عبدالحميد مدكور.. عالِم يبحث عن قلب الإنسان
عبدالحميد مدكور.. في حياة العلماء
مرحلة تتراجع فيها التفصيلاتُ الصغيرة، وتتقارب العلومُ التي بدتْ في أول الطريق
متباعدة، وتصفو التجربةُ حتى يستطيع المرء أن يرى الخيط الذي كان يصل بين كتبه
وأساتذته وأسئلته ورحلته العلمية على امتداد العمر، فإذا تكلم العالم في هذه
المرحلة لم تعد تسمع علمه وحده، بل تسمع ما صنعه العلم فيه؛ ترى المعرفة بعد أن
هدأت حرارتها الأولى، وخالطت الحياة، وامتحنتها الأيام، وصارت أقرب إلى الحكمة.
ومن هذا اللون
كان حديث العلامة الموسوعي الكبير الأستاذ الدكتور عبد الحميد مدكور، الأمين العام
لمجمع اللغة العربية بالقاهرة والأمين العام لاتحاد المجامع اللغوية العلمية
العربية، في الحلقة الثامنة والثمانين بعد المائتين من برنامج "حيرة"،
التي حاوره فيها الأستاذ هادي اللَّوَاتي من سلطنة عُمان، ونشرت في الثالث من
أكتوبر 2026م على قناة حيرة على اليوتيوب؛ حيث امتد الحوار نحو ساعة ونصف، منحت
الضيفَ فسحة نادرةً لأن يمتعنا ويستعيد رحلة علمية وفكرية وروحية طويلة؛ فكان
موضوع الحلقة الظاهر التصوف الإسلامي وأعلامه وقضاياه، لكن الإنصات المتأني إليها
يكشف أن موضوعها الأعمق كان شيئًا آخر: الإنسان الذي يصنعه الدين؛ عقله وقلبه،
علمه وذوقه، عبادته وأخلاقه، علاقته بالله وصلته بعباد الله.
وقد كتبتُ من
قبل عن أستاذنا الجليل العلامة عبد الحميد مدكور مقالًا متواضعًا لم يوفّه حقَّه،
تناولتُ فيها أطرافًا من سيرته وتكوينه وملامح من مشروعه الكبير، وذلك التركيب
العلمي الثري الذي اجتمع فيه الأزهر ودار العلوم، والفلسفة والتصوف، واللغة
والشريعة، والتحقيق والتأليف، والتعليم والعمل المؤسسي في خدمة العربية، غير أن
السيرة، مهما اتسعت، تخبرك بما تعلمه العالم وما كتبه وما أنجزه؛ أما الحوار
الطويل الصافي فيريك شيئًا آخر؛ ماذا أبقت هذه الرحلةُ كلها في صاحبها؟ وهذا ما
منح الحلقة قيمتها الخاصة.
فنحن في هذه
الحلقة لا نستمع إلى باحث يعرض مادة أعدها لمناسبة هامشية، بقدر ما نستمع إلى عالم
يستخرج الكلام من صُحبة امتدت عشرات السنين مع القرآن والسنة والفلسفة والتصوف
والفقه والأصول واللغة؛ حيث تتداعى عنده الأسماءُ والكتب والآيات والأحاديث
والذكريات العلمية في هدوء، فلا يستعرض محفوظاته، ولا يتكلف الإحاطة، وإنما يتحدث
المرء عما عاش معه حتى صار بعض تكوينه.
وإذا أردنا أن
نبحث عن الخيط الذي انتظم هذا الحوار الطويل، فلن نجده في مصطلح
"التصوف" وحده، بل في سؤال ظل يتردد وراء موضوعاته جميعًا: كيف يبلغ
العلمُ قلبَ الإنسان؟ وكيف يتحول الدينُ من معرفة بالأحكام والحقائق إلى قوةٍ تزكي
النفسَ، وترققُ الوجدانَ، وتهذب السلوك، وتوسّع دوائر الرحمة؟
ذلك هو السؤال
الذي جعل الحديث عن أبي طالب المكي متصلًا بالمحبة، والمحبة متصلة بالولاية،
والولاية بابًا إلى ابن عربي، وابن عربي مدخلًا إلى قضية المنهج في قراءة التراث،
وابن الفارض شاهدًا على صلة التجربة باللغة والجمال، ثم انتهى ذلك كلُّه إلى سؤال
الأخلاق والتسامح والتكفير والتفسيق والتبديع؛ فلم تكن هذه جزرًا متباعدة في حوار
طويل، بل كانت وجوهًا متعددة لقضية واحدة: بناء الإنسان من داخله.
اختيار مبكر لطريق التزكية
من الدلالات
التي تستحق التأمل في سيرة مدكور أن اختياره للتصوف لم يأت في فراغ علمي، وإنما
جاء وهو خارج من تكوين لغوي وشرعي وعقلي متين؛ حيث درس في الأزهر الشريف العتيق،
ثم في كلية دار العلوم العريقة، حيث تلتقي العربية بعلوم الإسلام، وحيث كانت أمام
المتفوق في دراسته أبوابٌ متعددة للتخصص، فاختار الفلسفة الإسلامية، لكنه لم يكتفِ
بالجانب العقلي منها، مع أن أستاذه ورئيس قسمه – العلامة محمود قاسم - كان من كبار
المشتغلين بابن رشد والمعتزلة وعلم الكلام والفكر العقلي؛ فقد شعر الشاب يومئذ بأن
في التجربة الإسلامية جانبًا آخر يحتاج إلى أن يستكشفه: جانبًا فيه - كما عبر في
الحلقة - "سكون النفس وطمأنينة القلب وحضور الروح".
هذه اللحظة
المبكرة تفسر شيئًا كثيرًا في عبد الحميد مدكور الذي نراه اليوم؛ حيث لم يكن
اختياره للتصوف فرارًا من العقل، وإنما كان بحثًا عما يكمل العقل، فالإنسان لا
يعيش بالبراهين وحدها؛ فيه قلب يحب ويكره، ونفس تطمع وتحسد وتغضب وتُخلص وترائي،
وإرادة تقوَى وتضعف، وروح تتطلع إلى معنى يتجاوز المحسوس، وإذا كان علم الكلام
يسأل عما ينبغي أن نعتقده، والفقه يسأل عما ينبغي أن نفعله، فإن علم التزكية يضيف
سؤالًا لا غنى عنه: أي نفس تلك التي ستعتقد وتفعل؟
وكان من جمال
البيئة العلمية التي نشأ فيها مدكور أن أستاذه لم يحاول أن يستبقيه داخل اهتماماته
الخاصة، بل أرسله إلى الدكتور عبد الحليم محمود، الذي صار بعد ذلك شيخًا للأزهر،
وكان من أوسع علماء عصره معرفة بالتصوف وأعلامه وتراثه، إنها واقعة صغيرة في
ظاهرها، لكنها تحمل خلقًا جامعيًّا رفيعًا: الأستاذ الحق لا يصنع من تلاميذه نسخًا
منه، وإنما يدل كلَّ واحد منهم على الطريق الذي يستطيع أن يحقق فيه ذاته العلمية.
وعند عبد الحليم
محمود وقع الاختيارُ على أبي طالب المكي، صاحب "قوت القلوب"، ليكون
موضوع رسالة الماجستير، ثم امتدت الرحلةُ بعد ذلك إلى دراسة الولاية عند محيي
الدين ابن عربي في الدكتوراه، وبين الرجلين، وبين الرسالتين، كان يتكوّن سؤالُ
مدكور الكبير عن الإنسان والروح والقرب من الله.
علم النفس قبل المصطلح الحديث
كان حديثه عن
أبي طالب المكي والحارث المحاسبي من أكثر مواضع الحلقة كشفًا لقيمة تراث التزكية؛
لأنه أخرج التصوف من صورته الشائعة بوصفه أورادًا وأحوالًا ومصطلحات، وقدمه
باعتباره معرفة دقيقة بمداخل النفس ومسالك إصلاحها.
فالرياء والحسد
والطمع والكبر والشهوة ليست عند هؤلاء أسماء لرذائل يحسن بالخطيب أن يحذر منها، بل
أمراض لها بدايات وأسباب وأعراض، ولها طرائق في العلاج، والصحبة والبيئة والعادة
والمجاهدة والمحاسبة ليست كلمات متناثرة، وإنما عناصر في عملية طويلة لإعادة تشكيل
الإنسان.
وهنا تكتسب
ثلاثية "التخلي والتحلي والتجلي" معناها التربوي العميق، فالإصلاح لا
يبدأ بتكديس الفضائل فوق نفس مثقلة بأمراضها، وإنما يبدأ بالتخلية: أن يعرف
الإنسان ما يستعبده في داخله، وما يشوش قصده، وما يفسد علاقته بالله وبالناس، ثم
يجاهد في التخلص منه، وبعد ذلك تأتي التحلية، أي بناء الفضائل حتى تصبح جزءًا من
التكوين لا سلوكًا عارضًا، ثم يأتي من صفاء البصيرة والقرب والأنس ما يعبر عنه أهل
الطريق بالتجلي.
والقيمة
المعاصرة لهذا التراث لا تحتاج إلى كثير عناء لإدراكها، نحن نعيش عصرًا بلغ فيه
الإنسان قدرة غير مسبوقة على معرفة العالم، لكنه لم يبلغ بالضرورة القدرة نفسها
على معرفة نفسه، فنحن نملك أدوات هائلة للاتصال، لكننا لا نملك دائمًا القدرة على
إدارة آثارها في نفوسنا، نحن نعرف في ساعاتٍ ما كان السابقون يحتاجون إلى أعوام
لمعرفته، لكن سرعة الوصول إلى المعلومة لم تجعلنا بالضرورة أكثر حلمًا ولا تواضعًا
ولا إنصافًا.
بل إن أمراض
النفس القديمة وَجدت في العالم الجديد أدواتٍ جديدةً؛ فالرياء الذي كان يبحث عن
أعين مجلس صغير صار يستطيع أن يطلب ملايين المشاهدات، وحب الظهور صار يملك منصات
لا تنام، والحسد لم يعد يقارن الإنسان بجاره وأقرانه، بل يحمل إليه في شاشة صغيرة
صور نجاح البشر ومتاعهم في أطراف الأرض، لقد تغيرت الوسائل، أما النفس البشرية فلم
تتغير بالقدر نفسه،
ومن هنا فإن
قراءة المحاسبي والمكي والغزالي وأمثالهم ليست رحلة إلى متحف روحي قديم، بل عودة
إلى مختبر شديد الصلة بإنسان العصر، إنهم يذكروننا بأن زيادة قدرة الإنسان من غير
زيادة قدرته على تهذيب نفسه قد تجعل قوته الجديدة عبئًا عليه وعلى غيره.
المحبة روح العبادة
وعند المحبة
ارتفع الحوار من تحليل النفس إلى سر حركتها؛ فالتربية لا تستطيع أن تبني الإنسان
بالنواهي وحدها، كما أن العبادة لا تستوفي معناها إذا بقيت حركات صحيحة خالية من
حرارة الشوق والقرب.
استحضر مدكور
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ
آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) (البقرة: 165)، وحديث الولاية بما فيه من
تقرب العبد إلى ربه بالنوافل حتى يحبه، وفي هذا رد لطيف على صورة اختزلت التدين
أحيانًا في الخوف وحده، حتى كاد بعض الخطاب الديني ينسى أن القرآن الذي يحدث
الإنسان عن العقاب هو نفسه الذي يقول: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (المائدة: 54).
المحبة هنا ليست
بديلًا من التكليف، بل هي التي تمنحه روحه؛ فالإنسان قد يؤدي العمل خوفًا، لكنه لا
يبلغ تمام العبودية إلا حين يصبح الخير محبوبًا في نفسه، وحين لا تكون الصلاة مجرد
دين يؤديه، بل لقاء يشتاق إليه، ولا يكون ترك المعصية مجرد هروب من العقوبة، بل حياء
من محبوب لا يريد أن يعصيه، وهذا المعنى يضع أمام التربية الإسلامية سؤالًا أكبر
من سؤال المناهج والمقررات: ماذا نحبب إلى أبنائنا؟
يمكن للطفل أن
يحفظ أبوابًا في العقيدة والفقه، ويمكن للشاب أن يتقن مسائل الحلال والحرام، لكن
المعرفة لا تضمن وحدها أن ينشأ في قلبه حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وحب
الصلاة والصدق والعفة والرحمة وخدمة الخلق، وإذا لم يتحول الدين إلى محبوبات، ظل
جزء منه تكاليف يحملها الإنسان، لا حياة يحملها في قلبه.
والأجمل أن
المحبة عند مدكور ليست شعورًا منغلقًا بين العبد وربه، فحب الله إذا صح
"ترشح"، كما عبر، على الخلق عطفًا وحنانًا وتسامحًا، وهنا يظهر الامتحان
الحقيقي للدعوى الروحية: ليس السؤال فقط كم أحببت الله في خلوتك، بل ماذا فعل هذا
الحب بطريقة نظرك إلى عباده؟
الولاية كما يقدمها القرآن
ومن المحبة دخل
الحوار إلى الولاية، وهنا ظهر جانب مهم من منهج مدكور: رد المصطلحات إلى أصولها
قبل الدخول في تاريخها؛ فالولاية من أكثر الكلمات التي تراكمت حولها التصورات
الشعبية والحكايات والخلافات، لكن القرآن يقدم لها أساسًا بالغ الصفاء: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {62} الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ) (يونس).
غير أن جمال
معالجة مدكور أنه لم يكتف بترديد "الإيمان والتقوى"، بل فكك الاختزال
الذي يمكن أن يلحق بالكلمتين نفسيهما، فالإيمان ليس شهادة لفظية مجردة، والتقوى
ليست خوفًا سلبيًّا يعتزل صاحبه الحياة، واستدعى آية البر في سورة البقرة، حيث
تتجاور العقيدة والعبادة والإنفاق والوفاء والصبر، ثم يختم الله هذه المنظومة
الواسعة بقوله: (أُولَئِكَ
الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقرة: 177).
بهذا تصبح
الولاية اكتمالًا إنسانيًّا، لا امتيازًا غامضًا، إيمانٌ يستقر في القلب، وتقوَى
تتجسّد في السلوك، وعبادة تثمر قربًا، وأخلاقُ تظهر في علاقة الإنسان بالخلق، وهذه
العودة القرآنية تصحح انحرافين متقابلين: خيالًا شعبيًّا قد يجعل الولاية مرادفة
للخوارق والحكايات، وجفافًا حديثًا قد يستثقل أصلًا الحديث عن الأنس بالله والقرب
منه، وبين الخرافة والجفاف يعيد مدكور المفهومَ إلى مكانه الطبيعي: ولايةٌ أساسُها
الإيمان، وبرهانُها التقوى، وثمرتُها القرب من الله.
الإنصاف ميزانًا لقراءة ابن عربي
ولعل الحديث عن
محيي الدين ابن عربي كان الامتحان الأصعب لمنهج مدكور؛ لأن ابن عربي من الشخصيات
التي قلما تُذكر في الثقافة الإسلامية دون أن تستدعي معها تاريخًا طويلًا من الحب
الشديد والخصومة الشديدة، والجدل والاختلاف، والتكفير والتفسيق، لكنَّ مدكورًا لم
يدخل إلى الرجل من باب أي من المعسكرين؛ حيث بدأ بالعلم.
تحدث بإعجاب
واضح عن موسوعية ابن عربي، وعن "الفتوحات المكية"، وعن حضور الحديث
والفقه والأصول والتفسير والقراءات واللغة والبلاغة والفلسفة والكلام في مشروعه،
وعن اجتهاداته التي قد يستقل بها أحيانًا حتى عن المذاهب المعروفة، فلم يسمح
للخلاف العقدي والفكري أن يحجب حقيقة الاتساع العلمي؛ فالعدل يقتضي أن ترى الإنسان
كلَّه قبل أن تُحاكم بعض آرائه.
ثم جاء النقد في موضعه
عرض فهم ابن
عربي للولاية والنبوة والرسالة، وبيّن أن القول الشائع بأنه يجعل الولاية أفضل من
النبوة لا يصور المسألة عنده بالدقة الكافية؛ فهو يبدأ من الولاية باعتبارها الأصل
الذي يقع بعده الاصطفاء إلى النبوة، ثم من الأنبياء يقع الاصطفاء إلى الرسالة، قد
يختلف المرء معه في البناء، لكن أول واجبات النقد أن يفهم القول كما أراده صاحبُه.
وعند
"الحقيقة المحمدية" ازداد الميزان دقة، فشرح مدكور تأويل ابن عربي
المتصل باسمي الله "الظاهر والباطن"، لكنه لم يتردد في تقرير أن النصوص
الشرعية الصريحة لا تقول إن الخلق بدأ بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن الحديث
المشهور: "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر" ليس حديثًا صحيحًا.
ثم قال جملة هي من
أنفس ما في الحلقة كلها: "أنا شخصيًّا درستُه، لكنني لست مرددًا
لأقواله"، هذه ليست ملاحظة عابرة، بل أخلاقٌ معرفة، أن تَفهم الرجل لا يعني
أن تصبح تابعًا له، وأن تنصفه لا يعني أن تمنحه العصمة، وأن تختلف معه لا يمنحك
الحق في محو فضله وعلمه، وبين التقديس والإعدام توجد المساحة التي لا يعيش العلم
إلا فيها: مساحة الفهم والنقد والعدل.
ولعل كثيرًا من
مشكلات تعاملنا مع التراث ناشئ من ضيق هذه المساحة، فنحن نريد من العالم القديم أن
يكون إما شيخًا لنا في كل شيء، وإما متهمًا لا خير فيه، أما مدكور فيقدم نموذجًا
آخر: اقرأ، وافهم، وأعجب بما يستحق الإعجاب، واعترض حيث يستحق القول الاعتراض، ثم
اترك للإنصاف الكلمة الأخيرة.
ابن الفارض وامتحان اللغة
وعندما وصل
الحديث إلى ابن الفارض، انتقل الحوار في هدوء من الروح إلى اللغة؛ أو لعل الأدق أن
نقول: كشف لنا أن الفصل بينهما لم يكن قائمًا أصلًا؛ فالتجربة العميقة تضع اللغة
أمام امتحان عسير: كيف تصف شوقًا لا يشبه الشوق المعتاد؟ وكيف تعبر عن قرب لا
تستطيع الحواس أن تقيسه؟ وكيف تحمل العبارة تجربة لا تقع كلها في حدود المنطق
التقريري؟ هنا يولد الرمز، ويتسع المجاز، وتكتسب الكلمة طاقات جديدة.
وكان من ألطف ما
أورده مدكور ما ذكره عن دراسة الضمائر في شعر ابن الفارض؛ إذ يبدأ الشاعر بضمير
المفرد: رأيت، وعلمت، واشتقت، ثم تشتد التجربة حتى ينتقل إلى ضمير الجمع، قبل أن
يعود إلى المفرد مرة أخرى، وقرأ ذلك في ضوء "الفرق" و"الجمع"
و"الفرق بعد الجمع"، غير أنه سارع إلى وضع الحد الفاصل: الجمع هنا شعوري
نفسي، لا اتحاد حقيقي بين العبد وربه.
واستعان بصورة
من أجمل صور الحلقة: شمعة موقدة في ضوء الشمس؛ لا ترى ضوءها لأن نور الشمس غمره،
لكن الشمعة لم تنعدم، ولو قربت منها ورقة لأحرقتها؛ فالوجود باق، وإن غمره في
الشعور نور أعظم.
وتُعلّمنا هذه
الصورة فوق معناها الصوفي درسًا في القراءة نفسها، فليست كل لغة تقريرًا، وليس
المجاز وثيقة قانونية، ولا يجوز أن نحاكم الشعر بمنطق العبارة الفقهية، وفي
المقابل، ليس كل ما قيل باسم الرمز محصنًا من السؤال، فالفهم الناضج لا يقتل النص
بحرفيته، ولا يُذيبه بتأويل لا حدود له.
ما أضافه أهل الروح إلى العربية
وكان طبيعيًّا
أن يفتح ابنُ الفارض بابَ الحديث عن أثر التصوف في العربية، وهنا يلتقي في مدكور
الباحثُ القديم القدير في التصوف بأمين عام مجمع اللغة العربية.
إن اللغة لا
تتسع بالمعاجم وحدها؛ تتسع كلما دخل الإنسانُ تجربةً جديدة واضطر إلى أن يجد لها
أسماء وصورًا وتراكيب، وهذه معادلة يعرفها من ذاقها وعاشها، وقد أهدى التراثُ
الروحي العربية ثروةً هائلة من مفردات أحوال النفس ودقائقها: الأنس، والشوق،
والرضا، والمراقبة، والمحاسبة، والوجد، والرجاء، والخوف، والفرق، والجمع، فضلًا عن
عالم كامل من المناجيات والحكم والأشعار والوصايا والمدائح.
ولفت مدكور إلى
الفرق بين "الصدق الفني" و"الصدق الواقعي"؛ فقد يُبدع الخيال
صورة لم تقع في الخارج، لكنها تكون صادقة فنيًّا لما فيها من إحكام وقدرة على
الإقناع والتأثير، فإذا كان وراء العبارة فوق ذلك تجربة حقيقية عاشها صاحبها،
اجتمع صدق الفن وصدق المعاناة.
وربما يفسر هذا
سر بقاء النصوص الروحية الكبرى؛ فالكلمات التي ولدت من تجربة صادقة لا تنقل معنى
فقط، بل تحمل شيئًا من حرارة اللحظة التي ولدت فيها؛ ولذلك بقيت حكم ابن عطاء
الله، وشعر ابن الفارض، والمناجيات والمدائح، قادرة على مخاطبة قلوب لم تعرف
أصحابها ولم تعش أزمانهم.
وهنا أطلق مدكور
عبارة ضرورية لفهم موقفه كله: نحن نتحدث عن علماء، لا عن دراويش؛ فالتراث الصوفي
في قممه لم يكن نقيضًا للعلم، بل كان من إنتاج علماء جمعوا بين المعرفة الشرعية
والتجربة الروحية والقدرة على البيان، ومن الظلم أن تختزل هذه الثروة كلها في بعض
الصور الشعبية التي تراكمت في عصور لاحقة، كما أنه من الظلم في الاتجاه الآخر أن
تغض الأبصار عن الانحرافات حيث وجدت، والإنصاف، مرة أخرى، هو الكلمة المفتاح.
علي بن أبي طالب.. مدرسة القرب
واكتسب الحوار
دفئًا خاصًّا عند الحديث عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومكانته في كتب
الصوفية، وهو موضوع سبق لمدكور أن خصه ببحث مستقل.
ولم يحتج الرجل
إلى الأسطورة ليشرح هذه المكانة؛ فالسيرة وحدها كافية: طفل يتربى في بيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ويسبق إلى الإسلام، ويبيت في فراشه ليلة الهجرة، ويصبح زوج
فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ويجمع إلى الشجاعة علمًا، وإلى القوة زهدًا، وإلى
الذكاء عفة ومروءة، والكلمة التي تفسر ذلك كله هي الصحبة.
لم يكن قربُ عليّ
من رسول الله صلى الله عليه وسلم قربَ نسبٍ ومكان فحسب؛ لقد كان قربَ تربيةٍ
ومشاهدة وتلقٍّ؛ حيث عاش في البيت الذي كان الوحيُ ينزل فيه، ورأى النبوةَ في
تفاصيل الحياة، وتربى على عين صاحب الرسالة، فلا عجب أن يصبح في الوجدان الروحي
الإسلامي مثالًا للعلم والشجاعة والزهد وصفاء الباطن.
غير أن مدكور
ينتبه هنا أيضًا إلى الخط الفاصل بين المحبة والسياسة، فالمشكلة تبدأ حين تتحول
المكانة الروحية والتاريخية إلى مادة للاستقطاب، وعلي رضي الله عنه أوسع من أن
تحتكره طائفةٌ، كما أن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ميراث محبة للأمة كلها.
وفي زمن تستعاد
فيه الذاكرة أحيانًا لتجديد النزاعات، تبدو الحاجة أشد إلى استعادة الشخصيات
الجامعة لتجديد الاجتماع.
عبدالحميد مدكور.. الأخلاق ثمرة المعرفة
ثم بلغت الحلقةُ
موضعَها الأشد اتصالًا بواقعنا حين سأل المحاور عن إمكان الإفادة من الأفق الروحي
في تجاوز ضيق التعصب وثقافة التكفير والتفسيق والتبديع، وهنا تكشف الحلقة عن
مقصدها التربوي الأكبر.
تحدث مدكور عن
السماحة ورحابة الصدر واتساع الأفق والرحمة بالناس، وعن عناية الصوفية بالأخلاق،
لكنه أشار إلى فارق بالغ الأهمية: علماء الحديث، مثلًا، جمعوا النصوص الواردة في
الصبر والشكر والحياء وبر الوالدين وسائر الأخلاق، أما علماء السلوك فحاولوا أن
يحولوا هذه المادة إلى منهج في التربية.
والفارق بين
الأمرين هو الفارق بين أن تعرف الصبر وأن تصبح صبورًا، بين أن تحفظ فضل الحلم وأن
تضبط نفسك ساعة الغضب، بين أن تقرأ في ذم الكبر وأن يؤلمك أن ترى الكبر في قلبك،
بين أن تعرف حقيقة الإخلاص وأن تستطيع أن تعمل حين لا يراك أحد، وألا يتغير قلبُك
إذا لم يذكر اسمك.
وهنا تضع الحلقة
إصبعها على فجوة كبيرة في جانب من واقعنا التربوي، فإن لدينا مادة أخلاقية وافرة،
ولكن وفرة المعرفة بالأخلاق لا تعني بالضرورة وفرة الأخلاق، وربما نجحنا أحيانًا
في صناعة الإنسان الذي يعرف ماذا يقول الدين أكثر مما نجحنا في صناعة الإنسان الذي
يظهر الدين في طريقته في القول والفعل والاختلاف.
ولهذا يمكن أن
ترى المرء واسع المعرفة ضيق الصدر، كثير العبادة خشن المعاملة، شديد الغيرة على
السنة سريع الظلم لمخالفه، وليس الخلل هنا في العلم ولا في العبادة، بل في حلقة
مفقودة بينهما وبين النفس: حلقة التزكية التي تحول العلم إلى خلق.
وفي هذا السياق
قال مدكور كلمتين تستحقان أن تبقيا بعد أن تُنسى تفاصيل كثيرة من الحلقة: "خذ
بيده"، فقد كان يتحدث عن المخطئ وعن البديل من المسارعة إلى التكفير والتفسيق
والتبديع: لا تجعل أول غايتك إخراج الإنسان وتصنيفه، بل خذ بيده، وعلّمْه خطأه، وأعنْه
على الخروج منه، هاتان الكلمتان تحملان تصورًا كاملًا للدعوة.
فالمعلم الذي
يريد أن يثبت جهلك غير المعلم الذي يريد أن يعلمك، والداعية الذي يريد الانتصار
عليك غير الداعية الذي يريد لك النجاة، والعالم الذي ينظر إلى المخطئ باعتباره
قضية يحكم فيها غير العالم الذي يراه إنسانًا يريد أن ينقذه من خطئه.
ولا تعني
الرحمةُ إلغاءَ الحقيقة، ولا السماحةُ تمييعَ الحدود بين الصواب والخطأ، ومدكور
نفسه كان قبل دقائق ينتقد بعض أفكار ابن عربي بوضوح، لكنَّ هناك فارقًا أخلاقيًّا
هائلًا بين تصحيح الخطأ طلبًا للحق، واستعمال الخطأ فرصة للانقضاض على صاحبه
والانتصار عليه.
ولعل هذا أحد
المواطن التي يحتاج فيها خطابُنا الدعوي إلى مراجعة عميقة؛ فليس كل اشتداد في
العبارة غيرة على الدين، ولا كل رفق بالناس ضعفًا في الحق، وقد يكون الإنسان
قويًّا في دليله، رحيمًا في قلبه، عادلًا في حكمه، حريصًا على نجاة من يخالفه، بل
ذلك أقرب إلى ميراث النبوة من خصومة يتسع فيها قاموس الإدانة ويضيق فيها باب
الهداية.
عبدالحميد مدكور.. عالِم لا يسكن غرفة واحدة
وكان من تمام
صورة مدكور في الحلقة أنه لم يقبل أن تحبسه ساعة ونصف الساعة من الحديث عن التصوف
داخل تعريف واحد، فقد نبه في ختامها إلى اشتغاله بالفقه وأصوله، وإلى بحوث قدمها
في ندوات علمية بسلطنة عُمان، وضرب مثالًا ببحثه في "فقه التوقع".
والمثال كاشف
لطريقته في التفكير؛ فالمشهور أن الفقه الافتراضي ارتبط بالأحناف، الذين توسعوا في
تصور الوقائع قبل حدوثها ووضع الأحكام لها، بينما كان غيرهم يتحفظ على الاشتغال
بما لم يقع، لكن مدكورًا -عندما كلف بالبحث- لم يكتف بهذا الموروث المشهور، بل رجع
إلى السنة يبحث عن الجذور، فوجد الأسئلة التي طرحت على النبي - صلى الله عليه وسلم
- عن وقائع لم تحدث، ووجد سؤاله لمعاذ قبل أن يتولى القضاء: "كيف تفعل إن عرض
لك قضاء؟".
وهنا تظهر قيمةُ الرجل الذي يصعب حبسُه في غرفة واحدة من غرف المعرفة، فالتصوف عنده لا يُلغي الفقه، والفقه لا يلغي الفلسفة، والفلسفة لا تعزله عن النص، واللغة ليست زينة على أطراف المشروع، إنها روافدُ تتجه إلى تكوين عقل يرى الإسلامَ بناءً متكاملًا.
ولعل هذه إحدى
الرسائل الصامتة للحلقة: أن التخصص ضرورة، لكن ضيق الأفق ليس من شروط التخصص ولا
من مقتضياته، يستطيع العالم أن يُتقن بابًا، وأن يبقى مفتوحَ النوافذ على سائر
أبواب المعرفة.
تزكية الإنسان في زمن المنصات
وإذا كان تراث
التزكية قد نشأ في عالم مختلف عن عالمنا، فإن حاجتنا إلى جوهره ربما ازدادت بدل أن
تنقص، فلقد تضاعفت قدرةُ الإنسان على الوصول والتأثير والاستهلاك والتعبير، لكن كل
زيادة في القدرة تضع على النفس عبئًا أخلاقيًّا جديدًا.
فالمنصات
الحديثة لا تخلق أمراضَ القلب من العدم، لكنها تستطيع أن تُضخمها، فتمنح حب الظهور
جمهورًا لا حدود له، وتمنح الغضب منبرًا فوريًّا، وتحول المقارنة بالآخرين إلى
عادة يومية، وتتيح للإنسان أن يقيس قيمته بالأرقام: كم شاهدني؟ كم أعجب بي؟ كم
تحدث عني؟
وفي وسط هذا
الضجيج تصبح المراقبةُ والمحاسبة والإخلاص والقناعة والصمتُ والرضا مفرداتٍ شديدةَ
الحداثة، وإن كان عمرُها في كتبنا قرونًا، فلقد عرف الإنسان كيف يحمل العالم في
هاتفه، لكنه لا يزال يحتاج إلى أن يعرف كيف لا يحمل العالم في قلبه.
ويستطيع اليوم
أن يقول كلمته للآلاف في لحظة، لكنه يحتاج إلى أن يتعلم متى تكون فضيلة الإنسان في
ألا يقول، ويستطيع أن يرى نعم الآخرين طوال اليوم، لكنه يحتاج أكثر من أي وقت مضى
إلى قلب يعرف القناعة والشكر، وبهذا المعنى لا يكون إحياء تراث التزكية حنينًا إلى
الماضي، وإنما استدعاءً لخبرة إنسانية عميقة لمواجهة أمراض لبست ثيابًا جديدة.
السؤال الذي يبقى
بعد ساعة ونصف
من الحديث، يمكن للقارئ أن يخرج بعشرات المعلومات عن أبي طالب المكي، وابن عربي،
وابن الفارض، والولاية، والحقيقة المحمدية، والأدب الصوفي، وعلي بن أبي طالب، وفقه
التوقع، لكن قيمة الحلقة العميقة ليست في مجموع هذه المعلومات.
السؤال الذي
يبقى بعد انطفاء الشاشة هو: ماذا يفعل الدين بنا؟ ماذا فعلت الصلاةُ بقلوبنا؟
وماذا فعل القرآنُ بأخلاقنا؟ وماذا صنع العلمُ بطريقة اختلافنا؟ وهل جعلتنا سنواتُ
العبادة أكثرَ رحمةً أم أكثر قسوة؟ وهل كلما اتسعت معرفتُنا اتسعت معها قدرتُنا
على الإنصاف؟
هذه ليست أسئلة
وعظية هامشية؛ إنها امتحان الثمرة؛ فالشجرة لا تقاس بكثرة أوراقها، وإنما بما
تُثمر، والعلم في الرؤية الإسلامية ليس ركامًا في الذاكرة، بل هدايةٌ يفترض أن
يظهر أثرها في الإنسان.
وهذا هو المعنى
الذي جمع أطراف الحلقة كلها، فلم يكن الانتقال من أبي طالب المكي إلى المحبة، ثم
الولاية وابن عربي وابن الفارض واللغة وعلي رضي الله عنه والأخلاق، تنقلًا بين
موضوعات مستقلة، بل كان دورانًا حول مركز واحد: القلب الذي ينبغي أن تصله المعرفةُ
حتى يُصبح الإنسانُ كلُّه عبدًا لله.
لا جفاف ولا دروشة
وفي خاتمة
الحوار طلب هادي اللَّواتي من ضيفه نصيحةً للمتابعين في جملة واحدة، وكأن ساعة
ونصفها من الحديث كانت تستعد لهذه اللحظة، فقال عبد الحميد مدكور: "كل عطاء
الإسلام يجب أن يكون له تقديره"، ثم جمع بين العلم بالأحكام والعلم بالرقائق
والحقائق والأذواق والمشارب الروحية، قبل أن يصوغ خلاصة شديدة الصفاء: "لا
نريد جفافًا، ولا نريد دروشة، ولكن نجمع الحسنيين جميعًا: علم صحيح، وذوق صحيح،
وتطبيق صحيح".
ولو لم يبق من
الحلقة إلا هذه العبارة لكفت للدلالة على روحها، فالجفاف أن يبقى من الدين رسمُه
العلمي والتكليفي وتغيبُ حرارتُه التي تحيي القلب، والدروشة أن تتحرك العاطفة بلا
علم يهديها ولا ميزان يضبطها، والإسلام أكبر من هذا الانقسام المصطنع؛ لا يريد
عقلًا باردًا يعرف ولا يحب، ولا عاطفة مشتعلة تحب ولا تعرف، إنه يريد علمًا يُبصر،
وقلبًا يصفو، وعملًا يُصدّق الاثنين.
وهنا، عند آخر
الحلقة، نعود إلى عبد الحميد مدكور نفسه، رجل بدأ رحلته طالبًا يختار، إلى جوار
الدرس العقلي والفلسفي، ذلك الطريق الذي وجد فيه "سكون النفس وطمأنينة القلب
وحضور الروح"، ثم عاش عشرات السنين بين كتب المتكلمين والفلاسفة والصوفية
والفقهاء والأصوليين واللغويين، حتى جلس في هذه الحلقة شيخًا من شيوخ العربية
والفكر والتزكية، فإذا به يعود في نهاية الطريق إلى المعنى الذي جذبه في أوله:
الإنسان لا يكفي أن يمتلئ عقله حتى يعمر قلبه.
ولعل في هذا
أجمل ما تقوله سيرة العالم حين تطولُ صحبتها للعلم: إن المعرفة في بداياتها تمنحنا
أجوبة، لكنها إذا نضجت حقًّا أعادت تشكيل أصحابها.
ولم يكن أجمل ما
في حديث عبد الحميد مدكور كثرة ما استحضره من أسماء وكتب ونصوص، مع ما في ذلك من
دلالة على سعة العلم وطول الصحبة؛ بل كان أجمل منه ذلك الهدوءُ الذي استطاع به أن
يحب ولا يتعصب، وأن ينتقد ولا يخاصم، وأن يتحدث عن الذوق دون أن يهجر الدليل، وعن
الدليل دون أن يجفف الذوق، وتلك خصلة لا تصنعها كثرةُ القراءة وحدها، إنها ثمرة
علم طال مقامه في القلب؛ ولهذا ربما كان العنوان الأصدق لهذه الحلقة، ولشيء غير
قليل من رحلة صاحبها، هو أن العلم إذا اكتمل لا يجعل الإنسان أكثر معرفة فحسب، بل
ينبغي أن يجعله أكثر إنسانية.
وهذه هي القضية
التي تستحق أن نحملها معنا بعد أن ينتهي الحوار: أن نستعيد في حياتنا الدينية
وحدةَ ما فرقناه طويلًا؛ فلا علم بلا تزكية، ولا تزكية بلا علم، ولا حق بلا رحمة،
ولا محبة بلا ميزان، ولا عبادة ينفصل فيها القلبُ عن العمل، هناك فقط تستقيم
المعادلةُ التي انتهى إليها عبد الحميد مدكور: علم صحيح، وذوق صحيح، وتطبيق صحيح،
وما أحوجنا إلى الثلاثة جميعًا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً