ظاهرة التدين النفسي.. حين تتحول السكينة من ثمرة إلى غاية

غلاف مقال بعنوان ظاهرة التدين النفسي، للدكتور: هدى النمر، بمجلة المجتمع

ظاهرة التدين النفسي 

اتسعت مساحة الحديث عن الصحة النفسية في العقود الأخيرة، وتكاثرت عيادات العلاج النفسي، وامتلأت وسائل التواصل بخطابات الرفاه الداخلي، حتى أصبح الإنسان المعاصر يقيس جودة حياته بقدر ما يشعر به من هدوء، واتزان، وراحة، وسلام داخلي، وليس في هذا الاهتمام ما يُستنكر في ذاته؛ فالنفس تحتاج إلى الرعاية كما يحتاج الجسد، وقد جاء الإسلام رحمةً للإنسان كله.

غير أن هذه الثقافة الحديثة لم تقف عند حدود الطب والعلاج، بل أخذت تتسلل إلى مجالات أخرى، ومنها المجال الديني، فأعادت تشكيل علاقة بعض الناس بالعبادة نفسها، وهنا برز نمط من التدين يمكن تسميته بـ"التدين النفسي»؛ وهو نمط تدين لا ينكر الدين بل يتّكل عليه، ولا يعارض الشعائر بل يلتزم بها، لكنه يجعل مركز الرحلة هو الشعور الداخلي قبل العبودية، والراحة النفسية قبل الامتثال، وتخفيف القلق قبل تحقيق مراد الله تعالى.

وصاحب هذا التدين لا يقصد الانحراف عن الدين، بل يقصد الخير غالبًا، فهو يلجأ إلى القرآن ليهدأ، وإلى الصلاة ليستريح، وإلى الدعاء ليخف اضطرابه، وإلى الذكر ليشعر بالسكينة، وكل هذه المعاني حق؛ فالقرآن وصفه الله بأنه (شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) (الإسراء: 82)، وقال سبحانه: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28)، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة موطن أنسه، فقال: «وجُعلت قرّة عيني في الصلاة».

لكن الخلل لا يبدأ من طلب السكينة، وإنما يبدأ حين تتحول السكينة إلى الغاية الكبرى، وتصبح المعيار الذي تُوزن به العبادات، فيتحول السؤال من: كيف أعبد الله؟ إلى كيف أشعر بتحسن؟ ومن كيف أرضي ربي؟ إلى كيف أرتاح نفسيًا؟ وهنا تنقلب البوصلة في هدوء.

فبدل أن تكون الراحة ثمرةً للعبودية، تصبح العبودية وسيلةً للراحة، وبدل أن يكون الله تعالى هو مقصود العبد، تصبح النفس –من حيث لا يشعر صاحبها– هي مركز الرحلة، ومدى حضور مزاجها أو ميولها هي الموجّه لها، فكأن صاحبها هو الخَصْم والحَكَم معًا!

ولهذا انتشرت ظاهرة الانتقاء من الخطاب الشرعي ما يوافق الحاجة الشعورية؛ فيحب المرء آيات السكينة، ويأنس بأحاديث الرحمة، ويُكثِر من المقاطع التي تتحدث عن السلام الداخلي، لكنه يضيق بخطاب المجاهدة، والتوبة، والمحاسبة، والصبر، والانضباط، ومخالفة الهوى، وكأنّ الدين عنده مُطالبٌ بأن يريحه دائمًا، لا أن يربّيه.

وهكذا يتكون تدين رقيق العبارة، جميل الصورة، سريع التأثر، لكنه هشٌّ أمام التكاليف الثقيلة، قليل الصبر في مواسم الجفاف الإيماني، شديد التقلب عند كل عارض، فإذا وجد انشراحًا أقبل على الطاعة، وإذا غابت اللذة ضعفت همته، لأنه اعتاد أن يقيس العبادة بما تُحدثه فيه من شعور، لا بما تحققه من عبودية.

وهذا خلاف التربية القرآنية التي تجعل الامتثال سابقًا على الشعور، وتجعل التسليم لله أصلًا تُبنى عليه الأحوال كلها، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56)، وقال سبحانه: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البينة: 5)، فلم يجعل القرآن غاية الإنسان أن يشعر بالسكينة، وإنما أن يحقق العبودية؛ فإذا استقامت العبودية، جاءت السكينة في موضعها الصحيح.

ولهذا لم يكن السلف يقيسون صحة العبادة بما يجدونه من انشراح، بل بصدق الإقبال على الله تعالى، والثبات على الطاعة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» (متفق عليه)، فالمعيار هو الدوام، لا دوام الشعور، لأن القلب يمر بحالات من الإقبال والإدبار، أما العبودية فتبقى واجبة في الحالين.

أسباب ظاهرة التدين النفسي

ومن أسباب شيوع هذا النمط من التدين أن الثقافة الحديثة جعلت «الذات» مركز العالم، فالإنسان يسمع كل يوم رسائل متكررة: راقب مشاعرك، احمِ حدودك، ابحث عن سعادتك، قدّم راحتك، اصنع نسختك الأفضل، وهذه التوجيهات قد تكون نافعة في سياقاتها، لكنها حين تنتقل إلى المجال الإيماني دون تهذيب، تجعل الدين نفسه جزءًا من مشروع الرفاه الشخصي، بدل أن يكون طريقًا إلى الله.

وهنا يقع التحول الأخطر؛ إذ تصبح قيمة العبادة مستمدة من أثرها النفسي العاجل، فإن هدأت النفس، شعر صاحبها أن العبادة ناجحة، وإن تأخر أثرها، تسلل إليه الفتور، وكأن الصلاة جرعة استرخاء، أو الذكر تقنية لتنظيم الانفعالات، أو الدعاء وسيلة لتخفيف التوتر، بينما العبد الصادق يصلي لأن الصلاة حق الله عليه، ويقرأ القرآن لأنه كلام ربه، ويدعو لأنه عبد فقير، ويصبر لأن الصبر عبودية، ثم يترك ثمار ذلك لله، يمنحها متى شاء، وبالقدر الذي يشاء.

ومن أعظم ما يحرر الإنسان من أسر التمركز حول ذاته أن يتأمل قول الله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 162)، فهذه الآية تنقل الإنسان من سؤال: بماذا أشعر؟ إلى سؤال: لمن أعيش؟ ومن البحث عن راحة النفس إلى تحقيق حق الرب.

وحين تستقيم هذه البوصلة، لا تختفي الطمأنينة، بل تأتي في مكانها الصحيح؛ لا بوصفها غايةً تُطلب لذاتها، وإنما ثمرةً يهبها الله لعباده الصادقين، فهي نورٌ يفيض من معرفة الله تعالى، وسكينةٌ تتولد من حسن العبودية، لا مجرد إحساس عابر يبحث عنه الإنسان في زحام ذاته.

ولهذا قال تعالى: (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) (التغابن: 11)، ولم يقل: ومن يطلب هداية قلبه يؤمن بالله، فالآية رتبت هداية القلب على الإيمان، وجعلت السكينة أثرًا من آثاره، وقد ذكر المفسرون أن معناها أن من صدق بالله، ورضي بقضائه، وسلَّم لأمره، هداه الله إلى الطمأنينة، والثبات، والرضا عند النوازل، فالهداية هنا ليست مجرد معرفة الحق، بل هداية القلب إلى حسن التعامل مع أقدار الله وأوامره.

وهذا يذكِّر المؤمن بأن القلوب ليست بيده، وإنما بيد الله؛ فهو سبحانه مقلب القلوب وهاديها، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك» (أحمد، 17630)، فالهداية، والخشوع، وحلاوة الإيمان، والأنس بالعبادة، كلها عطايا ربانية يفيض بها الله على من يشاء، في الوقت الذي يشاء، وبالقدر الذي يشاء، فقد يجاهد العبد نفسه على عبادةٍ سنوات طويلة، ثم يفتح الله عليه فيها فجأة، وقد يجد في عبادة أخرى من الإقبال والأنس ما لم يسبق له إليه كبير مجاهدة، وليس هذا لأن العبادة الأولى كانت أقل فضلًا، ولا لأن الثانية كانت ثمرة استحقاقه، وإنما لأن الفضل كله لله، يؤتيه من يشاء.

أما الذي يملكه العبد حقًا، فهو أن يبقى دافعه إلى الطاعة امتثال أمر الله تعالى، لا حضور اللذة أو غيابها، ولا إقبال النفس أو إدبارها، فإذا وجد انشراحًا حمد الله تعالى، وإن وجد جفافًا صبر ولزم الباب، عالمًا أن العبودية لا تتغير بتغير المشاعر، وأن وظيفة العبد هي الصدق في السعي، أما فتح القلوب وهدايتها فبيد رب القلوب وحده.

وهذه هي المفارقة التي يغفل عنها كثير من الناس؛ فكلما جعلت الطمأنينة غايتك استعصت عليك، وكلما جعلت غايتك عبادة الله ورضاه ساقها الله إليك من حيث لا تحتسب، فالدين لم يأتِ ليجعل الإنسان يشعر بأنه بخير فحسب، وإنما جاء ليجعله عبدًا لله تعالى، فإذا صدقت العبودية، كانت السكينة إحدى أعظم هباتها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة