فاتورة الحرب تضغط على أحلام الزواج

أميرة زكي

31 مارس 2026

230

بين عشية وضحاها، ألقت حرب إيران بظلالها الثقيلة على حياة المواطن العربي، فارتفعت أسعار الذهب والعقارات والغذاء، فتحول حلم الزواج إلى عبء وغاية صعبة المنال.

في غرفة متواضعة بأحد أحياء القاهرة، جلس شاب عشريني يتفقد صور خطيبته التي تأجل زفافه بها بسبب ارتفاع مستلزمات الزواج مع اندلاع الحرب «الإسرائيلية» الأمريكية على إيران، والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج.

الحروب المتلاحقة والأزمات التي غمرت المنطقة العربية سببت قفزات في أسعار العقارات والأجهزة والأطعمة، فهل أصبح الزواج في العالم العربي رفاهية محظورة؟

صدمة التكاليف

قبل الحرب كانت تكاليف الزواج في العالم العربي والخليج تحديدا مرتفعة مسبقاً، ففي مصر على سبيل المثال، تتجاوز التكاليف مليوني جنيه مصري، وفي الكويت تصل التكلفة الإجمالية إلى حوالي 30 ألف دينار كويتي، والمهر بين 6-10 آلاف دينار.

وقد زادت الحرب الأخيرة على إيران الطين بلة، وزادت الضغوط على المواطنين وحملتهم أعباء إضافية مع ارتفاع الوقود والعقارات والأطعمة والعديد من المنتجات.

فيما يخص تكاليف واستعدادات الزواج، نتج عن الأحداث الأخيرة زيادة تكاليف النقل والمواصلات حيث زادت أسعار الوقود ورفعت تكلفة تأجير سيارات الزفاف وحافلات نقل الضيوف.

تجهيزات المنزل أيضاً ارتفعت حيث زاد سعر الأجهزة الكهربائية والإلكترونية بسبب زيادة تكاليف الشحن والتأمين، كما زادت تكلفة الأثاث بعدما تأثرت أسعار الأخشاب والمعادن المستوردة بارتفاع تكاليف الإمدادات؛ ما رفع أسعار قطع الأثاث.

وارتفعت فاتورة حفلات الزفاف حيث زادت أسعار المواد الغذائية والمشروبات بسبب ارتفاع تكاليف النقل والزراعة أثرت بشكل مباشر على تكلفة الولائم.

وتفاقمت أزمة السكن بعدما زادت أسعار مواد البناء (الحديد والأسمنت) ما أدى لارتفاع الإيجارات أو زيادة قيمة وحدات الزواج (الشقق)؛ ما يشكل عبئاً إضافياً على المقبلين على الزواج.

لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة لتكاليف الزفاف بعد الحرب، لكن من المتوقع تفاقم انخفاض نسب الزواج بعد هذه الأزمة.

عجز تجاري

يقول ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي: إن نسب ارتفاع تكاليف الزواج مرتبطة بفترة استمرار الحرب؛ وبالتالي تداعياتها على الاقتصادات العربية، فالدول التي تعاني من العجز التجاري المزمن وعددها 14 دولة عربية على رأسها مصر والمغرب والأردن والسودان ولبنان وتونس، سترتفع بها أسعار السلع المستوردة ومنها الأجهزة المنزلية حتى لو كانت مصنوعة محلياً؛ لأن معظم مكوناتها تكون مستوردة، وهو أمر ينسحب على الكثير من مستلزمات الزواج بداية من لوازم المطبخ وحتى مستلزمات تشطيب الوحدات السكنية.

وأضاف، في تصريحات لـ«المجتمع»، أن نسب الزيادة لن تقل عن نسبة 20% في ضوء ارتفاع أسعار المعادن لتصنيع الأجهزة المنزلية محلياً.

وأوضح الولي أنه حتى فبراير الماضي الذي بدأت الحرب بنهايته كانت نسبة التضخم، في بعض البلدان عالية، 13.4% بمصر، و11.6% بفلسطين، و12.3% بلبنان، و11.35% بسورية، وهي نسب ليس لها مصداقية لدى الخبراء أو لدى المواطنين، حيث يتم حسابها على عدد كبير من السلع والخدمات، بينما يتركز استهلاك غالب المواطنين على عدد محدود من السلع والخدمات، ولهذا يشعر غالب المواطنين أن نسب التضخم الرسمية أقل من الواقع بكثير.

حلول للإنقاذ

وتبدأ الحلول، بحسب الولي، بالاستعانة بالله والعمل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: «ثلاثةٌ حقٌّ على اللَّهِ عونُهم: النَّاكحُ الَّذي يريدُ العفافَ، والمُكاتبُ الَّذي يريدُ الأداءَ، والمجاهدُ في سبيلِ اللَّه».

ويطالب حكومات الدول بمساعدة الشباب المقبل على الزواج عبر تسهيلات مثل قروض ميسرة أو تخفيضات ضريبية على مستلزمات الزواج.

ويؤكد الولي أن المساعدة الرئيسة التي تستطيع الحكومات من خلالها دعم الشباب توفير فرص العمل المناسبة التي تمنح أجوراً تكفي أساسيات المعيشة وتتيح تكوين بعض الفوائض التي يمكن ادخارها للزواج، وكذلك الحد من الارتفاعات المستمرة في الأسعار للسلع والخدمات بنسب أكبر من زيادات الأجور الدورية.

ويضيف أن نسب البطالة بين الشباب مرتفعة، وبالتالي تضغط على فرص الزواج، فحسب أرقام صندوق النقد العربي، بلغت نسبة بطالة الشباب من سن 15 إلى 24 سنة، 44% بمصر، و43.6% بعُمان، و43.2% بقطر، و41.7% بالبحرين، و41.1% بالعراق، و36.6% بالأردن، و36.5% بلبنان، و31.7% بالسعودية، و29.8% بالمغرب، و29.4% بالجزائر، و24.2% بالإمارات، و22.9% بتونس، وهي نسب مرتفعة تزيد كذلك باليمن وفلسطين والسودان والصومال، فما بالنا بنسب البطالة بين الشباب بعد تداعيات الحرب على إيران؟

الاستثمار بالزواج

وأوضح الولي أن الزواج في حد ذاته يعد استثماراً واستقراراً نفسياً واجتماعياً للشباب، يزيد من إحساسهم بالمسؤولية خاصة بعد الإنجاب ويدفعهم لمزيد من العمل للإنفاق على أسرهم، لكن عوامل البطالة وارتفاع تكاليف الزواج تؤدي لانخفاض أعداد حالات الزواج، وها هي بيانات جهاز الإحصاء المصري تشير إلى انخفاض معدل الزواج الخام من 10.9 حالة زواج من بين كل ألف شخص عام 2011 إلى 8.8 حالات زواج من بين كل ألف شخص عام 2024م.

وتابع: بالطبع فإن تأجيل الزواج يقلل من معدلات الزيادة السكانية التي تعد عاملاً إيجابياً يمكن توظيفها في الأنشطة الاقتصادية المختلفة بالداخل والخارج، كما يزيد من مشكلة نقص الأيدي العاملة التي تعاني منها العديد من الصناعات خاصة بعد استقطاب عربات «التوك توك» مئات الآلاف من الشباب المصريين على حساب الصناعات الحرفية والأنشطة الصناعية والزراعية والخدمية.

تقشف ضروري

لقد أصبح التساهل والتقشف في المهور ومنع التقاليد المبالغة ضرورة بمثابة الفرض، ولا ننسى ما وصانا به الإسلام حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير النساء أيسرُهنْ مَهْرًا»، وفي رواية: «أقلهن مهرًا أكثرهن بركة».

من جانبها، اقترحت الخبيرة القانونية منال العربي سن تشريع قانوني يضع سقفاً للمهور ونفقات الزواج، ورأت خلال حديثها لـ«المجتمع»، أنه يمكن إنشاء ما يشبه صناديق الزواج الوطنية يكون دورها تمويل 70% من تكاليف الزواج للشباب ذوي الدخل المنخفض، مقابل التزام بعقود عمل عامة لمدة 3 سنوات، مع توفير سكن اجتماعي جاهز.

إن فاتورة الحروب لا تميت الأبدان فحسب، بل تدفن الأحلام تحت أنقاض الأرقام، لكن الفلاح لمن أيقن أن البيوت لا تُبنى بالذهب، بل بالتقوى، فما أحوج شبابنا اليوم إلى فقه التيسير، وإلى زواج تسبق فيه البركة الحساب، وتعلو فيه المودة على المهور والقناعة بأن الزواج الناجح لا تصنعه الولائم الفاخرة، بل القلوب العامرة بالإيمان.



اقرأ أيضاً:

جيل خليجي يختار العزوف عن الزواج!

الشباب والجنس.. المغريات وارتفاع تكاليف الزواج

العادات الاجتماعية بالدول العربية وتأثيرها على زواج الشباب

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة