غزة المنسية.. احتياجات مفقودة وخروقات يومية
«يظن العالم
أن الحرب على غزة قد توقفت، والحقيقة أننا ما زلنا نعيش تفاصيلها كل ساعة؛ أصوات
قصف، وانفجارات عنيفة تهز أرجاء المدينة، وصرخات فَقْد لا تتوقف، حتى وأنا أكتب
هذه المنشور أصوات القذائف تكاد تخلع القلوب هذه حياتنا التي تعودنا عليها، واعتاد
عليها العالم».
هذه تدوينة
للداعية جهاد حلس، سجّلها من قلب غزة لتكون شاهدة على المعاناة التي لم تبرح أجواء
غزة، رغم توقف الحرب رسميًا بهدنة في أكتوبر الماضي، لكنها صارت هدنة اللاسلم
واللاحرب، بل هي للحرب أقرب؛ فاستهداف المدنيين والصحفيين متواصل لم ينقطع لكن
بوتيرة أقل من الإبادة الجماعية.
ومما يزيد من
معاناة غزة هذا النسيان الذي يلف أخبارها بسبب ما تشهده المنطقة من صراعات، آخذة
في التصاعد، وجذبت الأنظار بعيدًا عن قضية فلسطين برمتها، وعن غزة خاصة، حتى أصبحت
شؤونها تأتي في ذيل الأخبار، وربما لا تأتي.
في الجانب الإنساني
في هذا الجانب،
لا جديد فيما يخص التخفيف من معاناة الغزيين بعد عامين من الإبادة الجماعية، ولم
يلتزم الكيان الصهيوني باستحقاقات المرحلة الأولى من إدخال المساعدات والكرفانات
والأدوية والمعدات اللازمة لإزالة الأنقاض، وغير ذلك مما يسمح لأهل غزة بالتقاط
الأنفاس.
وعلى سبيل
المثال، تابعنا صورة الطفل الذي يحمل ثلاثة جالونات مياه؛ اثنين في يديه، وواحدًا
بين أسنانه، في مشهد يعكس ما تعانيه غزة في ملف المياه النظيفة، وما يعيشه أطفالها
من مسؤولية مبكرة بسبب ظروف الحرب، وفقدان العوائل، ووجود جرحى أو مرضى في كل
أسرة.
لقد عكست هذه
الصورة أكثر من حقيقة مُرة، وأوجزت الكثير مما ينبغي أن يقال عن أهل غزة الكرام
وما يعانونه.
وسجلت الحملة
العالمية لوقف الإبادة في غزة ذلك على حسابها بـ«فيسبوك»، قائلة: بعد عدة أيام من انقطاع ضخّ المياه إلى مراكز الإيواء،
تواجه العائلات في القطاع اليوم صعوبة كبيرة في الحصول على مياه شرب آمنة، التي
كانت «UNICEF» توفرها سابقًا مجانًا في مواقع الإيواء.
واليوم، أوقفت «يونيسف»
توزيع هذه المياه؛ ما ترك العائلات تنتظر أي شخص أو جهة داعمة لتوفير الماء، وتنعكس حالة هذه العائلات في هذا الطفل، الذي يتمسّك
بأسنانه ويديه وهو يحاول تأمين الماء لملء جالوناته البالية.
وفي الملف
الإنساني أيضًا، أصبحت الأخطار الناجمة عن السكن بالخيام تتفاقم كل يوم، ليس فقط
مع أمطار الشتاء كما حدث في المنخفض الجوي أواخر مارس الماضي، ولا مع حر الصيف كما
نحن مقبلون عليه، وإنما أيضًا مع الحشرات والحيوانات والقوارض التي باتت تهدد
الأطفال والرضع، وفي إحدى الحالات، هاجم «جرذ» طفلاً رضيعًا ونهش وجهه، وترك الطفل
في حالة خطيرة.
الاستهداف لم يتوقف
أشرنا إلى أن
الحرب بوتيرتها العالية الإبادية هي فقط ما توقف في غزة، أما استهداف المدنيين بل
وأفراد الشرطة وقوات الأمن، فلم يتوقف، وبصفة يومية يرتقي شهداء وتستقبل
المستشفيات جرحى ومصابين.
وكمثال، في يوم
الثلاثاء (14 أبريل) ارتقى 11 شهيدًا، جرّاء غارات الاحتلال على مدينة غزة
وشمالها، ومنها غارة استهدفت سيارة شرطة، وأسفرت عن استشهاد أربعة، بينهم الطفل
يحيى الملاحي البلغ من العمر ثلاثة أعوام، إضافة إلى إصابة تسعة من المارة؛
ليتجاوز عدد الشهداء منذ بدء الهدنة أكثر من 750 شهيدًا.
وقبل ذلك، وفي
يوم الأربعاء (8 أبريل)، اغتال الكيان الصحفي محمد وشاح، المراسل الميداني بقناة «الجزيرة
مباشر»، في قصف غادر استهدف مركبته؛ ما يعكس سياسة الكيان المتعمدة في كتم صوت
الحقيقة واغتيال الصحفيين منذ السابع من أكتوبر.
وذكرت «الجزيرة»،
في بيان، أن اغتيال وشاح يعد جريمة نكراء وانتهاكًا صارخًا للقوانين والأعراف
الدولية، مؤكدة أن الاستهداف يأتي ضمن نهج ممنهج لقمع الإعلام ومنع نقل الحقيقة.
ووصف مدير مكتب «الجزيرة»
في غزة وائل الدحدوح الحادثة بأنها امتداد لسلسلة طويلة من الانتهاكات، مشيرًا إلى
أن عدد الصحفيين الذين قتلوا في القطاع تجاوز 262 صحفيًا خلال الفترة الماضية، في
ظروف ميدانية شديدة الخطورة.
أما المتحدث
باسم المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة، فقد اعتبر أن استهداف
الصحفيين يأتي في سياق سياسة تهدف إلى طمس الحقيقة، محذرًا من استمرار الانتهاكات
رغم الدعوات الدولية لوقفها.
في الجانب السياسي
وأيضًا لا جديد
في هذا الجانب، فلم تُمكَّن اللجنة الإدارية من دخول غزة وممارسة عملها بالقطاع
وتسلم الأجهزة والمؤسسات، رغم إعلان «حماس» استعدادها لذلك، بل وثمة محاولات حثيثة
للضغط على المقاومة، من قِبل المندوب السامي لغزة في مجلس السلام نيكولاي
ملادينوف، باتجاه تسليم السلاح والإسراع في ذلك، دون أي التفات لاستحقاقات المرحلة
الأولى التي يتملص منها الكيان.
وتستعد حركة «حماس»
مع الفصائل الفلسطينية لبلورة ردها الذي سيُقدم لملادينوف، حول خطة نزع السلاح،
بعد مشاورات جرت بالقاهرة مع الفصائل والوسطاء يوم الأحد 12 أبريل.
وذكرت مصادر
مقربة من المشاورات أن الرد سيتركز على التمسك أولاً بجدول زمني لتنفيذ التزامات
الكيان في المرحلة الأولى، خاصة ما يتعلق بإدخال المواد الإغاثية وتوسيع إدخال
المساعدات بما لا يقل عن 600 شاحنة يوميًا، وإدخال مواد إعمار للبنية التحتية،
ووقف الخروقات اليومية، والسماح بدخول لجنة إدارة غزة إلى القطاع لمباشرة مهامها
فورًا.. ثم بعد ذلك يكون الدخول في مناقشات المرحلة الثانية.
وليس مفاجئًا أن
الكيان الصهيوني يحاول التلاعب ببنود الهدنة سواء في مرحلتها الأولى أو الثانية،
ويسعى للتملص من أي استحقاق، مركّزًا فقط على نزع السلاح وربط ذلك بالإعمار وتلبية
الحاجات الإنسانية للقطاع.
ويساعده على ذلك
الدعم الأمريكي غير المحدود، مع انشغال المنطقة في صراعات جديدة ومتصاعدة يشعلها
الكيان؛ فيما يبدو سياسة متعمدة منه، لتخفيف الضغط الدولي عليه تجاه غزة، ولفرض
وقائع جديدة على الأرض، سواء فيما يخص غزة والضفة أو لبنان وسورية، فضلاً عن هروب
نتنياهو من استحقاقات الجبهة الداخلية في الكيان.
وإذا كانت سياسة
إشعال الحرائق أسلوبًا متبعًا من الكيان لعقود، فإن غزة تجد نفسها منسيةً وسط ركام
الأحداث المتتالية، وتجد معاناتها تتضاعف خاصة مع تفلت الكيان مما يجب عليه،
ومحاولته تكثيف الضغط لانتزاع ما فاته تحقيقه في الميدان.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً