عام هجري جديد.. دروس تربوية لمواجهة الهزيمة النفسية
مع كل عام هجري
جديد تتجدد الأسئلة نفسها داخل البيوت: ماذا نريد من أبنائنا؟ وكيف نربيهم وسط
عالم تتغير قيمه بسرعة مذهلة؟ ولماذا تتحول كثير من الخطط التربوية التي نضعها في
بداية العام إلى أوراق منسية بعد أسابيع قليلة؟
وبينما ينشغل
البعض بوضع أهداف دراسية أو مالية أو مهنية، تبقى الأهداف التربوية الأكثر أهمية
والأقل حضوراً في كثير من الأسر.
تكشف أرقام
دولية حجم التحدي الذي تواجهه الأسرة المعاصرة؛ فوفق بيانات الأمم المتحدة يعيش
أكثر من نصف سكان العالم اليوم في بيئات رقمية متصلة على مدار الساعة، بينما يقضي
المراهقون في بعض الدول ما يتجاوز 7 ساعات يومياً أمام الشاشات.
وفي المقابل،
تتراجع ساعات الحوار الأسري المباشر عاماً بعد آخر؛ ما يجعل معركة التربية أكثر
تعقيداً من أي وقت مضى.
وفي عالم تتزايد
فيه الضغوط النفسية والنزعات الفردية وثقافة «أنا أولاً»، تبدو الهجرة النبوية
أكثر من مجرد ذكرى تاريخية؛ إنها مدرسة متكاملة لصناعة الإنسان والأسرة والمجتمع.
ومن هنا تبرز
الحاجة إلى تحويل دروس الهجرة إلى أهداف تربوية عملية قابلة للحياة، يمكن للأسرة
أن تبدأ بها عامها الجديد.
انتماء راسخ
من أبرز الدروس
التي تقدمها الهجرة للأسر المعاصرة قيمة الانتماء، فالرسول صلى الله عليه وسلم
غادر مكة مكرهاً، لكن خروجه منها لم ينزع حبها من قلبه، بل عبر عن تعلقه بها بأبلغ
العبارات، وهذه القيمة تبدو اليوم أكثر أهمية في زمن تتعرض فيه الهويات الوطنية
والثقافية والدينية لاختبارات متلاحقة.
من جانبه، يرى د.
صبري أبو حسين، وكيل كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، في حديثه لـ«المجتمع»،
أن الأسرة مطالبة بغرس الانتماء في نفوس الأبناء بوصفه جزءاً من بناء الشخصية
السوية.
ولفت إلى أن حب
الوطن لا يتعارض مع الانفتاح على العالم، بل يمنح الإنسان جذوره التي تحميه من
الذوبان وفقدان الهوية.
ويوضح أبو حسين
أن الهجرة تعلمنا درساً آخر لا يقل أهمية، وهو الصبر والثبات النفسي أمام الأزمات،
فقد واجه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ضغوطاً هائلة، لكنهم لم يسمحوا للمحنة
بأن تتحول إلى يأس أو استسلام، وهو ما تحتاجه الأسر اليوم في مواجهة التحديات
الاقتصادية والاجتماعية والتربوية.
طاقة الشباب
ومن الرسائل
اللافتة في أحداث الهجرة، وفقاً لوكيل كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، هي
تلك الثقة الكبيرة التي مُنحت للشباب خلال صناعة هذا الحدث، حيث شاركت أسماء بنت
أبي بكر، وعبدالله بن أبي بكر، وعلي بن أبي طالب، وعامر بن فهيرة، في أدوار محورية
رغم صغر أعمار بعضهم؛ ما يؤكد أن بناء الأمم يبدأ بإشراك الأجيال الجديدة لا
بتهميشها.
ويشير إلى أن
التجربة النبوية أثبتت أن المسؤولية المبكرة تصنع النضج والثقة بالنفس، فالأبناء
الذين يشركون في اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية يصبحون أكثر قدرة على مواجهة الحياة
من أولئك الذين يعيشون على هامش الأسرة.
كما تؤكد هذه
المواقف، وفقاً لأبو حسين، أن التربية ليست مجرد أوامر ونصائح، وإنما بناء عملي
للثقة والكفاءة والاعتماد على النفس، وهي أهداف تربوية تستحق أن تضعها كل أسرة ضمن
خطتها للعام الهجري الجديد.
روح الجماعة
وتحذر د. إقبال
السمالوطي، أستاذة علم الاجتماع، من تصاعد النزعة الفردية داخل كثير من المجتمعات،
حيث تتراجع قيمة «نحن» أمام هيمنة «أنا»، لافتة إلى أن هذه الظاهرة لا تهدد
العلاقات الاجتماعية فقط، بل تضرب الأسرة في صميمها.
وتتابع، خلال
حديثها لـ«المجتمع»: الهجرة النبوية كانت مشروعاً جماعياً بامتياز؛ كل فرد أدى
دوره من أجل نجاح المهمة الكبرى، ومن هنا يمكن للأسرة أن تستلهم هدفاً تربوياً
واضحاً يتمثل في تعزيز التعاون والتكافل وتقاسم المسؤوليات داخل البيت.
وتلفت أستاذة
علم الاجتماع إلى أن قيمة التضحية لا تقتصر على المواقف الكبرى، بل تبدأ من
التفاصيل اليومية، مثل احترام احتياجات الآخرين، وتقديم المصلحة المشتركة على
الرغبات الفردية، ومساندة أفراد الأسرة بعضهم بعضاً في أوقات الشدة، معلقة: هذه
الممارسات الصغيرة هي التي تبني في النهاية أسرة قوية ومتماسكة.
هجرة دائمة
ويرى د. محمدي
صالح، الأستاذ بكلية دار العلوم جامعة المنيا، أن المعنى الأوسع للهجرة يتمثل في
الانتقال المستمر من الخطأ إلى الصواب، ومن التقصير إلى الإصلاح، ومن المعصية إلى
الطاعة، لافتاً إلى أن هذا المفهوم يمنح الأسرة هدفاً تربوياً عملياً يمكن تطبيقه
كل يوم.
ويدلل قائلاً لـ«المجتمع»:
الطفل يحتاج أن يتعلم كيف يهاجر من الكذب إلى الصدق، ومن الفوضى إلى الانضباط، ومن
الاستهلاك السلبي للمحتوى الرقمي إلى الاستخدام الواعي النافع، كما يحتاج الأبوان
إلى تقديم نموذج حي لهذه القيم قبل مطالبة الأبناء بها.
ويتابع: تبرز
الهجرة أيضاً قيمة الأخذ بالأسباب؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم جمع بين التوكل
الكامل على الله والتخطيط الدقيق لكل خطوة، ولذلك فإن التربية الناجحة لا تقوم على
الأمنيات، بل على أهداف واضحة وخطوات عملية ومتابعة مستمرة.
إرادة منتصرة
من جانبه، يؤكد د.
محمد خطاب، أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس، أن أخطر ما يواجه الإنسان اليوم ليس
نقص الإمكانات، بل الهزيمة النفسية التي تدفعه إلى الاستسلام قبل خوض المعركة، وهي
حالة قد تصيب الأفراد والأسر والمجتمعات على حد سواء.
ويقول: الهجرة
النبوية تقدم نموذجاً ملهماً لقوة الإرادة؛ فالمسلمون انتقلوا من مرحلة الاستضعاف
إلى مرحلة بناء الدولة لأنهم رفضوا الاستسلام لليأس.
ويلفت إلى أن التاريخ
نفسه يؤكد أن الشعوب التي تستعيد ثقتها بنفسها تستطيع تغيير مسارها خلال سنوات
قليلة.
ويخلص أستاذ علم
النفس، خلال حديثه لـ«المجتمع»، إلى أن أحد أهم الأهداف التربوية للأسرة في العام
الهجري الجديد بناء الثقة في نفوس الأبناء، وتعليمهم أن العقبات ليست نهاية
الطريق، وأن النجاح يبدأ دائماً من الانتصار على الهزيمة الداخلية قبل أي شيء آخر.
ربما لا تحتاج
الأسرة مع إطلالة عام هجري جديد إلى عشرات الأهداف المعقدة بقدر حاجتها إلى أهداف
قليلة وواضحة، تعمل عليها وتعتبرها محور حياتها مع أولادها، مثل تعزيز الانتماء،
وبناء روح الجماعة، وغرس المسؤولية، وممارسة الهجرة اليومية نحو الأفضل، ومقاومة
الهزيمة النفسية، فالهجرة لم تكن انتقالاً من مكان إلى مكان فحسب، وإنما انتقال من
الضعف إلى القوة، ومن الفوضى إلى البناء، ومن الحلم إلى الإنجاز.
والسؤال الذي
يبقى مع بداية كل عام جديد: ما الهجرة التي يحتاجها بيتك اليوم؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً