العناد الطبيعي عند الأبناء (25)

عناد الأطفال.. والبحث عن تقدير الذات

تصوير رمزي لعناد الأطفال وبحثه عن تقدير الذات من الوالدين

أحيانا كثيرة لا تكون المعركة التي يخوضها الطفل مع والديه حول ما يُـريد مجرد عناد من عناد الأطفال، بل كثيرا ما تكون حول ما يريد أن يشعر به تجاه نفسه، فقد يرفض توجيهاً بسيطاً، وقد يتمسك برأي لا يستحق كل هذا الإصرار، وقد يُحوِّل اختلافاً عابراً إلى مواجهة طويلة؛ فيظن الكبار أنهم أمام طفل يريد فرض كلمته وسيطرته، بينما هو قد يكون في داخله سؤال لم يستطع التعبير عنه بطريقة صحيحة؛ هل لرأيي قيمة؟ هل أستطيع أن أكون مختلفاً دون أن أفقد مكانتي في أعينكم؟ وهنا ستتجاوز قراءة العناد حدود السلوك الظاهر، لتلامس حاجة الطفل إلى الاعتراف بشخصيته والشعور بأنه جدير بالاحترام والتقدير.

البحث عن تقدير الذات دافع خفيّ خلف بعض مظاهر عناد الأطفال

فالطفل أحياناً لا يتمسك برأيه لأنه يرى نفسه دائماً على صواب، بل لأنه يريد أن يشعر بأن له رأياً يُحترم، وشخصية يُعترف بها، ووجوداً ملموساً لا يُهمَّش أمام سُلطة الكبار، فحين تتكرر الأوامر دون تفسير، أو تُرفض مقترحاته دون استماع، أو لا يُهتم بكلامه، فقد يُصبح الإصرار على موقفه حينها وسيلة للدفاع عن شعوره بقيمته الذاتية، وكأنه يقول: أنا أيضاً أستطيع أن أختار، ولي حق أن أُعبِّر عن رأيي.

وهنا تكمن دقة الموقف التربوي؛ إذ قد يؤدي التعامل مع كل إصرار باعتباره تحدياً إلى تحويل الخلاف البسيط إلى صراع على المكانة والكرامة، فالمطلوب ليس أن ينتصر الطفل على والديه، ولا أن ينتصر الوالدان عليه، بل أن يكون على عِلم بأن قيمته محفوظة، حتى حين يُرفض طلبه أو رأيه.

العلاقة بين عدم مراعاتنا لتقدير الذات عند الأبناء وزيادة العناد لديهم

بين إهمال تقديرالذات وتصاعد العناد عند الأبناء علاقة، فحينما يشعر الطفل أنه مُهمش، وأن محاولاته للاختيار تُقابَل بالتجاهل، وأن أخطاءه تُقابَـل بالتقليل من شأنه، حينها قد يبدأ في التمسك بمواقفه ورأيه بصورة أكثر حِدَّة؛ لا لأن كل ما يريده صحيح، بل لأنه يحاول أن يحمي شعوره بقيمته في علاقة أسرية يشعر فيها بأن الكلمة للكبار دون غيرهم، ولا يعبؤون بقول الصغار وآرائهم، ومع تكرار هذه الخبرات لدى الأبناء، قد يتحول الخلاف حول أمر بسيط إلى صِراع، فيُصبح التراجع في نظر الطفل أشبه بالاعتراف بأنه لا يملك رأياً يُعتد به، وحينها يصــر على رأيه حتى ولو كان خطأ.

وهنا قد نرى العناد بصورة سيئة؛ ولذلك حينها سننشغل بكسر الإصرار أكثر من فهم دوافعه، وهنا نكون نسير في الطريق الخطأ، وقد نزيد السوء سوءاً، ولذلك علينا أن نُظهر احترامنا للابن، ونُظهر تقديرنا لذاته، ولكن ليس معنى ذلك أن احترام الطفل يقتضي الموافقة على كل طلباته ورغباته؛ فالتربية المتوازنة تمنحه مساحة للتعبير والاختيار، وتضع له حدوداً واضحة دون إهانة أو انتقاص، فالطفل الذي يطمئن إلى أن قيمته لا تتوقف على موافقة والديه له، يصبح أقدر على تقبُّل الرفض، ومراجعة رأيه، والتراجع دون أن يشعر بأنه خسر مكانته.

حينما يُضعِف التحقير والسخرية حاجة الطفل بالشعور بقيمته

قد ينسى الوالدان تفاصيل الموقف الذي سخروا فيه من طفلهما، لكن الطفل قد يحمل أثر هذا الموقف طويلاً، وقد لا ينساه؛ فالكلمة التي تقال استهانة برأيه، أو الضحكة الساخرة التي تُقابل بها محاولته، أو المقارنة التي تجعله أقل شأناً في عينيّ نفسه، قد تُشعره بأن التعبير عن ذاته مخاطرة قد تُعرضه للإهانة، وبعض الأطفال ينسحبون أمام هذا الشعور، وتضعف نفوسهم وشخصياتهم، بينما يتمسك آخرون بآرائهم بعناد أشد، وكأنهم يحاولون انتزاع الاعتراف بقيمتهم من بيئة لا تمنحهم إياه بسهولة؛ وهنا قد يتحول العناد من مجرد إصرار على الرأي إلى محاولة للدفاع عن الكرامة المجروحة.

إن السخرية المتكررة قد تُعقد الخلافات وتُضعف الثقة المتبادلة بين الوالدين والابن، ولذلك علينا أن نُصحح سلوك الابن دون أن ننتقص من شخصه؛ نُناقش فكرته دون أن نسخر منها، ونرفض طلبه دون أن نُشعره بأنه قليل القيمـة، فالطفـل يحتاج إلى أن يتعلم أن خطأه لا يُسقط قـدره، وأن اختلافـه مع والديـه لا ينتقص من مكانتـه في قلبيهما.

من العناد إلى الثقة بالنفس.. كيف نُهذب الإصرار دون أن نكسر الإرادة؟

ليس الهدف من التربية أن نُطفئ إصرار الطفل حتى يسهل انقياده، بل علينا أن نُعلِّمه كيف يستخدم إرادته بوعي، ومتى يتمسك برأيه، ومتى يُراجعه، وكيف يختلف دون أن يتحول اختلافه إلى صراع، فالطفل الذي يُواجَه دائماً بالقمع قد يتعلم الاستسلام خوفاً من المواجهة، وقد يتمسك آخر برأيه بعناد أشد؛ وذلك دفاعاً عن استقلاله، وفي الحالتين تضيـع فرصـة تعليمه كيف يدير إرادته بصورة ناضجة وناجحة.

لذلك، علينا أن نمنـح الابن مساحة للاختيار، ونستمع إلى آرائه، ونناقشه ونحاوره بالدليل والبرهان، لا أن نقابله بالقمع والتسلط والعدوان، ومع ذلك أيضاً علينا الحفاظ على حدود واضحة لا تتغير ولا تتبدل لمجرد ارتفاع صوته أو غضبه، وكذلك حين يُخطئ علينا أن نُساعده على مراجعة موقفه دون إذلال، وحين يُصِيب علينا أن نُقدر محاولاته وتفكيره واجتهاده، فالإرادة لا تنضج بكسرها، بل بتوجيهها؛ والثقة بالنفس لا تُبنَى بالطاعة العمياء، بل بتعلم الاختيار المسؤول، وقبول الحدود، والشجاعة في مراجعة الرأي حين يتبين خطؤه.

تقدير الذات عند الأبناء.. كيف نبنيه حتى يتراجع العناد؟

لا يحتاج الطفل إلى أن ينتصر في كل خلاف مع والديه حتى يشعر بقيمته، بل يحتاج إلى أن يطمئن إلى أن له قيمة محفوظة حتى حين يختلف مع والديه أو يُرفض طلبه، وهذا الشعور لا يُبنَى بالكلام ولا بكثرة المدح والثناء، وإنما يُبنى بالتجارب وعبر المواقف، كأن نصغي لحديثه، وألا نُهمش كلامه، وأن نمنحه فرصاً حقيقية للاختيار، ونُقدر محاولاته، ونُصحح أخطاءه دون تحقير أو سُخرية.

فحين يجد الطفل أن شخصيته محترمة، وأن صوته مسموع، وأن الحدود المفروضة عليه لا تعني إلغاء إرادته وشخصيته، يصبح أقل حاجة إلى تحويل كل اختلاف إلى معركة لإثبات ذاته، ومع ذلك فليس كل عناد يكون ناتجاً عن ضعف تقدير الذات؛ فقد يرتبط أيضاً بطبيعة المرحلة العمرية وسماتها؛ ولذلك، فإننا إننا لا نبني تقدير الذات لنصنع طفلاً لا يُعاند أبداً، بل لنساعده على أن يُعبِّر عن إرادته بثقة، ويتقبل الرفض دون أن يشعر بالمهانة، ويتراجع عن رأيه دون أن يظن أنه خسر قيمته.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة