أوصاني حبيبي (6)

فاكهة المجالس!

مصطفى المكبر

15 فبراير 2026

1514

فاكهة المجالس!

خُروجانِ ليس لك فيهما خيار، وبِرَغمِك يمتدُّ بينهما طريقُ دُنياك؛ خُروجُ البداية، وخُروجُ النهاية؛ فأمّا خروجُ البداية فخروجُك من بطن أمّك وليدًا، ولا تستطيع أن تعود، وأمّا خروجُ النهاية؛ فخروجُ روحك من حُلقومِك، ولا تستطيع أن تُعيدَها.

كذلك إذا خرجتْ كلمةُ السوء من فمك، لا تستطيع أن تُعيدها، ولكنّ لك الخيار هنا، ففكِّر قبل أن تتكلّم وتتعامل مع الآخرين، فلا يكفي أن تُغلِّف كلامك بغلاف اللطف في حضورهم فحسب، بل عليك بنفس الغلاف في غيابهم أيضًا.

معنى الغِيبة

داوِ أدواء(1) لسانك بتعاليم حبيبك صلى الله عليه وسلم، فإذا أمرك بالقول فقل، وإذا أمرك بالكفِّ فكف، والآن تودد إليه واستمع إلى سؤاله وجوابه: «أتدرون ما الغيبة؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، فأجاب صلى الله عليه وسلم: «ذكرك أخاك بما يكره»، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته»(2)، فلا تكن مغتابًا حتى لو كنت صادقًا، وكن مُثْـنِـيًا صادقًا في ثنائك.

في هذا الحديث الشريف يوصيك الحبيب صلى الله عليه وسلم بترك الغيبة، ويُعلِّمك أنها حديث يحكمه الظلام، لأنك تذكر أخاك المسلم بما يكره في غيابه، وتطعنه بلسانك في ظهره، وأنّ الفارق الأساسي بين الغيبة والبُهتان، أن الغيبة تكون بذكر ما في الشخص من عيوب فعلاً، أما البهتان فهو الكذب والافتراء عليه بما ليس فيه، وهو أشد تحريمًا.

ومن فوره يصكُّ آذانك قوله تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) (الهمزة: 1)؛ ووَيلٌ اسم لوادٍ في جهنَّم، به عذاب وهلاك شديد، والهمزُ واللَّمزُ، أو الهَمّازُ واللَّمّازُ، كلاهما يعنيانِ عيبَ الناس والانتقاص منهم، لكن غالبًا ما يُفَرَّقُ بينهما بأنَّ الهَمزَ يكونُ بالفعلِ أو بالإشارةِ، أو المحاكاة، كغمزة العين أو حركة اليد، بينما اللمزُ يكون بالقول وذكر عيوب الناسِ في غيابهم، والسُّخريةِ منهم.

والغيبةُ معدودةٌ من الكبائرِ شرعاً، وما عدَّها الشرعُ كبيرةً إلا لأنها ظلمٌ بيِّنٌ ممّن وقعت منه الغيبةُ للذي وقعت عليه، فتنقصُ من قدرِ الشخصين، وتُوقِعُ العداوةَ والبغضاءَ بين الناس، وتُدمِّرُ العلاقاتِ الاجتماعية؛ لذا، نهى الله عز وجل عنها، وشبَّهها بأكلِ لحمِ الميت، فلا تجعلْ لسانَك يتشابكُ مع الظلام، فيضلَّ طريقَه ويأخذْك معه إلى أكلِ لحومِ الناسِ والوقوعِ في أعراضِهم، اصمُتْ عن كلِّ مساوئِهِ، واجعله ينتمي إلى هذه الآية؛ (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) (الحجرات: 12).

واسأل نفسك: هل سيغتسل لسانك ويتطهر بذكرك لعيوب أخيك؟ هل ستزدهر نفسُك بأكلك للحمه ميتًا؟ وهل سيُـرْوى قلبُك بكراهيةِ الآخرين لك؟

أسباب الغِيبة

لا ريب أنك لا تريد، إذن امتشق(3) هذه الإرادة ولا تدعْ هواجسَ غِيبةِ الناسِ تَغْشَ خاطرك ولسانك بين الحينِ والآخَر، وقد استشفها أهل العلم من هذه الرذائل(4): الحسد والغيرة، الخصومة والحقد، السخرية والاستهزاء، والجهل بأضرار الغيبة، ومجالسة من يكثرون الغيبة.

مُبِيحات الغِيبة

وربَّما ضغطت إحدى هذه الرذائل على جرح أحدهم، فضجَّ سائلًا: وإذا كان إنسانًا خبيثًا وأنا أحذر الناس منه، فهل..؟

فألحقه: مهلًا، دعني أُكمل: تُباح الغيبة في 6 مواضع حدّدها العلماء، ومنها ما قاله الإمام النووي(5)، وهي:

1- الشكوى عند القاضي أو عند من يحلّ المشكلة: كالقول: «ظلمني فلان» ليأخذ حقه.

2- الاستعانة على تغيير المنكر: كمن يخبر من يستطيع إزالة المنكر ليعمل على إصلاحه.

3- الاستفتاء: كأن تقول للمفتي: ظلمني أبي أو زوجي، لتعرف حكم الشرع.

4- التحذير والنصيحة: كالتحذير غشّاش أو فاسد إذا ترتب على السكوت ضرر.

5- من جهر بالمعصية: يجوز ذكر معاصيه الظاهرة فقط، كمن يشرب الخمر علنًا.

6- التعريف: كقولك الأعور أو الأعرج للتعريف فقط، دون قصد الانتقاص.

لكن، لا يجوز التوسع في الغيبة تحت هذه الذرائع، بل يجب الاقتصار على الحاجة فقط، مع إخلاص النية.

علاج الغِيبة

فاتَّقِ الله فيما عَلِمْتَ، وما خَفِيَ عليك عِلْمُه، فَكِلْهُ إلى عَالِمِه، وإذا وضعت يدك على عيبٍ لمسلم، فلا تضع عليه لسانك، وكن ستَّارًا وسِتارًا، وأنت الرابح، فقد قال أخوفُ الناسِ عليك، وأرأفُهم بكَ صلى الله عليه وسلم: «ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة»(6)، فأدرِكْ معنى العبارة النبوية الشريفة، وتصرَّفْ وَفْقًا لمعناها، فأنت تحتاج إلى حمايتِها في الدنيا والآخرة، ولا تجعلِ الغيبةَ تسرق لُبَّك، فإنها فاكهةُ المجالس، تأخذُك في طوافٍ لذيذ فيما يكرهه الناسُ في سِيَرِهم وسَيْرِهم، دونَ غايةٍ تتحقَّقُ في الدنيا، أو منزلةٍ تُدْرَك في الآخرة، ولَئِن أردتَ بها هذه أو تلك أَلصَقتَ بك جملةً من المعايبِ تجعلك إلى مهلكةٍ تتدفَّق.

أَعِرْ مسامعَك لحبيبك صلى الله عليه وسلم: «لما عُرِجَ بي مررتُ بقومٍ لهم أظفارٌ من نحاس، يخمشون وجوهَهم وصدورَهم، فقلتُ: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحومَ الناس، ويقعون في أعراضِهم»(7)، يُحذِّرك النبي صلى الله عليه وسلم من الغِيبة، ويُخبرك بحُنُوّه أنَّ المسلم سيِّد نفسه، وإذا حفِظ لسانه حفِظَها، وأنَّ من يستهينُ بكلمة غِيبةٍ اليوم، فقد استهان بالجنة غدًا، فلا تتحِدْ مع الخطأ، وتَتَحَدَّ تحذيرَه، فالغيبة أو أيُّ ذنبٍ يخالِف الدين، يُلقي بظلِّه على نفسك وعالمك، ويدفعُ بالغُيوم السوداءَ كي تَحُومَ حول شخصك ظاهرًا، وحول قلبك باطنًا، فلماذا تُضحِّي بنفسك؟ بل لنقُلْ: لماذا تُضحِّي بالجنة؟

الغيبة هي فاكهةُ المجالس وأنت طَعِمْتَ منها واستمرأتَها، وحتى ما انقضى طَعْمُها، ومُحِي أثرُها بَقِيَ ذنبُها شاهدًا عليك، لا يَغُضُّ الطَّرْفُ عنك إلا بالتوبة، فاجعل ثمراتِ عقلِك، وحركاتِ لسانِك تحت ظِلِّ الإسلام، ولا تجعل لسانَك سَيْفًا على رَقَبَتِك، ومن الآن قُلْ للغِيبةِ: يا فاكهةَ المجالس، غُرِّي غيري، فإنَّ مَذاقَكِ مَمَرورٌ مهما غَمَسْتِيهِ في عسلكِ، ودَعْ لسانَك يعتذر لله عمَّا بَدَرَ منه في حقِّ أعراضِ عبادِه.

وإذا عُدْتَ ووقعتَ، وهذا أمر وارد، فلْتَضْطربْ أركانُ نفسك، ولْتُجَدِّدْ توبتك التي فَسَدَت، لأن الغيبة تُحبِطُ حسناتِك يوم القيامة، بل وتُنقلُها إلى من اغتَبْتَه، وإن لم تكن لك حسنات، نُقِلَ إليك من سيئاتِه، وفي هذا اليوم العسير يُقذَف بالعبد في جهنم بأن تَترجّحَ كفّةُ سيئاته على كفّة حسناته، وربما تُنقَل إليك سيئة واحدة ممن اغتَبْتَه، فيحصُل بها الرُّجحان، وتدخل بها النار، فهل ذِكرُك لعيوبِ الآخرين أعزُّ عليك من حسناتِك التي تُورثُك الجِنان؟ أتُهدي حسناتك لمن تَكره؟

استمعْ لهذا الرجل يقول للحسن البصري: بلغني أنك تغتابني، وكان الحسن يعرف قيمةَ الحسنة ويدري طريقَها، فقال: لم يبلغ مقدارُك عندي أن أُحَكِّمَك في حسناتي(8).

ففكِّر إلى أين يأخذك لسانُك، فلَئِن كنتَ تغتاب غيرك، فالغيبةُ عقوبة لك، وعطاءٌ جميلٌ له، لذلك قال عبدالله بن المبارك، وكان من أخبر الناسَ بمعنى الغيبة ومضارِّها، وأعلمهم بكيفية إِسداءِ المغتابِ بالمعروفِ للمغتابِ فيه: لو كنتُ مُغتابًا أحدًا لاغتبتُ والديّ، فإنهما أحقُّ الناس بحسناتي(9)، وما أحسبه قال مقولتَه إلَّا بملءِ فمِه وفُؤادِه من فَرْطِ حبِّه لأمِّه.

ثُمَّ أتثقُ فيمَن يغتابُ الناسَ لك؟ المُغتابُ لا يرى أحدًا غيرَ نفسِه، يغتابُ هذا لهذا، ويغتابُ ذاك لذاك، فانْـتَـصِح بنصيحة الشافعي: من نمّ لك نمّ عليك، ومن نقل إليك نقل عنك(10).

كبسولاتٌ مأثورةٌ تُفيدكَ في العلاج

ألا يتوجَّع قلبُكَ من ذِكرِ معايبِ الناس؟ أَمسِكْ لسانَكَ عن مساوئِهم، تَنَلْ محاسنَهم.

قال الحسين بن علي رضي الله عنهم: لا تقولنَّ في أخيك المؤمن إذا توارى عنك إلا ما تحب أن يقول فيك إذا تواريت عنه(11).

وقيل لعبدالله بن المبارك: إذا أنت صليت لمَ لا تجلس معنا؟ فأجاب: أَجْلِس مع الصحابة والتابعين وأنظر في كتبهم وآثارهم، فما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس(12).

وقال سهل التستري: من أخلاقِ الصِّدِّيقين ألا يغتابوا، ولا يُغتاب عندهم(13).

وقال موسى بن إبراهيم: حضرتُ معروفًا الكَرْخي، وعنده رجل يَذْكرُ رجلًا ويغتابه، فجعل معروف يقول له: اذْكُر القَطْن إذا وضعوه على عينيك(14).

وقال سفيان بن عيينة: الغِيبة أشدُّ من الدَّين، الدَّين يُقضى، والغِيبة لا تُقضى(15).

وقال ابن عبدالبر: قال عديُّ بن حاتم: الغِيبةُ مَرْعَى اللِّئام(16).

وقال أبو عاصم النبيل: لا يذكرُ في الناس ما يكرهونَه إلا سَفَلةٌ لا دينَ لهم(17).

وقال عبدالله بن وهب: نذرتُ أني كلما اغتبتُ إنسانًا أن أصومَ يومًا، فأجهدني، فكنتُ أغتاب وأصوم، فنويتُ أني كلما اغتبتُ إنسانًا أن أتصدّق بدرهم، فمن حبِّ الدراهم تركت الغيبة(18).

ومما سبقَ استشفَّ علاجًا للغِيبة، وأنبت جمالَك من قُبْحِك، كما تُنبتُ الوردة البيضاء العطرة من الطينِ الأسود(19) الآسِن، وتذكَّر دائمًا أنّ الحسناتُ تسألك الوصالَ، فيقطع لسانُك بينكما.

الهوامش
  • 1 جمع داء.
  • 2 حديث صحيح: أخرجه مسلم (2589)، والترمذي (1935).
  • 3 تسلح.
  • 4 رياض الصالحين، ص 150-152.
  • 5 المرجع السابق، ص 354-255.
  • 6 أخرجه أبو داود (4893)، والترمذي (1426)، وقال: حديث حسن.
  • 7 صححه الألباني في صحيح أبي داود (4878)، وأحمد في مسنده (13340).
  • 8 الجامع لأحكام القرآن (6/ 336).
  • 9 كتاب الغيبة، المكتبة الشاملة، ص20.
  • 10 سير أعلام النبلاء (10/ 99).
  • 11 بحار الأنوار (75/ 127).
  • 12 سير أعلام النبلاء (8/ 398).
  • 13 المرجع السابق (15/ 333).
  • 14 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (7/ 275).
  • 15 المرجع السابق (3/ 103).
  • 16 بهجة المجالس وأنس المجالس (2/ 86).
  • 17 المرجع السابق (2/ 87).
  • 18 أحصاه الله ونسوه، ص42.
  • 19 الفاسد ذو الرائحة الكريهة.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة