عقدة السلاح والمفاوضات حول مستقبل غزة

عقدة السلاح والمفاوضات حول مستقبل غزة

منذ أكتوبر 2025م، لم تلتزم دولة الاحتلال «الإسرائيلي» بمقتضيات وقف إطلاق النار في كل جوانبها، وواصلت سياسة الاغتيالات وتوسيع مناطق سيطرتها الميدانية، ومع ذلك تسعى إلى الحصول على مكاسب جديدة من خلال طاولة المفاوضات من خلال إجبار الفصائل الفلسطينية على الإقدام على خطوات تتعلق بالوصول إلى هدف نزع السلاح الفلسطيني، وفي الوقت نفسه تهدد «إسرائيل» بالعودة إلى الحرب بصورة أوسع من الوضع الحالي مع إطباقها لسيطرتها على 60% من مساحة قطاع غزة.

وفي هذا السياق، يضغط ما يسمى «مجلس السلام» على الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حركة «حماس» من أجل القبول بنزع سلاحها في غزة وتسليمه لقوات الاستقرار الدولية، وقد رفضت «حماس» وفصائل المقاومة الأخرى الحديث عن موضوع السلاح قبل أن تفي «إسرائيل» بكل التزاماتها في المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، ومع ذلك استمرت محاولات المدير التنفيذي لـ«مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف لإدراج بند نزع السلاح ضمن الصيغ المقترحة.

وحسب ما رشح من معلومات، فإن ميلادينوف لا يرى في كل هذه العملية إلا ملف نزع السلاح، ولا يتحدث عن حقوق الفلسطينيين في الدولة والسيادة وتقرير المصير إلا في السياقات الشكلية، ولم يكن له أي تصريحات ملموسة تتحدث عن انتهاكات «إسرائيل» لكل بنود المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار.

ولما سبق يتضح أن ميلادينوف يبدو معنياً بمهمة نزع السلاح أكثر من أي شيء آخر، ولهذا يجعله قلب الأجندة التفاوضية، ويحاول تهيئة البيئة التفاوضية وضغوطها على الفصائل الفلسطينية لسحب أكبر قدر ممكن من التنازلات في هذا الملف بما هو أقرب لرؤية «إسرائيل».

رؤية «إسرائيل» لنزع السلاح

تريد «إسرائيل» نزعاً كاملاً للسلاح في غزة بما يشمل الأسلحة الخفيفة مثل الكلاشينكوف وحتى الرصاص والمسدسات الشخصية، وتضع ذلك كشرط للسماح بالانتقال لأي خطط تخص إعادة الإعمار أو استكمال مراحل انسحاب الجيش «الإسرائيلي»، أو أي عملية سياسية مستقبلية، كما أنها تريد أن تتم عملية نزع السلاح بضمانات وبإشراف أمني «إسرائيلي».

وقد قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في أكثر من مرة: إن تجريد غزة من السلاح هدف مركزي، وإنه لن يسمح بإعادة إعمار غزة قبل نزع سلاحها، وتحاول «إسرائيل» أن تقول: إن هذا يمكن أن يحدث بالطريقة السهلة؛ وهي المفاوضات، أو بالطريقة الصعبة؛ وهي الضغط العسكري المباشر.

لا تهدف «إسرائيل» من عملية نزع السلاح إلى تحقيق أمنها أو تحقيق الحماية من تهديدات محتملة على جنودها أو مستوطنيها، بل تهدف إلى حرمان فصائل المقاومة الفلسطينية من أي أدوات سيطرة داخلية، وتريد نشر الفوضى في غزة وإنشاء حالة تفكك اجتماعي؛ ما يسهل خدمة الهدف الذي لم يتراجع عنه اليمين الصهيوني حتى الآن؛ وهو تهجير سكان قطاع غزة وتفريغه بالكامل.

وعليه، فإن «إسرائيل» تعتبر أن «مجلس السلام» ومؤسساته ولجانه أدوات تسهل عليها تحقيق هذا الهدف.

موقف «مجلس السلام»

كما ذكرنا، يقود ميلادينوف خطة دولية لنزع سلاح غزة، ويستخدم كل الوسائل والحيل اللازمة لإجبار «إسرائيل» على القبول النظري على الأقل بفكرة نزع السلاح، ويحاول من خلال التهديد واللغة الفوقية وضغط الفصائل الفلسطينية في موضوع الوقف، وتقديم صيغ شفوية ليست مكتوبة ومنح مهل زمنية قصيرة جداً للرد عليها، وإلا ستواجه «إسرائيل» وغزة هجوماً عسكرياً «إسرائيلياً» شاملاً.

وكذلك أيضاً من خلال تقديم صيغ تحمل فكرة التدرج في عملية نزع السلاح، وصولاً إلى التجريد الكامل، تشمل البدء بالسلاح الثقيل وصولاً إلى نزع السلاح الخفيف، وبموازاة ذلك يتم الحديث عن نزع الأسلحة الشخصية من المواطنين عبر برامج دولية مدفوعة الأجر في مراحل لاحقة.

الأسوأ مما سبق شرعنة الموقف «الإسرائيلي» في العلن، وغض الطرف عن كل خروقاته، بالرغم من التسليم بالضرر الذي تسببه في الجلسات المغلقة، ولذلك فإن ميلادينوف و«مجلس السلام» يوفرون غطاء لـ«إسرائيل» لمواصلة كل جرائمها في غزة لتحقيق تفوق ميداني ولابتزاز المفاوض الفلسطيني.

أمام رفض المقاومة الفلسطينية الانجرار لحيل طاولة التفاوض، وكما ذكرنا ضمن عملية التدرج في نزع السلاح، يتم حالياً الحديث عن عملية حصر السلاح وتحييد البنية التحتية العسكرية، كما يتم العمل على التلاعب بالألفاظ فيما يتعلق بربط سلاح المقاومة بالأفق السياسي والحقوق السياسية للشعب الفلسطيني المتمثل بإقامة الدولة وحق تقرير المصير، وهو بالمناسبة أمر قد ورد في خطة ترمب.

وتجري محاولة التحايل مرة أخرى لجعل موضوع السلاح غير مرتبط بالدولة، بل بمسار سياسي يضمن حقوق الشعب الفلسطيني، وهناك فرق كبير بين الصيغتين، فالأخيرة فيها تنصل واضح ومحاولة مبيتة سيئة لعدم الالتزام بأي حقوق للشعب الفلسطيني، وهي عملية تمت تجربتها لأكثر من 30 عاماً في عملية «أوسلو» ولم يحصل الفلسطينيون فيها على أي شيء، بالرغم من كل ما قدمته منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية من تنازلات كبيرة.

موقف فصائل المقاومة

ترفض «حماس» وفصائل المقاومة أساليب ميلادينوف، وتحاول ألا تقع في الفخ الذي ينصبونه لها، حيث اشترطت مؤخراً ربط أي حديث عن التعامل مع الأسلحة الثقيلة بالانسحاب «الإسرائيلي» الكامل من القطاع، وحتى هذه اللحظة تتجنب فصائل المقاومة استخدام مصطلح نزع السلاح، وتتحدث عن مفهوم التعامل مع السلاح.

ومن المتوقع أن ترفض «حماس» وفصائل المقاومة أي صيغ غامضة مثل «البنية التحتية للمقاومة» لا تهدف تفسيراتها إلا إلى إطلاق يد «إسرائيل»، وكذلك سترفض كل ما من شأنه أن يمس بالسيادة الفلسطينية، ولذلك سترفض وجود أي جهة غير فلسطينية تتعامل مع ملف السلاح في حال وافقت على عملية معالجة السلاح في هذه المرحلة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة