عينان لا تمسهما النار

عيون جيشنا الساهرة.. وفضل الرباط في سبيل الله

د. مصطفى كمال

09 أبريل 2026

4131

كلما سمعت أصوات تصدي قوات الدفاع الكويتية للهجمات الغادرة في ظلمات الليل أو أثناء النهار سواء بطرقاتها المزلزلة أو عبر صافرات الإنذار، أو نشرات الأخبار، نسمع ذلك ونحن في البيوت آمنون! أقول في نفسي: جزى الله المرابطين المدافعين عن أرض الوطن خير الجزاء، جزى الله أعينًا ساهرة، وسواعد متشمرة، وعزائم متوقدة تدفع عن البلاد والعباد شر العدوان، وأردف داعيًا الله أن يحفظهم بعينه التي لا تنام، وأن يسددهم ويرعاهم.

وأتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم مبشرًا إياهم: «عَينانِ لا تمَسَّهما النَّارُ عينٌ بكت من خشيةِ اللهِ، وعينٌ باتت تحرسُ في سبيل اللهِ» (سنن الترمذي عن ابن عباس، بسند حسن، 1639)، وأتذكر حديث النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «رِباطُ يَومٍ في سَبيلِ اللهِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيا وما عليها، ومَوضِعُ سَوطِ أحَدِكُم مِنَ الجَنَّةِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيا وما عليها، والرَّوحةُ يَروحُها العَبدُ في سَبيلِ اللهِ أوِ الغَدوةُ خَيرٌ مِنَ الدُّنيا وما عليها» (صحيح البخاري، 2892).

معنى الرباط:

والرِّباطُ هو مُلازَمةُ المَكانِ الذي بيْنَ المُسلِمينَ وعدوهمِ؛ لِحِراسةِ المُسلِمينَ، فهو الإقامةُ في الثُّغورِ، ونالَ المُرابِطُ في سَبيلِ اللهِ هذا الأجْرَ؛ لِمَا فيه مِنَ المُخاطَرةِ بالنَّفسِ مِن أجْلِ حِفظِ الإسلامِ والمُسلِمينَ. فإذا نُمي إلى أسماعنا خبر إصابة أحد من جنودنا الكرام تألم القلب، وتوجه إلى الله تعالى داعيًا أن يشفي الله المرضى وأن يعافيهم، وأن يتقبل شهداءهم في الصالحين، وأن يجعل هذا البلد أمنا أمانًا سخاءً رخاءً. 

فضل الرباط في سبيل الله :

ولأنكم يا صقور جيشنا تجسدون هذا المعنى النبيل على ثغورنا؛  هنيئًا لكم تلك المناقب:

1ـ شهادة النبوة للمرابطين بالصلاح والرجولة:

لقد فرح النبي صلى الله عليه وسلم وأعلن رضاه عن صحابي قضى الليل ساهرًا يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحميه، فأثنى عليه وشهد له بالرجولة والصلاح، ففي صحيحِ مُسلِمٍ: سَهِرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَقدَمَه المَدينةَ لَيلةً، فقال: «لَيتَ رَجُلًا صالِحًا مِن أصحابي يَحرُسُني اللَّيلةَ»، قالت: فبينا نَحنُ كَذلك سَمِعنا خَشخَشةَ سِلاحٍ، فقال: «مَن هذا؟»، قال: سَعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «ما جاءَ بكَ؟»، قال: وقَعَ في نَفسي خَوفٌ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجِئتُ أحرُسُه، فدَعا له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ نام (صحيح البخاري، 7231)

وهذه مَنقَبةٌ لسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه، ولمن اقتدى به، حيث حرص على حِراسةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم له ووصفه بالصلاح، فأكرم برجال ينام الناس في حراستهم آمنين، وهم تحت عين الله ساهرون متيقظون!

2- دعاء النبي للمرابطين بالحفظ والرحمة :

وممن نال شرف الحراسة والمرابطة ورضا النبي صلى الله عليه وسلم ودعاءه الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري؛ فقد روى الحاكم في «المستدرك» عن أبي هريرة قال: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَفِيَّةَ بَاتَ أَبُو أَيُّوبَ عَلَى بَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ وَمَعَ أَبِي أَيُّوبَ السَّيْفُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَتْ جَارِيَةً حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، وَكُنْتَ قَتَلْت أَبَاهَا وَأَخَاهَا وَزَوْجَهَا، فَلَمْ آمَنْهَا عَلَيْكَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَهُ خَيْرًا(صحيح مسلم، 2410).

وفي راية عند ابن سعد في «الطبقات» عن ابن عباس: فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ نَزَلَ فَدَخَلَ الْفُسْطَاطَ وَدَخَلَتْ مَعَهُ، وَجَاءَ أَبُو أَيُّوبَ فَبَاتَ عِنْدَ الْفُسْطَاطِ مَعَهُ السَّيْفُ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى الْفُسْطَاطِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم سَمِعَ الْحَرَكَةَ فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟»، فَقَالَ: أَنَا أَبُو أَيُّوبَ فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَارِيَةٌ شَابَّةٌ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، وَقَدْ صَنَعَتَ بِزَوْجِهَا مَا صَنَعَتَ، فَلَمْ آمَنْهَا؛ قُلْتُ: إِنْ تَحَرَّكَتْ، كُنْتُ قَرِيبًا مِنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا أَيُّوبَ، مَرَّتَيْنِ» (الحاكم في المستدرك، (4/ 28-29)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي)

وفي رواية: فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم دعا له قائلاً: «اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني» (طبقات ابن سعد 2/ 116)

وسيراً على سُنة نبينا نقول: اللهم احفظ جنود الكويت كما يبيتون يحفظوننا، وأنزل عليهم رحمتك يا أرحم الراحمين هم وسائر إخوانهم من المسلمين.

3- الرباط خير من مجاورة الحرمين:

وإن مقام أحدهم ليلة في ثغره وحراسته لأحب عند الصالحين من ليال يقضونها بمكة المكرمة والمدينة متعبدين في الحرمين الشريفين! كما صدح بذلك الإمام أحمد بن حنبل، فقد حكى ابن المنذر في الأوسط عن الإمام أحمد بن حنبل، أنه سئل: المُقام بمكة أحبُّ إليك أم الرباط؟ قال: الرباط أحبُّ إليَّ، وقال: ليس يعدل عندنا شيء من الأعمال الغزو والرباط. (سيرة ابن هشام، 2/ 339)

وذلك لأن الرباط من جنس الجهاد، والمجاورة غايتها أن تكون من جنس الحج، كما قال تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ) (التوبة: 19). حتى قال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحبُّ إليَّ من أن أوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود. (تشويق العباد الى فضائل الجهاد، حمد بن إبراهيم العثمان (1/ 79)، فقد اختار الرباط ليلة على العبادة في أفضل الليالي عند أفضل البقاع.

4- الرباط خير من الصيام والقيام :

وقد جاء في فضل الرباط حديث يشنف الآذان ويشرح صدور المجاهدين المرابطين؛ فعن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رِباطُ يومٍ في سبيلِ اللهِ خيرٌ مِن صيامِ شهرٍ وقيامِه ومَن مات مُرابِطًا في سبيلِ اللهِ أُجِير مِن فِتنةِ القبرِ وجرى عليه صالِحُ عمَلِه إلى يومِ القيامةِ» (ابن حبان، 4603)، وعن عثمان بن عقان سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رباط يوم في سبيل الله، خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» (أخرجه مسلم (1913) والترمذي (1665)، أخرجه الطبراني في الأوسط، (4/ 227) (1545))، أي الأماكن والبقاع ولو كانت مكة والمدينة.

5- المرابطون شركاؤنا في أجور ما نعمل :

إن هؤلاء المرابطين على الثغور وهم يؤمنوننا ونحن نصلي ونتهجد فإنهم يشاركوننا أجر ما نعمل من الصالحات، فقد روى الطبراني عن أنس بن مالك قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أجر الرباط؟ فقال: «مَن رابَط لَيلةً حارِسًا مِن وراءِ المُسلمينَ، كان له أجرُ مَن خَلفَه مِمَّن صامَ وصَلَّى» (أخرجه أحمد (442)، وسنن الترمذي 1667).

6- بشرى للمصابين:

ونزف إلى الإخوة المصابين وهم في موطن الشرف والفخار هذا، بشارة النبي صلى الله عليه وسلم التي يقول فيها: «من راحَ رَوحةً في سَبيلِ اللَّهِ كانَ لَهُ بمثلِ ما أصابَهُ منَ الغُبارِ مسْكًا يومَ القيامَةِ» (الطبراني في المعجم الأوسط، 8059)؛ فهذا في غبار أصابه، فكيف بجراح ومخاوف؟! وقال النبي صلى الله عليه وسلم، كما روى أبو هريرة: «ما مِن مَكلومٍ يُكلَمُ في سَبيلِ اللهِ إلَّا جاءَ يَومَ القيامةِ وكَلْمُه يَدمَى، اللَّونُ لَونُ دَمٍ، والرِّيحُ ريحُ مِسكٍ» (ابن ماجه، 2775). إن كل من يسهم في بقاء المجتمع قويًا عزيزًا واقفًا على قدميه في ظل تلك الأزمة حتى تنجلي ينال شرف المرابطة في سبيل الله عز وجل.


اقرأ أيضا 

من الكويت.. رسالة إلى العالم

الكويت ومقاومة التطبيع


الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة