عقوق الآباء لأبنائهم.. الوجه الآخر للإهمال الأسري
الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وإذا اختل توازنها اختل البناء كله، ولا تكتمل القيم ولا تُثمر التربية إلا حينما يسود الحب والحنان والرحمة والعدل بين الآباء وأبنائهم، فلا يكون أحدهما جلاداً والآخر ضحية، بل يجب أن يكون كل منهم سنداً للآخر في رحلة الحياة لمقاومة تقلباتها وتداولها بين الناس.
ففي المجتمعات
العربية والإسلامية كثيراً ما يُسلط الضوء على عقوق الأبناء لآبائهم، ويُذمّ في
المجالس والخطب والمواعظ وتُذكر فيه الأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي تحذر
من خطورته وعواقبه الوخيمة، لكن نادراً ما يُتناول الوجه الآخر من العقوق وهو عقوق
الآباء للأبناء، مع أنه لا يقل خطورة ولا يقل أثراً تدميرياً على النفس والمجتمع.
إنّ عقوق الآباء
لأبنائهم لا يعني بالضرورة الإساءة المباشرة أو العنف الجسدي فقط، بل يشمل الإهمال
العاطفي، والتقصير في التربية، والتعامل الجاف وكسر كرامة الطفل أو الشاب بكلمات
جارحة، أو تجاهل مشاعره واحتياجاته، أو التفرقة بين الأبناء، أو الضغط الزائد عن
الحد الذي يقتل الإبداع ويطمس الذات ويزرع الخوف والقلق المستمر عند الأبناء، وهذا
ربما يصبح سبباً للتراجع الدراسي أو ربّما الفشل في إدارة الحياة.
ويبدأ العقوق
حين يُرزق الأبوان بالأبناء ولا يدركان عِظم الأمانة التي وُضعت بين أيديهما،
فيُهملان التربية أو يتركان الطفل نهباً للتلفاز والشارع ووسائل التواصل دون رقابة
أو توجيه، ويظنان أن مسؤولية الأبوة تقتصر على الطعام والشراب والملبس والرعاية
الصحية، وينسيان أن التربية الحقيقية تبدأ من بناء القيم التربوية والأخلاق
العالية وصناعة بيئة آمنة يشعر فيها الابن بالثقة والقبول وتحقيق ذاته بين أقرانه
بلا كبت أو مصادرة آرائه، بل بالإقناع دون القوة وصناعة الرقابة الذاتية من داخله.
لذلك، بعض
البيوت قد تتحول إلى ساحة للعقوق، فعندما يكبر الأطفال في أجواء مشحونة بالخوف؛
فيُضربون عند الخطأ، ويُهانون عند الضعف، ولا يسمعون كلمات التشجيع أو التقدير؛
لأنّ بعض الآباء يظن أن الحزم يعني القسوة، وأن التربية لا تنجح إلا بالصوت العالي
والتهديد، بينما الحقيقة أن الحوار والتفاهم أعظم أدوات التربية، وأن الأطفال
الذين يتلقون الاحترام والتقدير في البيت ينشؤون أكثر التزاماً وانضباطاً من أولئك
الذين تربوا على التوبيخ والعقاب.
وأنّ من مظاهر
عقوق الآباء لأبنائهم التسلط والحرمان، فبعض الآباء يمنعون أبناءهم من أبسط
حقوقهم، كالتعليم الجيد، أو اختيار التخصص الدراسي، أو اختيار الزوجة من غير بيئته
أو الاستقلالية في حياتهم، أو حتى التعبير عن آرائهم، وفي بعض الحالات يستخدم الأب
سلطته ليقهر الابن أو يتدخل في كل تفاصيل حياته حتى يصبح الابن مجرد ظل لا رأي له
ولا ذات يعبر عنها ولا شخصية مستقلة.
وهذا العقوق له
نتائج نفسية واجتماعية سلبية على الأبناء في المستقبل، منها أن الأبناء الذين
يتعرضون لعقوق آبائهم لا ينسون ذلك بسهولة، بل يحملون آثار الجراح في قلوبهم حتى
الكبر، فبعضهم ربما يفقد ثقته بنفسه ويعيش في صراع داخلي دائم، ويشعر أنه غير مهم
وغير محبوب وغير مؤثر، وقد يؤدي ذلك إلى اضطرابات نفسية خطيرة أو انحرافات سلوكية
أو حتى قطيعة بين الأبناء وآبائهم في المستقبل.
والأخطر من ذلك
أن هذه السلوكيات تنتقل إلى الأجيال اللاحقة؛ لأن من تربى على القسوة غالباً ما
يعيد إنتاجها مع أبنائه دون وعي منه، وهكذا تستمر دوامة الألم وتُورّث الأجيال
المتعاقبة صدمات نفسية تضعف بنيان الأسرة والمجتمع.
ومن المهم أن
ندرك أن العلاقة بين الآباء والأبناء ليست طريقاً ذات اتجاه واحد، فكما يُطالب
الأبناء ببر الوالدين، فإن الآباء أيضاً مطالبون بتقوى الله في أولادهم ورعايتهم
وتربيتهم بالرحمة والعدل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن
رعيته»، وليس هناك رعية أوجب من الأبناء.
وقد رُوي أن أحد
الصحابة شكا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عقوق ابنه، فاستدعى عمر الابن وسأله،
فقال: يا أمير المؤمنين، ألم يكن لي حق عليه؟ قال: بلى، قال: فإنه لم يختر لي أماً
ذات حسب ونسب، ولم يُعلمني شيئاً من القرآن، ولم يُحسن اسمي، فقال عمر للأب: «عققت
ولدك قبل أن يعقك».
ومن هنا يجب على
الآباء أن يعيدوا النظر في طريقة تعاملهم مع الأبناء ويربوهم تربية راشدة، وأن
يتحلوا بالحكمة والصبر والتوازن، فالأبوة الحقيقية ليست في إصدار الأوامر، بل في
أن تكون قدوة في الأخلاق وصديقاً في الحوار وملاذاً في الأزمات، حتى يدرك الأبناء أن
كل كلمة يقولها الآباء وكل تصرف يصدر عنهم يُنقش في ذاكرة أولادهم كالنقش على
الحجر بقناعة تامة ورضا بدون قسوة وغلظة.
كما يجب على
أئمة المساجد والدعاة والمؤسسات الدينية والمحاضن التربوية أن تُسلط الضوء على هذه
القضية وسبل علاجها في الخطب والندوات والمؤتمرات، وأن تُعقد ورش تدريبية للآباء
والأمهات حول التربية الإيجابية، وفن التواصل مع الأبناء ومهارات الاستماع
والتوجيه؛ ليأخذ الآباء دورهم بالتربية والتوجيه بدل العقوق والتفكك الأسري.