10 من صفات الأبرار في القرآن
البر قيمة إسلامية وإنسانية عليا دعا إليها
الإسلام وشدد عليها؛ وهو يعني كل ما هو جميل من الأخلاق العملية في التعامل بين الناس
بعضهم بعضاً، فيعني الإحسان والصدق في القول والعمل والتعامل المتبادل، هو في جوهره
وحقيقته يشمل كل معاني الخير والالتزام بشريعة رب العالمين وأوامره، لنشر قيم التعاون
والتكافل داخل المجتمع المسلم.
يقول تعالى: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ
وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ
وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ
وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ
وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي
الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ
هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقرة: 177)، وتشمل الآية الكريمة بعض تلك الصفات التي
لا تحصر البر في الصلاة والصيام، وإنما تتسع به الدائرة لتشمل صلاح القلب الإنساني،
وصلاح الجوارح بالسلوك العملي القويم.
وفيما يلي تفصيل بصفات البر الواردة في الآية
الكريمة:
أولاً: الإيمان بالله:
الإيمان بالله هو الاعتقاد الجازم بوجوده
سبحانه، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، ومجمل الإيمان بالله تعالى: «إن الله
واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره قديم بلا ابتداء، دائم
بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد، خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقداراً،
وضرب لهم آجالاً، لم يخفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم،
وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة
للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي
فضلاً، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلاً، وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله»(1).
ولتحقيق الإيمان بالله يلزمنا 4 أمور:
1- الإيمان بوجود الله تعالى.
2- الإيمان بربوبيته تعالى كما جاء في قوله
تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ
مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ
الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ
فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) (يونس: 31).
3- الإيمان بألوهيته: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ
إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 163).
4- الإيمان بأسمائه وصفاته، كما في قوله تعالى:
(وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف: 180).
ثانياً: الإيمان باليوم الآخر:
الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة
التي لا يكتمل إيمان العبد ولا يتحقق إلا بها، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع،
يقول السعدي في تفسير هذه الآية: أقسم على وقوع محل الجزاء، وهو يوم القيامة، فقال:
ليجمعنكم أي: أولكم وآخركم في مقام واحد، في يوم القيامة لا ريب فيه أي: لا شك ولا
شبهة بوجه من الوجوه، بالدليل العقلي والدليل السمعي(2).
ثالثاً: الإيمان بالملائكة:
الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان وأصل
من أصوله، لا يصح إيمان العبد إلا به، ومن سبهم أو أنكرهم فقد كفر، قال الله تعالى:
(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا
أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ
وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ)
(البقرة: 285).
رابعاً: الإيمان بالكتاب:
الإيمان بكتب الله التي أنزلها على رسله عليهم
السلام ركن عظيم من أركان الإيمان، فلا يتحقق الإيمان من دونه، قال عياض: إن جحد التوراة
والإنجيل وكتب الله المنزلة، أو كفر بها أو لعنها أو سبها أو استخف بها؛ فهو كافر(3).
وقال ابن تيمية: لو آمن بجميع الكتب وكفر
بكتاب، كان كافراً حتى يؤمن بذلك الكتاب(4).
خامساً: الإيمان بالنبيين:
الإيمان بأنبياء الله تعالى ورسله ركن من
أركان الإيمان، وأصل من أصوله، لا يصح إيمان العبد إلا به، قال الله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ
إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ
وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: 285).
وقال صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عليه
السلام عن الإيمان: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر
خيره وشره» (رواه مسلم من حديث عمر بن الخطاب).
سادساً: الإنفاق:
يقول ابن كثير في تفسيره: وقوله: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ)؛
أي: أخرجه، وهو محب له، راغب فيه، وقوله: (ذَوِي الْقُرْبَىٰ) وهم: قرابات الرجل، وهم أولى من أعطى من الصدقة،
(وَالْيَتَامَىٰ) هم: الذين
لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب، (وَالْمَسَاكِينَ) وهم: الذين
لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما تسد به حاجتهم وخلتهم، (وَابْنَ السَّبِيلِ) وهو: المسافر
المجتاز الذي قد فرغت نفقته فيعطى ما يوصله إلى بلده، (وَالسَّائِلِينَ) وهم: الذين يتعرضون للطلب فيعطون
من الزكوات والصدقات، (وَفِي الرِّقَابِ)
وهم: المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابته.
سابعاً: الصلاة:
وفي تفسير ابن كثير: أي، وأتم أفعال الصلاة
في أوقاتها بركوعها، وسجودها، وطمأنينتها، وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي.
ثامناً: إيتاء الزكاة:
وقوله: (وَآتَى الزَّكَاةَ) يحتمل أن يكون المراد به زكاة
النفس، وتخليصها من الأخلاق الدنية الرذيلة.
تاسعاً: الوفاء بالعهد:
وفي تفسير القرآن العظيم يقول فيها: كقوله:
(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ
اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ) (الرعد: 20)، وعكس هذه الصفة النفاق.
عاشراً: الصابرين:
وقوله: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ)؛
أي: في حال الفقر، وهو البأساء، وفي حال المرض والأسقام، وهو الضراء، (وَحِينَ الْبَأْسِ)؛ أي: في
حال القتال والتقاء الأعداء، وإنما نصب (وَالصَّابِرِينَ) على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال لشدته
وصعوبته، وقوله: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ
صَدَقُوا)؛ أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم؛
لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا (وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)؛
لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات(5).
_______________________
(1) متن العقيدة الطحاوية للعلامة أبو جعفر
الوراق الطحاوي.
(2) تفسير السعدي، ص191.
(3) الشفا (2/ 304).
(4) مجموع الفتاوى (1/ 371).
(5) المرجع السابق.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً