عبر 3 خطوات.. كيف تعيد الهجرة النبوية صياغة بروتوكول النجاة؟
«أريد
الاستقامة، لكن البيئة من حولي مسمومة، والفتن أعتى من أن أقاومها»؛ تكاد هذه
الجملة تكون البيان المشترك الذي يرفعه إنسان العصر الحديث لتبرير انتكاسته.
ففي عالم تحاصره
الشاشات، استعذب الكثيرون العيش في حالة من الاستضعاف الطوعي، ملقين باللوم الكامل
على المحيط الاجتماعي، فهل يمكن للظروف أن تكون عذراً حقيقياً؟ وأين المخرج؟
التفكيك القرآني لعقلية الاستسلام
في سورة «النساء»،
ينقل لنا القرآن الكريم مشهداً مهيباً لملائكة الموت وهي تستنطق أرواحاً آثرت
البقاء في مستنقع المعاصي بسؤال توبيخي: (فِيمَ كُنتُمْ؟)، يأتي الرد البشري محاكياً تماماً لشكوى الإنسان
المعاصر: (قَالُوا كُنَّا
مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ)، محاولةً لإلقاء اللوم على فساد البيئة
ومادية المحيط.
إلا أن الرد
الإلهي جاء لينسف هذه الحجة من جذورها: (قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا)؛
تضعنا الآية أمام حقيقة مجردة؛ أن البقاء الاختياري في مساحة تسلبك قيمك وفطرتك -وأنت
تملك بدائل المغادرة- ليس استضعافاً، وإنما ظلم للنفس تترتب عليه كلفة وجودية
باهظة.
فلسفة الهجرة.. من الجغرافيا إلى السلوك
لم تكن الهجرة
النبوية في عمقها السياسي والاجتماعي مجرد انتقال جغرافي هرباً من الأذى، بل كانت
حركة تمرد إستراتيجي وبحثاً عن البديل المناسب، لقد دفع النبي صلى الله عليه وسلم
والصحابة فاتورة التغيير الباهظة، فتركوا ديارهم وتجارتهم حماية لسلامتهم الروحية،
ومن هنا صاغ النبي صلى الله عليه وسلم المعنى العابر للزمن في الحديث الذي رواه
البخاري: «والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهَى اللَّهُ عنْه».
هندسة المغادرة.. كيف تهاجر من داخل غرفتك؟
التحرر من
البيئة السامة في واقعنا المعاصر لا يتطلب السفر لآلاف الأميال، بل يتطلب شجاعة
القرار عبر 3 خطوات عملية:
1- الهجرة
الرقمية: إعلان السيادة على الشاشة عبر حظر الأشخاص السامّين، ومغادرة المجموعات
الافتراضية التي تطبع المعصية في القلب، ومن ثم الهجرة نحو الجانب النافع من فضاء
الإنترنت.
2- الهجرة
المكانية: كسر جغرافية الذنب عبر هجرة الغرف المغلقة التي ترتبط في وعيك
بالانتكاس، ونقل الجسد إلى مساحات تفاعلية عامة أو عائلية.
3- هجرة
العلاقات: البتر الواعي للصداقات التي تهون الخطأ وتقتل القيم، فلا تختبر إيمانك
في محيط ملوث، وفرّ نحو رفقة صالحة تصعد بك.
من هنا يتبين أن
المسلم مطالب بالحركة ومغادرة العادات والمساحات التي تستنزف طهارته، فصناعة بيئة
تعزز الوعي وترفع القيم مسؤولية شخصية تبدأ بقرار المغادرة بيقين ممتد بأن من ترك
بيئة سوء لله، فتح الله له آفاقاً وأرضاً واسعة تعينه على الثبات والتمكين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً