عن أولوية الموقف في صراع المشروعين الصهيوني والإيراني
«ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك، فقد يدع واجبات ويفعل محرمات» (شيخ الإسلام ابن تيمية).
إن تصاعد
الصراع في المرحلة السابقة منذ بداية «طوفان الأقصى» بشكل عام، والأيام الماضية
بشكل خاص، لا سيما بين دولة الصهاينة وإيران، أثار تساؤلات متجددة حول ترتيب
الأولويات في المواجهة، والموقف من طبيعة الصراع والأولويات فيه أيضاً، فبينما
تمثل إيران مشروعاً توسعياً مذهبياً ذا أبعاد سياسية إقليمية، ولطبيعة الصراع مع
إيران منذ نجاح الثورة في عام 1979م، وصراعاتها في المنطقة مع دول كثيرة في الخليج
والعراق، وخاصة مع ما حصل في سورية من دعمها لنظام البعث، ومشاركتها في ظلم وتدمير
للشعب السوري، ودعمها من خلال حرب الوكلاء لـ«حزب الله»، و«الحوثي» في اليمن
وغيرهم، قد حصلت تساؤلات عديدة بسبب تعدد المواقف والنظر لهذا الصراع الأخير
بالتوافق مع الموروث والواقع السابق والحالي في التعامل مع النظام الإيراني،
والرؤية لحقيقته، لذلك كانت هذه الملحوظات، وهي:
أولاً:
الكيان الصهيوني عدو وجودي يحتل المقدسات ويدعمه الغرب:
1- الاحتلال
المباشر للمقدسات: يسيطر على المسجد الأقصى ومدينة القدس، ويعمل على تهويدها عبر
مشاريع استيطانية وتشريعات قومية ذات رؤية دينية، ببناء الهيكل وتدمير المسجد
الأقصى، والقضاء على التراث الإسلامي والعربي، ومعاونة الدول المسيحية من المذهب
البروتستانتي التي تدفع بهذا الواقع لأجندات دينية مشتركة مع الصهيونية.
2- التهديد
الثقافي والديني: تسعى دولة الصهاينة لمحو الهوية الإسلامية من القدس، وهو خطر
يهدد جميع المسلمين، وليس فقط شعب فلسطين، وصراع الصهاينة ومشروعهم في التدمير
الفكري والعقدي للأمة لا يخفى من خلال الثقافة الدينية، والفنية، والسياسية..
وغيرها، فكل هذه لتعزيز مشروع تهوين التطبيع للسيطرة على العالم الإسلامي عبر
مشروع «أبراهام» وكسر الحواجز الفكرية والدينية.
خطورة المشروع الإيراني موجودة لكنها لا
تماثل خطورة المشروع الصهيوني الاحتلالي
3- الدعم الغربي
المطلق: بحسب تقارير موثقة، تحصل دولة الصهاينة على مساعدات سنوية تتجاوز 3.8 مليارات
دولار من الولايات المتحدة فقط، وتلقى دعماً سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً
يجعلها الحليف الأول للغرب في المنطقة، ولا يخفى أن هذه الدولة الطارئة على
المنطقة هي مشروع غربي متوارث منذ «وعد بلفور» في بريطانيا، وهي الوسيلة الأكبر
لمشروع الهيمنة الغربي على المنطقة العربية والإسلامية.
ثانياً:
إيران خصم سياسي ديني مذهبي توسعي:
1- التوسع عبر الوكلاء: إيران تتبع إستراتيجية النفوذ الإقليمي عبر جماعات تدين لها بالولاء في العراق وسورية ولبنان واليمن، وتسببت بلا شك في تدمير وتراجع لهذه الدول، وتراجع في مستويات التنمية والمعيشة فيها، لكنها لا تمارس احتلالاً مباشراً، فالاحتلال من الوكلاء من أسبابه ضعف في الواقع المحلي والإقليمي، ويمكن إزالته بأحوال مختلفة كما حصل في سورية، أو تبادل مصالح مع الغرب كما حصل في العراق بعد صدام حسين؛ لذلك، فالخطورة مع المشروع الإيراني موجودة لا ننكرها، ولكنها لا تماثل الخطورة في المشروع الصهيوني.
2- القيود الدولية: تواجه إيران عقوبات اقتصادية خانقة؛ ما يحدّ من قدرتها على التوسع، ويجعلها معزولة نسبياً مقارنة بدولة الصهاينة، وهذا فارق مهم يعكس التفاوت في المشاريع،
ولو حصلت بعض التوافقات مع الغرب كما كان في بعض الدول مثل العراق التي تعاون الغرب فيها مع إيران وأذرعها، فهي محدودة ومرحلية لتبادل مصالح، وتعاون الغرب مع إيران في ضرب حركة «طالبان» و«القاعدة»، فهو كما وقفت أمريكا وبريطانيا مع مشاريع سُنية مثل تحرير أفغانستان من الروس، والبوسنة من الصرب.. وغير ذلك، وهذا فارق مهم بين المشروع المدعوم من القوى العظمى، والدعم اللحظي المرحلي القائم على المصالح البراغماتية.
3- دورها في دعم المقاومة: رغم نواياها الأيديولوجية المذهبية المعروفة، وربما العرقية، حسب آراء بعض المحللين مثل د. عبدالله النفيسي.. تقدّم إيران دعماً لوجستياً وعسكرياً فعّالاً لحركات مقاومة مثل «حماس» و«الجهاد الإسلامي في فلسطين، وهو دعم واقعي ملموس في نتائجه لا بديل له، وظهر في حجم خسائر الصهاينة من 7 أكتوبر 2023م وحتى قبلها، وهو ما لا يتوفر حالياً من العرب والمسلمين السُّنة.
«إسرائيل» تمثل مشروعاً استعمارياً غربياً
يهدد الأمة أما إيران تمثل مشروعاً إقليمياً قابلاً للتراجع
وهذا الدعم لا
يعطي أبداً صكاً لحسن النوايا، ولكنه جانب مهم معتبر، والأمثلة كثيرة على جواز هذا
الدعم شرعاً وعقلاً وواقعاً، وقد تبين ذلك بحصوله في قضية أفغانستان، والبوسنة،
والكويت مع الغرب، وفي الاحتلال الفرنسي للجزائر مع الدول الشيوعية مثلاً.. وغير
ذلك.
ثالثاً:
الاختلاف في طبيعة التهديدات يرجح الميل ضد المشروع الصهيوني:
1- طبيعة
المشروع الصهيوني احتلال عسكري مباشر وتهويد للمقدسات، وذلك وصولاً لمشروع «إسرائيل
الكبرى من النهر إلى النهر»، مع السيطرة الثقافية والدينية على المسلمين، وأما
إيران توسع سياسي غير مباشر، وتصفية بشرية واستبداد سببه الأساسي ضعف الأكثرية في
هذه الدول، وتخاذل من الدول الأخرى، كما تنشر إيران مذهبها بالدرجة الثانية؛ لأن
إيران يهمها بالدرجة الأولى النفوذ السياسي كما في العراق ولبنان، وتحجيم قوة
الأكثرية المخالفة كما في سورية سابقاً.
2- التهديد من
المشروع الصهيوني لإيران تهديد لقوى في المنطقة تمتلك القوة والسلاح بعيداً عن
مذهبها، كما أشار رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى دول أخرى إسلامية تمتلك
السلاح والقوة، فقد يتحول الصراع مع باكستان أو تركيا أو غير ذلك، وسلوك الصهاينة
هو تجفيف منابع القوة في المنطقة مهما كانت ألوان الدول ومذاهبها حتى تصبح القوة
الوحيدة في المنطقة، لذلك فهزيمة إيران في هذه المعركة بالذات تحمل خطورة للمنطقة
كلها، وليس الأمر من حب إيران أم عدم حبها.
3- دولة
الصهاينة هي دولة محتلة طارئة على المنطقة، وشعبها ليس مسلماً وهو محتل محارب بلا
أدنى شك، وأما إيران هي دولة تتكون من نظام بعضه يحمل الأجندة المذهبية أو العرقية
التوسعية المجرمة، وبعضه ضد تصدير الثورة، وهناك شعب مسلم الضرر عليه وتدميره من
ضمن ما يجري على قواعد أي مسلم، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن المسلمين كلهم
سواء في وجوب نصرتهم على العدو، سواء كانوا على البدعة أو على الحق، لأن نصرة
المسلم ضد العدو الكافر واجبة شرعاً».
رابعاً:
الترتيب الشرعي والواقعي للأولويات:
1- فقه
الأولويات: من المقرر شرعاً «تقديم درء المفاسد الكبرى على الصغرى»، والخطر الأعظم
هو من يحتل المسجد الأقصى لا من يختلف معنا مذهبياً، أو لا يختلف معنا كلياً، فقال
الإمام ابن القيم: «ومنها (أي: فوائد يوم «الحديبية») أن المشركين وأهل البدع
والفجور والبغاة والظلمة إذا طلبوا أمراً يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى
أجيبوا إليه وأعطوه وأعينوا عليه وإن منعوا غيره، فيعاونون على ما فيه تعظيم حرمات
الله تعالى لا على كفرهم وبغيهم، ويمنعون مما سوى ذلك، فكل من التمس المعاونة على
محبوب لله تعالى مرضٍ له أجيب إلى ذلك كائناً من كان ما لم يترتب على إعانته على
ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدق المواضع وأصعبها وأشقها على النفوس».
2- طبيعة
المعركة: «إسرائيل» تمثل امتداداً لمشروع استعماري غربي يهدد وجود الأمة ودينها
بالكلية، في حين أن إيران تمثل مشروعاً إقليمياً محدوداً قابلاً للتراجع والتحجيم
حسب المصالح والواقع
إيران تواجه عقوبات خانقة ما يحدّ من
قدرتها على التوسع أما الصهاينة فيحظون بالدعم الغربي المطلق
3- الفرح بمصاب
إيران أثناء هذه المعركة مع الصهاينة ولطبيعة دعمها للمقاومة: يكون ضمن تراجع
لمصالح الأمة حالياً وإستراتيجياً؛ لأنه كما صرح نتنياهو أن ضرب إيران ستلحقه خطوة
ضد أي قوى مهددة بالمنطقة، فالتشفي في خسائرها إن كان يخدم الصهاينة، يقع ضمن
الخلل في البوصلة السياسية والشرعية.
4- فصل
المعارك: صحيح أن إيران عدو في بعض الميادين، لكن ليس كل عدو سواء في الدرجة،
ترتيب الأولويات ضرورة، المعركة الحالية هي معركة القدس وفلسطين، لا معركة صراع
المذاهب، وهذا حصل عندنا في الكويت؛ فلم نرفض دعم إيران لتحرير الكويت مع كونها مع
أذرعها قبل سنوات من الغزو تسببت في خطف طائرة الجابرية، وتفجير المقاهي، ومحاولة
اغتيال الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، كما تتعاون الدول الإسلامية عسكرياً
واقتصادياً وثقافياً مع دول كثيرة متورطة في دماء المسلمين وحريتهم مثل الهند
وفرنسا والصين.. وغير ذلك.
إن دولة
الصهاينة بما تمثله من احتلال مباشر ودعم دولي ومشروع تهويدي للمقدسات، تبقى العدو
الأخطر والأول في هذه المرحلة، أما إيران، رغم خطورتها السياسية والطائفية في بعض
الجبهات، فلا تشكل تهديداً وجودياً موازياً، بل إن بعض سياساتها تخدم بشكل مباشر
قدرة المقاومة على الاستمرار، كما تعاونت بعض الدول الإسلامية السُّنية مع إيران
في ملفات مختلفة مع وجود الخصومة معها، إن التعامل الذكي الواقعي مع هذا التعقيد
السياسي يتطلب عدم خلط الجبهات وتقديم الأولويات بما يخدم مصلحة الأمة العليا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً