنال من النفوس حتى أصابتها بعلل وأمراض، وأبرز تلك الأمراض مرتبطة بالنفس حتى أوجد لها أقساماً بكليات الطب تعنى بالأمراض النفسية؛ لأن الأمراض العضوية والجسدية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأمراض النفسية، كالسكر والضغط وأمراض القلب وغيرها من تلك الأمراض ما نراها تنشأ إلا من خلال المرض النفسي الذي يصيب النفس البشرية.

وأوضح أن علاج تلك الأمراض العضوية إنما يكون بالعلاج النفسي للأمراض النفسية التي تصيب الإنسان فتسبب الأمراض العضوية والجسدية، مطالباً المجتمعات بعدم النظر للمريض النفسي نظرة دونية، أو تكون هناك وصمة تلاحقه وتجعل منه رافضاً للعلاج النفسي، وهو ما ينذر بأعراض عديدة تلاحق صاحبها كالاكتئاب النفسي والعقلي، التي قد تدفعه في نهاية المطاف إلى الانتحار(1).

مسؤولية المؤسسات

لا يمكن اختصار المسؤولية في أفراد كالأهل والمحيطين، بل هناك مؤسسات دعوية وتعليمية وإعلامية وفنية، فالمسجد يجب أن يكون ملجأ المقهورين أو أصحاب المشكلات، وليس مجرد مكان للعبادة وأداء الصلوات في معزل عن المجتمع، إنه مسؤول عن حل المشكلات بمنعها من الأساس، أو بتقوية أصحابها على مواجهتها، إنه داعم كبير في اتجاه تربية إيجابية.

وأما المدرسة، فيجب إعادة العلاقة بين المعلم والطالب، لتشمل العملية التعليمية القيام بأعمال تربوية، وأما الإعلام فعليه الدور الأخطر بما يبثه من رسائل سلبية تتعارض مع مقاصد الدين، خصوصاً فيما يتعلق بالفن والدراما التي قلبت الحقائق وتزييف المفاهيم.

يجب أن نطرح سؤال مهماً: من المسؤول؟ ليكون الجواب الجميع مسؤول ابتداء من المنتحر الذي لا يبرّئه الإسلام، وانتهاء بالمجتمع كله.


اقرأ ايضا 

ظاهرة الانتحار.. كيف عالجها القرآن

الانتحار والانسحاب من المهمة الكبري

الهوامش
  • 1 صوت الأزهر تحت عنوان «على المجتمع أن يتخلى عن نظرته للمرضى النفسيين»، 17 أبريل 2019م.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة