تُفتح أبواب «الأقصى».. وتُغلق القدس في وجه أهلها
«عيد الغفران» العبري.. ومعركة السيطرة على المكان والإنسان
لم تكن الساعات
الممتدة من مساء السبت 19 سبتمير إلى مساء الإثنين 21 منه أيامًا عادية في القدس والمسجد الأقصى ومحيطهما؛ فقد تزامنت مناسبة «يوم الغفران» اليهودية مع اقتحامات
واسعة للمسجد، وإغلاقات وحواجز وقيود مشددة في القدس، وعملية عسكرية ممتدة في بلدة
بدّو شمال غرب المدينة.
وإذا نُظر إلى
كل واقعة منفردة أمكن أن تضيع دلالتها في زحام الأخبار؛ لكن جمعها في مشهد واحد
يكشف حقيقة أشد خطورة: كان المكان يعاد تنظيمه بالقوة، بحيث تتسع الحركة لفئة،
وتضيق على أخرى؛ تُفتح مسارات إلى الأقصى للمقتحمين، بينما تُغلق طرق المدينة في
وجوه أهلها، وتمتد القبضة الأمنية من المسجد إلى الشارع، ومن الشارع إلى البلدة،
ومن البلدة إلى البيت.
هذه هي المفارقة
التي ينبغي أن يبدأ منها فهم ما جرى، لا عدد المقتحمين وحده، على ضخامته، فقد بلغ
عدد من اقتحموا المسجد الأقصى عبر باب المغاربة خلال يومي الأحد والاثنين 1678
مستوطنًا؛ 992 في اليوم الأول و686 في اليوم الثاني، وفق الأرقام التي أعلنتها
محافظة القدس، فضلًا عن مئات دخلوا في تصنيف «السياحة»، وشهدت الاقتحامات، بحسب
المصادر الفلسطينية، صلوات جماعية وطقوسًا علنية، وكان وزير الأمن القومي
الإسرائيلي إيتمار بن غفير بين الداخلين يوم الأحد.
غير أن دلالة
الرقم لا تكتمل إلا إذا وضعناه إلى جوار صورة أخرى وقعت في الوقت نفسه: بينما كانت
جماعات كبيرة تدخل الأقصى تحت حماية الشرطة، كانت إجراءات الإغلاق والحواجز تعيد
رسم حركة الفلسطيني في القدس ومحيطها، وهنا تحديدًا تتجاوز القضية معنى «الاقتحام»
إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يمتلك حق الحركة في المدينة، ومن يملك سلطة فتح الطريق
وإغلاقه، وتيسير الوصول إلى المكان أو الحيلولة دونه.
"عيد الغفران" العبري.. ومدينة تتسع للمقتحم وتضيق بأهلها
شهدت القدس خلال
المناسبة إغلاقات لطرق ومحاور، وتشديدًا أمنيًّا واسعًا، وقيودًا على الحركة بين
المدينة والضفة الغربية، بما انعكس على تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين. ولم
يعد الحاجز، في مثل هذا السياق، مجرد قطعة إسمنت أو بوابة حديدية؛ إنه أداة تعيد
تشكيل علاقة الإنسان بمدينته، فبقرار واحد يصبح البيت القريب بعيدًا، والمسجد الذي
لا تفصلك عنه إلا دقائق رحلةً مجهولة، والعمل معلقًا على طريق مفتوح أو مغلق،
والزيارة الأسرية مرهونة بإذن المرور.
وهنا تتكشف إحدى
أكثر صور السيطرة عمقًا: أن تتحول الجغرافيا نفسها إلى نظام من الإذن والمنع،
فالسيطرة على المدن لا تمارس فقط بالوجود العسكري أو القرارات السياسية الكبرى؛
إنها تمارس أيضًا بالقدرة على التحكم في التفاصيل الصغيرة التي يتكون منها يوم
الإنسان: متى يخرج؟ ومن أي طريق؟ وإلى أين يستطيع الوصول؟ وكم ينتظر؟ وهل يعود إلى
بيته في الموعد الذي اختاره أم في الموعد الذي يسمح به الحاجز؟
ولهذا فإن
السؤال عن القدس ليس سؤالًا عمن يملك الأرض في الخرائط وحدها، وإنما عمن يستطيع أن
يعيش في هذه الأرض حياة طبيعية، فالمدينة ليست حجارة وشوارع وأبوابًا فحسب؛
المدينة هي حركة أهلها فيها، فإذا أصبح السكان مضطرين كل صباح إلى إعادة حساب
طرقهم وأعمالهم وصلواتهم ومدارس أبنائهم على ضوء الحواجز والإغلاقات، فإن التحكم
في الحركة يصبح شكلًا يوميًا من أشكال التحكم في المدينة نفسها.
ومن هنا تبدو
المفارقة أكثر قسوة: في داخل الأقصى اتسعت في ذلك اليوم مساحة الحركة والطقوس
لجماعات المقتحمين تحت حماية الشرطة، وفي محيطه تقلصت مساحة الحركة لأعداد من
الفلسطينيين. ولذلك فالمشكلة ليست في أن لأصحاب ديانة مناسبة دينية يحتفلون بها؛
فحرية الاعتقاد والعبادة حق إنساني أصيل. إنما تبدأ المشكلة عندما تصبح حرية طرف
مصحوبة بتقييد واسع لحياة طرف آخر، وحين تتحول المناسبة الدينية، في آثارها
الأمنية والمكانية، إلى زمن استثنائي يُعاد فيه ترتيب حقوق الناس في الطريق
والمدينة والمقدس؛ فالحرية التي تتسع لطرف بقدر ما تضيق على آخر تحتاج إلى مساءلة
في ميزان العدل.
بدّو.. حين يصل الحصار إلى عتبة البيت
ولا تكتمل صورة
تلك الأيام إذا بقينا داخل أسوار القدس، ففي بلدة بدّو، شمال غرب المدينة، كانت
دائرة أخرى من المشهد تتشكل؛ حيث جاءت العملية العسكرية الإسرائيلية عقب هجوم قرب
مستوطنة «نفيه تسوف/حلميش» أدى إلى مقتل إسرائيلي، وهو سياق ينبغي إثباته حتى تكون
الصورة كاملة؛ لكن الإجراءات التي أعقبت ذلك اتسعت لتشمل البلدة وسكانها على نطاق
كبير، وأكدت مصادر فلسطينية احتجاز عشرات الشبان، بينهم نحو 53 شابًّا جُمعوا في
منزل استولت عليه القوات وحولته إلى مركز للتحقيق والاحتجاز، إلى جانب مداهمات
وتفتيش واعتداءات وإجراءات طالت الحياة اليومية في البلدة.
ولعل صورة البيت
الذي يتحول إلى مركز تحقيق تختصر جانبًا كبيرًا من المشهد كله، فالبيت هو آخر
دوائر الأمان في حياة الإنسان؛ إليه يعود حين تضيق به المدينة، وفيه تجتمع أسرته،
ومن جدرانه يبدأ معنى الخصوصية والسكينة، فإذا امتدت السلطة العسكرية من الحاجز
إلى الشارع، ثم من الشارع إلى البيت، وحولت المنزل من فضاء للسكينة إلى مكان
للتحقيق والاحتجاز، فإن المجال المدني نفسه يكون قد تقلص أمام المجال الأمني.
وهكذا لا تبدو
بدّو قصة منفصلة عن القدس والأقصى، بل تكشف من زاوية أخرى المنطق نفسه: التحكم في
الإنسان من خلال التحكم في المجال الذي يعيش فيه، في الأقصى سؤال الدخول والعبادة،
وفي القدس سؤال الطريق والحركة، وفي بدّو سؤال البيت والحي والبلدة. تتغير الصورة،
ويبقى جوهر السلطة واحدًا: من يملك أن يفتح ويغلق، وأن يسمح ويمنع، وأن يحول
المكان من وظيفته الطبيعية إلى وظيفة تفرضها القوة؟
معركة الحركة هي معركة على الحياة نفسها
إذا تأملنا
مفردات هذه الأيام وجدناها تكاد تدور كلها حول أفعال الحركة: يدخل، يُمنع، يُغلق،
يُبعد، يُحتجز، يُفتش، يُحاصر، يُسمح له بالمرور، يُرد عن الطريق، وليست هذه
مصادفة لغوية، بل مفتاح لفهم المشهد.
فمن يملك التحكم
في حركة الإنسان يملك قدرًا كبيرًا من التحكم في حياته؛ لأن الإنسان لا يعيش في
المكان إلا بالحركة خلاله. البيت يحتاج إلى طريق، والعمل يحتاج إلى طريق، والمدرسة
تحتاج إلى طريق، والمسجد يحتاج إلى طريق، وصلة الرحم تحتاج إلى طريق، والمستشفى
يحتاج إلى طريق، فإذا أصبحت الطريق نفسها خاضعة باستمرار للإغلاق والإذن والمنع،
انتقلت السيطرة من الأرض المجردة إلى الزمن الإنساني أيضًا؛ لأن الحاجز لا يأخذ من
الإنسان مساحة فحسب، بل يأخذ من عمره.
الحواجز.. استنزاف للوقت والحياة
فالسيطرة على
الحركة ليست استيلاءً على المكان وحده، وإنما هي استيلاء متكرر على الزمن أيضًا،
فكل حاجز لا يغلق طريقًا فحسب، بل يقتطع من عمر إنسان؛ وكل ساعة انتظار عند بوابة
مغلقة هي ساعة انتُزعت من عمل أو علم أو أسرة أو عبادة أو راحة، وحين يضطر
الفلسطيني إلى أن يخرج قبل موعده بساعات احتياطًا لحاجز لا يعرف متى يفتح، أو
يتأخر عن بيته لأن طريقًا أُغلق فجأة، أو يفوته موعد أو درس أو علاج لأن غيره يملك
تقرير زمن عبوره، فإن السيطرة تكون قد تجاوزت الجغرافيا إلى الاستيلاء على الوقت
نفسه. والأرض التي يمكن أن تستعاد يومًا تبقى في مكانها، أما الساعات التي تُنتزع
من أعمار الناس فلا يعيدها إليهم أحد.
وليست المسألة
ساعات متناثرة في حياة أفراد؛ فعندما تتكرر التجربة كل يوم مع آلاف الناس، يتحول
الزمن المهدور إلى استنزاف اجتماعي واقتصادي وتعليمي هائل: ساعات عمل تضيع، ودروس
تتعطل، ومواعيد علاج تتأخر، وأسر تنتظر، وأعمال تتعثر، وأعصاب تبقى معلقة على
احتمال الفتح والإغلاق، وهكذا لا يعود الحاجز مجرد أداة لضبط المرور، بل يصبح أداة
لإعادة تشكيل إيقاع الحياة كلها؛ فهو لا يقول للإنسان فقط: من أين تمر؟ وإنما يفرض
عليه أيضًا: متى تمر، وكم تنتظر، وكم يبقى لك من يومك بعد أن يسمح لك بالعبور؟
ومن هنا يتسع
المعنى المقاصدي للقضية، فحفظ الإنسان ليس حفظ جسده من القتل وحده، وإنما حفظ
كرامته وأمنه وسكينته وقدرته على ممارسة ضروراته وحاجاته المشروعة، وحفظ الدين ليس
إبقاء المسجد قائمًا بالحجارة وحدها، وإنما تمكين الناس من الوصول إليه وأداء
عبادتهم فيه، وحفظ المال لا ينفصل عن قدرة الإنسان على بلوغ متجره وعمله، وحفظ
الأسرة لا ينفصل عن أمن البيت واستقرار الحياة اليومية؛ ولهذا فإن حرية الحركة
ليست ترفًا حضريًّا، بل وعاء تمارس من خلاله جملة من الحقوق والمصالح الإنسانية
الأساسية.
وهذه زاوية
ينبغي أن تحضر بقوة في خطابنا عن القدس؛ لأننا كثيرًا ما نرصد الأحداث الكبرى،
بينما تُصنع التحولات العميقة أيضًا عبر آلاف التفاصيل الصغيرة التي تعيد تشكيل
حياة الإنسان يومًا بعد يوم، قد لا يظهر الحاجز في نشرات العالم خبرًا كبيرًا،
لكنه بالنسبة إلى من يقف أمامه كل صباح قد يصبح المؤسسة الأكثر حضورًا في حياته.
أيُّ غفران لا يمر بالعدل؟
ويبلغ المشهد
ذروة مفارقته الأخلاقية حين نتذكر اسم المناسبة التي جرى كل ذلك في ظلها:
"يوم الغفران"، ففي التقليد الديني اليهودي، يوم الغفران زمن للصوم
والتوبة ومحاسبة النفس وطلب الصفح، بل إن المصادر اليهودية نفسها تميز بين الذنوب
المتعلقة بعلاقة الإنسان بالله وبين المظالم الواقعة على الناس، وتقرر أن الثانية
لا يكفي فيها الصوم والطقس الديني حتى يسعى الإنسان إلى إصلاح ما بينه وبين من
أساء إليه.
وهذا معنى
أخلاقي جدير بأن يؤخذ بجدية؛ لأنه يقود إلى سؤال لا يتعلق باليهودية وحدها، بل بكل
تدين في الأرض: ما قيمة العبادة إذا انفصلت عن العدل؟ وما معنى أن يطلب الإنسان
المغفرة من السماء بينما تبقى مظالم العباد على الأرض بلا إنصاف؟
وهذا هو الميزان
الذي جاء به القرآن في صورة لا تحتمل الالتباس؛ إذ لم يجعل التقوى شعيرة منفصلة عن
أخلاق الإنسان، بل قال: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
والأبلغ أن الآية نفسها جاءت في سياق العلاقة بمن يحمل الإنسان تجاههم مشاعر
الخصومة: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، فالعدل
الذي يريده الوحي ليس عدل الإنسان مع صديقه، وإنما يظهر امتحانه الحقيقي عندما
يملك القوة في مواجهة خصمه.
ومن هنا لا
نحتاج إلى السخرية من «يوم الغفران» ولا من عقائد أحد؛ بل يكفي أن نضع الاسم إلى
جوار المشهد ونسأل السؤال الإنساني الكبير: كيف يكتمل معنى الغفران إن لم يثمر
عدلًا؟ وكيف تصفو العبادة إذا كانت حياة إنسان آخر تضيق في الطريق والبيت والمقدس؟
وكيف يصبح الدين طريقًا إلى الله إن لم يجعل صاحبه أكثر شعورًا بحرمة الإنسان؟
فالعبادة التي
لا توقظ الضمير قد تؤدي شكلها وتفقد روحها، والتدين الذي لا يقيم ميزان العدل
يحتاج إلى مراجعة نفسه مهما كثرت طقوسه.
لا تجعلوا الحصار أمرًا عاديًّا
غير أن الخطر
الأعمق لا يكمن في يومين من الإغلاق، ولا في حاجز يُنصب اليوم ثم يُرفع غدًا،
وإنما في أن تتراكم الإجراءات الاستثنائية حتى تتحول إلى بنية دائمة تحكم الحياة
اليومية؛ فينشأ الفلسطيني وهو مضطر إلى حساب الطريق والحاجز والإغلاق والمنع ضمن
أبسط قرارات يومه، وتصبح الحركة التي يفترض أن تكون حقًا طبيعيًا مسألة خاضعة في
كل مرة لاحتمال السماح أو المنع. وعندئذ لا يعود التضييق حادثة تقع على هامش
الحياة، بل يدخل في صميمها، ويعيد تشكيل علاقة الإنسان بمدينته وزمانه وبيته وعمله
ومقدسه.
وللإنسان قدرة
عجيبة على التكيف مع أقسى الظروف؛ وهي قدرة تحفظ له أسباب البقاء، لكنها قد تتحول،
في مفارقة مؤلمة، إلى ستار يحجب عن الآخرين مقدار المعاناة التي يعيشها؛
فالفلسطيني يتعلم الطريق البديل لأن طريقه أُغلق، ويخرج أبكر لأن الحاجز قد يسرق
ساعات من يومه، وينتظر أطول لأنه لا يملك تقرير زمن عبوره، ويؤجل زيارة أو موعدًا
أو عملًا، ثم يعيد ترتيب يومه كله وفق ما تسمح به منظومة الإغلاق والمنع.
ومن بعيد تبدو
الحياة كأنها مستمرة: الناس يذهبون ويعودون، والمتاجر تفتح، والأطفال يصلون إلى
مدارسهم؛ لكن ما لا تراه العين البعيدة هو الثمن الذي تدفعه هذه الحياة لكي تستمر:
أعمار تُستهلك في الانتظار، وكرامة تُستنزف عند الحواجز، وطمأنينة تتآكل تحت وطأة
الاحتمال الدائم للمنع والإغلاق.
ومن هنا تكتسب
معركة التوثيق معناها الحقيقي؛ فالمطلوب ألا تُسجَّل الاقتحامات الكبرى وحدها، بل
أن يوثَّق أيضًا هذا الاستنزاف الصامت للحياة: ساعات الانتظار، وأيام الإغلاق،
وتعطل الدراسة والعمل، وصعوبة الوصول إلى العلاج والعبادة، وما تتركه الحواجز في
اقتصاد الأسرة واستقرارها ووقتها؛ فالأرقام هنا ليست ترفًا إحصائيًّا، وإنما شهادة
تحفظ ما قد تخفيه قدرة الناس على الاحتمال والاستمرار، وإذا كان التكرار قادرًا
على جعل الظلم مألوفًا، فإن التوثيق يعيد إليه اسمه وحجمه وأثره، ويمنع الحياة
التي أُجبرت على التكيف معه من أن تتحول إلى دليل زائف على أنه لم يعد ظلمًا.
القدس.. حق في الحياة قبل أن تكون عنوانًا للصراع
إن حصيلة «عيد
الغفران» لهذا العام لا ينبغي أن تبقى مجموعة أرقام: 1678 مقتحمًا، وعشرات
المعتقلين، وحواجز مغلقة، وطرق مقطوعة. وراء كل رقم إنسان، ووراء كل حاجز حياة،
ووراء كل طريق مغلق قصة لم تصل إلى نشرة الأخبار.
والقدس، قبل أن
تكون عنوانًا تتنازعه السياسات، مدينة يعيش فيها بشر؛ يذهبون إلى أعمالهم، ويحملون
أبناءهم إلى مدارسهم، ويقصدون مساجدهم وكنائسهم، ويزورون مرضاهم، ويعودون في
المساء إلى بيوتهم؛ ولذلك فإن الدفاع عن القدس لا ينبغي أن ينحصر في الدفاع عن
الحجر، على جلال الحجر وقداسته، بل يجب أن يشمل الدفاع عن حق الإنسان المقدسي في
أن يعيش في مدينته حياة كريمة طبيعية، لا حياة استثنائية معلقة على الحاجز والإذن
والمنع.
وكذلك الأقصى؛
فحمايته لا تعني أن تبقى جدرانه وقبابه قائمة فحسب، بل أن يبقى مسجدًا حيًا بأهله
ومصليه وأوقافه ووظيفته، وأن يكون الوصول إليه حقًا لا مِنّة، والعبادة فيه حرية
لا امتيازًا تمنحه سلطة وتمنعه.
لقد كشفت أيام
«الغفران» هذه المرة مفارقة لا ينبغي أن تضيع: اتسعت أبواب الأقصى للمقتحمين،
وضاقت طرق القدس بأهلها؛ اتسعت مساحة الطقوس لفئة، وضاقت مساحة الحياة على فئة
أخرى؛ كثر الحديث عن المغفرة، وبقي العدل ينتظر نصيبه.
وما أحوج عالمنا
إلى أن يستعيد المعنى البسيط الذي جاءت به رسالات السماء كلها: أن الطريق إلى الله
لا يمكن أن يُعبَّد بظلم الإنسان؛ فالقداسة التي لا تصون الكرامة تفقد معناها،
والعبادة التي لا تثمر عدلًا تحتاج إلى أن تسأل نفسها عن روحها، والغفران الذي لا
يعيد للإنسان حقه يظل ناقصًا مهما كثرت حوله الطقوس، أما القدس، فلن تكون مدينة
للسلام حقًّا حتى يكون الإنسان فيها آمنًا في مسجده وبيته وطريقه، وحتى لا يكون
فتح الباب لطرف مرادفًا لإغلاقه في وجه الآخر.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً