فاطمة الفهرية.. وهندسة المعرفة

د. رولا الحيت

30 يوليو 2026

159

فاطمة الفهرية.. وهندسة المعرفة

قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم أن يتقنه»؛ هي التقوى إذن التي وجهت طاقة فاطمة الفهرية إلى معالي الأمور، ودفعت بها لتقديم أفضل ما لديها، وجعلت الإتقان وقود همتها وتميزها.

فاطمة الفهرية واحدة من أعظم الشخصيات النسائية في التاريخ الإسلامي والعالمي، تركت بصمة غيرت مجرى التعليم العالي في العالم أجمع.

ولدت فاطمة بنت محمد الفهرية القرشية، والمعروفة بأم البنين، في أوائل القرن الثالث الهجري (نحو عام 800م) في مدينة القيروان (تونس الحالية)، وتنحدر من ذرية عقبة بن نافع الفهري، فاتح أفريقية.

في عهد الأمير الإدريسي إدريس الثاني، تروي الكتب أنها هاجرت مع عائلتها ومعهم 200 من العائلات العربية من القيروان إلى مدينة فاس في المغرب الأقصى؛ بحثاً عن الاستقرار والفرص الجديدة، وقد استقرت العائلة في حي عرف لاحقا بـ«عدوة القرويين».

بيت فاطمة الفهرية بيت علم وفضل وثراء، كان مثل هذا البيت كفيلاً بأن تتلقى فاطمة تعليماً دينياً وثقافياً ممتازاً، وأهم صفاتها الزهد والذكاء والحكمة، يزين كل هذه الخصال اتصافها بالورع وتقوى الله تعالى وخشيته.

كانت حياتها الأسرية مستقرة إلى أن تلاحقت عليها الخطوب، فقد توفي والدها ولحق به زوجها ثم شقيقها، لتجد نفسها وحيدة مع شقيقتها مريم.

ورثت فاطمة وشقيقتها ثروة طائلة، وهنا ظهرت التربية الصالحة؛ فبدلاً من إنفاق المال في الترف وملذات الدنيا، جاء القرار التاريخي بتوجيه هذه الثروة لخدمة المجتمع.

بناء جامعة القرويين

قررت أختها مريم بناء مسجد الأندلسيين، بينما ركزت فاطمة على مشروع عمرها؛ جامع وجامعة القرويين.

بدأت ببناء الجامع، والذي دفعها إلى ذلك أنها لاحظت أن مساجد فاس ضاقت بالمصلين، فاشترت أرضاً فضاء بائرة، وشرعت ببناء الجامع الذي استمر لسنوات، خلال هذه السنوات ظهرت صفة التقوى في شخصيتها وتصرفاتها؛ حيث اشترطت ألا تستخرج مواد البناء من حجر وجبس ورمل إلا من الأرض التي اشترتها نفسها؛ تجنباً لأي شبهة مالية.

ومن شدة تقواها فقد بدأت بالبناء في الأول من رمضان وصامت طوال فترة البناء التي كما ذكرت استمرت لسنوات.

بدأ المكان كمسجد للصلاة، ولكن بفضل حلقات العلم والدروس التي استقطبت كبار العلماء، تحول سريعاً إلى مؤسسة تعليمية كبرى، صار جامعة تدرس فيها العلوم الدينية والطب والفلك والرياضيات والفلسفة.

نظام تعليمي مؤسسي

لم تبنِ مجرد مسجد للعبادة، بل أرست دعائم نظام تعليمي مؤسسي، وهذه مسيرة التعليم من خلال جامعتها بالنقاط التالية:

1- مأسسة التعليم العالي.. من الحلقات إلى الجامعة: كان التعليم يعتمد على الكتاتيب أو حلقات العلم العفوية في المساجد، إلا أن فاطمة الفهرية نقلت هذا العمل إلى إطار مؤسسي منظم، ووضعت القرويين كأول مؤسسة تمنح إجازات علمية وتتبع نظاماً تعليمياً مستقراً؛ ما جعلها تُصنف من قِبل «يونسكو» وموسوعة «غينيس» كأقدم جامعة مستمرة في العالم.

2- اتسمت جامعتها بشمولية المناهج وعالمية المعرفة: فلم تقتصر على العلوم الشرعية والفقهية فحسب، بل أضافت أبعاداً علمية وتجريبية غير مألوفة في ذلك العصر.

وبالنظر إلى العلوم التي كانت تدرَّس، فإننا نجد شمولية المناهج، من العلوم الطبيعية؛ الطب، والفلك، والكيمياء، إلى العلوم الإنسانية، والرياضيات، والهندسة، والتاريخ، والجغرافيا، والموسيقى، ولم تنس العلوم اللغوية كالنحو، والبلاغة، والأدب.

3- ابتكرت نظام «الكراسي العلمية» والإجازات، حيث كان يُخصص لكل عالم جهبذ «كرسي» يُدرس فيه تخصصه وهو نظام ما زالت الجامعات الغربية والحديثة تفخر بتطبيقه حتى اليوم تحت مسمى «Academic Chair».

وجامعة القرويين كانت رائدة في منح «الإجازة» (الشهادة الجامعية) التي تخول صاحبها ممارسة المهنة أو التدريس.

4- ساهمت في ترسيخ مجانية التعليم والدعم الاجتماعي (الأوقاف): ومن أعظم إضافاتها أنها لم تكتفِ ببناء الجدران، بل اشترت الأراضي المحيطة بالمسجد وحولتها إلى أوقاف يصرف ريعها على رواتب المعلمين والأساتذة لضمان تفرغهم العلمي، وساهمت كذلك في توفير السكن والمأكل والكتب للطلاب المغتربين، وهو ما يسمى بـ«نظام المنح الدراسية».

هذا النموذج جعل التعليم حقاً مكفولاً للكفاءة لا للمكانة المالية.

5- ومما يميز هذه الجامعة أنها تعد مركزاً للمثاقفة وحاضنة لعلماء التاريخ.

لقد أضافت فاطمة الفهرية للعالم مركزاً لجذب العقول من الشرق والغرب، ولم تكن حكراً على المسلمين؛ بل كانت جسراً ثقافياً درس فيه وتخرج منه علماء وفلاسفة، مثل: ابن خلدون (مؤسس علم الاجتماع)، وابن رشد (الفيلسوف والطبيب الشهير)، والشريف الإدريسي (الجغرافي الفذ)، والبابا سيلفستر الثاني (جيربرت دي أوريلاك) الذي نقل الأرقام العربية والصفر إلى أوروبا بعد دراسته في القرويين.

مفهوم الجامعة الحديثة

فاطمة الفهرية لم تضف مجرد مبنى، بل أهدت الفكر الإنساني مفهوم الجامعة الحديثة القائم على استقلالية العلم، وتنوع المناهج، والاستدامة المالية عبر الأوقاف، لتثبت مبكراً جداً أن المرأة العربية والمسلمة كانت في صدارة صناعة الاستقرار المجتمعي والتنمية المستدامة من بوابة المعرفة.

الشهادة وحدها لا تكفي، لا بد من الإحاطة بالعلوم والمهارات التي تساعد في حل المشكلات الحقيقية في المجتمع، كالتنمية والتعليم والاستقرار المجتمعي، ثم ما المانع من التركيز على المشاريع التي تمنح الأفراد أدوات الإنتاج والاعتماد على الذات، ويتحقق هذا الأمر في التركيز على الجهود التطوعية واستثمار الموارد المتاحة لبناء الإنسان، ومحاولة الإنتاج مما هو متاح بدلاً من الاعتماد على المساعدات.

إننا بحاجة للتركيز على تربية جيل يقدر العلم والمسؤولية المجتمعية تمامًا كبيت العلم والفصل الذي نشأت فيه فاطمة الفهرية، وبحاجة إلى تحويل التحديات والظروف الأسرية أو الاجتماعية الصعبة إلى نقطة انطلاق لبناء الذات والمجتمع، وإثبات أن المرأة قادرة على قيادة قاطرة التنمية المستدامة، وكل ذلك يزينه ويؤسسه الضمير الحي والأمانة والورع والتقوى، فالإتقان ليس مجرد مهارة، بل هو سلوك نابع من قيم راسخة تضمن بركة العطاء وجودته.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة