أهوال القيامة (4)
فائدة البحث في الأشراط والمغيبات المستقبلة
يمكننا أن نوجز
الفوائد التي نحصل عليها من وراء دراسة الأخبار التي تحدث بأشراط الساعة والمغيبات
المستقبلة في الأمور التالية:
1- الإيمان بهذه
الأخبار -إذا تحققنا صدقها- هو من الإيمان بالله، والإيمان برسوله، إذ كيف نؤمن
بالله ورسوله ثم لا نصدق بخبرهما! (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى
لِّلْمُتَّقِينَ {2} الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (البقرة).
2- وقوع تلك
المغيبات على النحو الذي حدثت به الأخبار يثبت الإيمان ويقويه، فالمسلمون في كل
عصر يشاهدون وقوع أحداث مطابقة لما أخبرت به النصوص الصادقة، فقد شاهد الصحابة
انتصار الروم على الفرس، ثم انتصر المسلمون على الفرس والروم، وظهر الإسلام على
جميع الأديان، وشاهدوا فرقة الأمة في العام الذي حدده الرسول صلى الله عليه وسلم،
وشاهدوا كثيراً من الأحداث على النحو الذي أخبرت به النصوص، وكذلك الحال في كل
عصر، يشاهد المسلمون وقائع وأحداثاً جاءت بها الأخبار، ولا شك أن هذا له أثر كبير
في تثبيت المؤمن على إيمانه، وقد يكون ذلك مدخلاً لدعوة الآخرين إلى هذا الحق الذي
جاءنا من ربنا.
3- تثبيت
الإيمان بيوم القيامة، فالقيامة وأهوالها من الغيب الذي أخبرنا به الله ورسوله،
والإيمان به إحدى دعائم الإيمان، ووقوع الوقائع في الدنيا على النحو الذي جاءت به
النصوص دليل واضح بَيِّن على صدق كل الأخبار ومنها أخبار الساعة. فالكل من عند
الله تبارك وتعالى.
4- بعث الله
رسوله دالاً على الخير محذراً من الشر، وقد دل الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه
على المنهج الأمثل الذي ينبغي أن يسلكوه في الوقائع التي وقعت في عصره.
وفي إخباره
بالمغيبات المقبلة توجيه للذين جاؤوا من بعده من أمته كيف يتصرفون حيال الأحداث
التي قد يخفى عليهم وجه الحق فيها، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: "
كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزلنا منزلاً، فمنا من يصلح خباءه،
ومنا من يَنْتَضِل، ومنا من هو في جشره، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه
وسلم فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " إنه لم يكن نبي
قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه
لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها،
وتجيء فتنة، فَيُرقِّق بعضها بعضاً، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف، وتجيء
الفتنة، فيقول المؤمن: هذه، هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته
منيته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن
بايع إماماً، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء الآخر
ينازعه، فاضربوا عنق الآخر (رواه مسلم والسياق له والنسائي وابن ماجة وأحمد)(1).
ومن هذه
التوجيهات التي كان لها أثر كبير في توجيه المسلمين إلى الحق تبشيره عثمان رضي
الله عنه بالجنة على بلوى تصيبه، وإخباره بأن عماراً تقتله الفئة الباغية، وأمره
أبا ذر بأن يعتزل الفتنة، وألا يقاتل ولو قتل. ويمكن أن يستفاد هذا المعنى من حديث
حذيفة حيث كان يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشر مخافة أن يدركه، بينما
أصحابه كانوا يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخير، ومن هذا نهى الرسول صلى
الله عليه وسلم المسلمين عن أخذ شيء من جبل الذهب الذي ينحسر عنه الفرات في آخر
الزمان، وإخباره عن حقيقة الدجال، وبيان ما يأتي به من الشبهات، وغير ذلك من
الكائنات التي يبصر الرسول صلى الله عليه وسلم أمته بالتصرف الأمثل حيالها.
5- قد تمر
بالمسلمين وقائع في مقبل الأيام تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها، ولو ترك
المسلمون إلى اجتهادهم - فإنهم يقد يختلفون، وقد لا يهتدون إلى الصواب، بل قد يكون
بيان الحكم الشرعي في تلك الأحداث واجب لا بدَّ منه، وعدم البيان يكون نقصاً تنزه
الشريعة عنه. فمن ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الدجال يمكن في الأرض
أربعين يوماً، يوم من أيامه كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وبقية أيامه كأيامنا،
وقد سأل الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم عن تلك الأيام الطويلة أتكفي في الواحد
منها صلاة يوم، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا، اقدروا له قدره، ولو وكل
العباد إلى اجتهادهم لاقتصروا على الصلوات الخمس عند الأوقات المعروفة في غير هذه
الأيام. وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن عيسى بعد نزوله لا يقبل الجزية من
اليهود والنصارى، ولا يقبل منهم إلا الإيمان، وهذا البيان من الرسول صلى الله عليه
وسلم ضروري، لأن عيسى يحكم بهذا الشرع، وهذا الشرع فيه قبول الجزية ممن بذلها إلى
حين نزول عيسى ابن مريم وحين ذاك توضع الجزية، ويقتل كل من رفض الإيمان، ولو بذل
الجزية.
6- التطلع إلى
ما يحدث في المستقبل أمر فطري فالإنسان يجد في نفسه رغبة شديدة إلى معرفة الوقائع
والكائنات التي قد تحدث للجنس الإنساني، أو تحدث للأمة التي هو منها، أو قد تحدث
له، ولذلك فإن الزعماء والرؤساء، بل والأفراد يلجؤون في معرفة ذلك إلى السحرة
والكهان والمنجمين، فجاءهم الله بالحق الذي يغني ويكفي ويشفي في هذا الجانب.
وقد تعرض ابن
خلدون لهذه الفائدة في مقدمة تاريخه، فقال: "اعلم أن من خواص النفوس البشرية
التشوُّف إلى عواقب أمورهم، وعلم ما يحدث لهم من حياة وموتٍ وخيرٍ وشر، سيما
الحوادث العامة كمعرفة ما بقي من الدنيا، ومعرفة مدد الدول أو تفاوتها، والتطلع
إلى هذا طبيعة للبشر مجبولون عليها. ولذلك نجد الكثير من الناس يتشوفون إلى الوقوف
على ذلك في المنام.
والأخبار من
الكهان لمن قصدهم بمثل ذلك من الملوك والسوقة معروفة، ولقد نجد في المدن صنفاً من
الناس ينتحلون المعاش من ذلك لعلمهم بحرص الناس عليه، فينتصبون لهم في الطرقات
والدكاكين يتعرضون لمن يسألهم عنه، فتغدو عليهم وتروح نسوان المدينة وصبيانها،
وكثير من ضعفاء العقول، يستكشفون عواقب أمورهم، في الكسب والجاه والمعاشرة
والعداوة وأمثال ذلك، ما بين خط في الرمل ويسمونه المنجم، وطرق بالحصى والحبوب
ويسمونه الحاسب، ونظر في المرايا والمياه ويسمونه ضارب المندل، وهو من المنكرات
الفاشية في الأمصار، لما تقرر في الشريعة من ذلك، وأن البشر محجوبون عن الغيب إلا
من أطلعه الله عليه من عنده في نومٍ أو ولاية.
وأكثر ما يعتني
بذلك ويتطلع إليه الأمراء والملوك في آماد دولتهم، ولذلك انصرفت العناية من أهل
العلم إليه. وكل أمةٍ من الأمم يوجد لهم كلامٌ من كاهن أو منجم أو ولي في مثل ذلك
من ملك يرتقبونه أو دولة يحدثون أنفسهم بها، وما يحدث لهم من الحرب والملاحم، ومدة
بقاء الدولة، وعدد الملوك فيها، والتعرض لأسمائهم، ويسمى مثل ذلك الحدثان.
وكان في العرب
الكهان والعرافون يرجعون إليهم في ذلك، وقد أخبروا بما سيكون للعرب من الملك
والدولة، كما وقع لشق، وسطيح في تأويل رؤيا ربيعة ابن نصر من ملوك اليمن، أخبرهم
بِمُلْكِ الحبشة بلادهم، ثم رجوعها إليهم، ثم ظهور الملك والدولة للعرب من بعد
ذلك.
وكذا تأويل سطيح لرؤيا الموبذان حين بعث إليه كسرى بها مع عبد المسيح، وأخبرهم بظهور دولة العرب. وكذا كان في جيل البربر كهان من أشهرهم موسى بن صالح من بني يِفْرَنْ، ويقال من غمرة، وله كلمات حدثانية على طريقة الشعر برطانتهم، وفيها حدثان كثير، ومعظمه فيما يكون لزناتة من الملك والدولة بالمغرب، وهي متداولة بين أهل الجبل، وهم يزعمون تارة أنه ولي، وتارة أنه كاهن، وقد يزعم بعض مزاعمهم أنه كان نبياً، لأن تاريخه عندهم قبل الهجرة بكثير. والله أعلم(2).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً